الجمعة، 21 يناير 2011

أيها الشباب : اتقوا الله , ويا أيها الولاة : خافوا الله .. سليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فالمسلم مطالب أن يلزم أمر الله تعالى , وألا تغلبه العاطفة , أو يستجرَّه الشيطان المعصية , والاعتراض على القدر , أو يبلغ به الجزع مبلغاً يدفعه لارتكاب خطيئة توبقه , حتى وإن ظن أنها ليست كذلك , أو حاول بعض قاصري النظر ادِّعاء أنها إحدى وسائل التأثير والتعبير.
إنني وأنا أتابع ماتطالعنا به الصحف ووسائل الإعلام هنا وهناك , من محاولات متكررة , وأساليب متنوعة , لمعاجلة النفس بإزهاقها , والتعبير عن حالة القهر والمرارة , بالخلاص من هذه الحياة , التي صار يرى الموت عندها رحمة ونجاة , وهي أساليب اختلف , فمن شنق النفس , إلى محاولة التردي من شاهق , إلى إحراق الأجساد بالنار عياذاً بالله , وهو الأمر الذي تتابع تتابعاً مقلقاً , يوجب على أهل العلم والدعوة المسارعة في بيان خطره , والتعاون في إيجاد الحلول والسبل لمعالجة أسبابه , وإلا فإن فاعله آثم , ومن قدر على منعه بأي وسيلة ثم لم يفعل فإنه آثم كذلك .
أنا أتفهَّم أن يخرج شاب لايدين بدين , ولم ينعم يوماً في حياته بمناجاة الله تعالى , أولم يعرف من هذه الحياة إلا ماتعرفه البهائم ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام  ) فيزهق نفسه و يعاجلها , عند غياب تلك اللذة وذلك المتاع , أما أن يفعل ذلك مسلم ذاق حلاوة المناجاة , وقرأ ما أعدَّه الله للصابرين , وآمن أن لله حكمة في الابتلاء , وأن الدنيا دار امتحان , وأنها سجن المؤمن , وجنة الكافر , وأن الفقر والجوع والظلم والخوف مما يمتحن الله به عباده , ليرى صدق صبرهم , ومدى توكلهم , أو يعاقبهم به لذنب اقترفوه , أولغير ذلك من الحكم العظيمة التي يريدها الله , فإن هذا – من المسلم - مما يدمي القلب , ويفتت الكبد , وذلك لأن فاعله مهدد بعذاب من الله تعالى أشد , وعقوبة أنكى , فهو إنما فرَّ من جحيم الدنيا إلى جحيم الآخرة , وهو بفعله هذا يعترض على حكمة الله تعالى وحكمه , الذي قسم الأرزاق , وقدَّر الأقوات .
لعل قائلاً يقول : إنني لا أعترض على فضل الله الذي يهبه لمن يشاء , ولكني أعترض على تلك الممارسات التي نراها ونسمعها , مما يصبح معها الحليم حيراناً , والغافل مشدوهاً , من تبذير لثروات الأمة , ونهب لمقدَّراتها , لايستحيي أصحابها من مجاهرتهم بها , في حين يمنون على البسطاء بفتاتٍ هو بعض حقهم المشروع , وأعترض على تلك التخبطات , التي قلبت الموازين , وفاقمت المشكلة , هذا محل اعتراضي , أما من سعى واجتهد , فبارك الله له فيما آتاه , ووسَّع عليه في دنياه , فإن هذا ممن فضَّله عليَّ , ولااعتراض على فضل الله .
والحقيقة أن الوقوف عند هذه الاعتراضات مهم جداً , ولعلي قبل أن أقف عندها أستحضر بعض ماورد  في شريعة الله , من نصوص توجب على المسلم مراعاتها , والوقوف عندها , مما ورد فيها النهي عن قتل النفس ومعاجلتها , قبل إيرادها يحسن أن أشير إلى أن العلماء قد اختلفوا في حكم من قتل نفسه في صفوف العدو , أو فجَّر نفسه في مصالحهم للإضرار بهم , وهل يُعدُّ منتحراً أم لا , فما ظنُّك بمن هو دون ذلك بكثير , ممن يقتل نفسه للتخلص مما يجده من عناء الدنيا ومنغصاتها , مما ضعفت نفسه أو ضاقت عن تحمُّله .
ومما جاء في الشريعة في النهي عن استعجال النفس قوله جل جلاله : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) , وقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأُ  بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه , وفيهما عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) , وعند مسلم رحمه الله , عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه ) والمشاقص السهام العراض , وفي الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحزَّ بها يده فما رقأَ الدم حتى مات . قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) .
ولو أن المسلم إذا ضاقت نفسه , وعجز عن دفع مايجده , تذكَّر ماجاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي )
وهذه نصوص صريحة لاتقبل التحريف ولا التأويل , ولايجوز صرفها عن ظاهرها لبعض النتائج المُتوقَّعة , ومن ظنَّ أن مايفعله بعض الناس اليوم , من قتْل أنفسهم بأي صُور القتل , من أنواع التعبير المشروع , أو مما تحتاجه الأمة , أو غير ذلك من المبررات , فو كاذب على شريعة الله , غاشٌّ لأمة الإسلام , والواجب على هؤلاء ألاَّ يدفعوا المقهورين ليكونوا حطباً للنار في الدنيا والآخرة , بل عليهم إن كانوا صادقين أن يجتهدوا في السعي للمقهورين بما يقوي إيمانهم , ويزيد ثباتهم على الحق من جهة , وبما يفتح لهم أبواب السعي والتَّكسب المشروع من جهات أخرى , وتذكيرهم دائماً بأن الدنيا دار امتحان وابتلاء , وأن الإنسان مهما أصابه فيها , فعليه أن يتذكر هدي أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم , الذي كان منه ما حكت عائشة رضي الله عنها لابن أختها عروة ابن الزبير رضي الله عنه بقولها : ( ابن أختي ، إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار . فقلت : يا خالة ، ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار ، كانت لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا ) , وقالت رضي الله عنها في موضع آخر : ( ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير حتى قبض ) , وحكى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فقال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي طاويا وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ) , وأما أبو هريرة رضي الله عنه فقد قَالَ : ( إِنَّمَا كَانَ طَعَامُنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ وَالْمَاءَ ، وَاللَّهِ ، مَا كُنَّا نَرَى سَمْرَاءَكُمْ هَذِهِ ، وَلَا نَدْرِي مَا هِيَ ؟ وَإِنَّمَا كَانَ لِبَاسُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّمَارَ ، يَعْنِي : بُرُدَ الْأَعْرَابِ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِاخْتِصَارٍ .
والآن أعود إلى تلك الاعتراضات , وهي لاتبيح مهما بلغت في قوتها , أن يعاجل الإنسان نفسه , بل على المسلم أن يصبر , فإن عجِز فليتصبَّر ( ومن يتصبَّر يُصبِّره الله ) , وأن يعلم أن للكون ربّاً يديره , وهوسبحانه يرى ويعلم مايقع , ولايخفى عليه شيء ( إن الله لايخفى عليه شيء في الأرض ولافي السماء ) , فإن كان ماوقع للمسلم وقع له وهو صحيح الحال في دينه , قائم بأمر ربه كما ينبغي , فإن ذلك ابتلاء يبتليه الله به , وعاقبته له إن قابله بالصبر والصدق ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) , وأما إن قابله بغير ذلك (فمن سخط فله السخط ) , أما إن وقع له وهو مقصِّر بحق ربه , مُعرض عن أمره , فإن ذلك عقاب من الله , وهنا فعلى المسلم أن يبادر بالرجوع إلى الله , والانكسار بين يديه , لأنه ( مانزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ) , وقد تكون العقوبة من الله للعبد مباشرة , إما بآفة في ماله , أونفسه , أو أهله , أو غير ذلك من العقوبات , أو تكون بظلم يقع عليه من سلطان , أو مدير , أو مسؤول , فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال : كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( يا معشر المهاجرين خمس خصال و أعوذ بالله أن تدركوهن , ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا , و لا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين و شدة المؤونة و جور السلطان , و ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء و لولا البهائم لم يمطروا , و لا خَفَرَ قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم , و مالم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم ) , وقال الحسن رحمه الله : " اعلم – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى ، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف ، وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب , إن نقم الله متى لقيت بالسيوف كانت هي أقطع , ولقد حدثني مالك بن دينار أن الحجاج كان يقول : " اعلموا أنكم كلما أحدثتم ذنباً أحدث الله في سلطانكم عقوبة " , ولقد حدثت أن قائلاً قال للحجاج : " إنك تفعل بأمة رسول الله كيت و كيت ! " , فقال : أجل ، إنما أنا نقمة على أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا ، وتركوا من شراع نبيهم عليه السلام ما تركوا " .
والمقصود أن مايعترض العبد في حياته من الضيق والشدة في معيشته ورزقه , لايخرج من دائرة الابتلاء والعقوبة , وأن مايكون منه عقوبة , يوجب المبادرة بالتوبة , سواء ماكان عقوبة مباشرة , أو ماكان بجور السلاطين والحكام وذوي الرياسات , وهذا لايعني أن العبد يستسلم ويسكت , بل كما وجب تذكير الناس بالتوبة لله تعالى , فإنه يجب تذكير السلاطين والحكام وذوي الرياسات بالعدل , ورفع الظلم , وإزالة مظاهر القهر للناس .
إنه كما يُنصح الناس بلزوم السمع والطاعة للحاكم بالمعروف , ومعاملة مايقع منه على نحو ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلى وفق ماوجَّه به أئمة الإسلام , فإن السلاطين وغيرهم يُنصحون ويُوجَّهون بلزوم شرع الله تعالى , ويُحتسب عليهم , وهذا من تكامل الشريعة وعظمتها , فالذي جاء بـ (اسمع وأطع في عسرك ويسرك ، ومنشطك ومكرهك وأثره عليك ، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية ) ,  هو الذي جاء بـ ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) , ويجمع هذا وذاك مارواه مسلم رحمه الله عن أبي رُقَيَّةَ تَميمِ بنِ أوْسٍ الدَّاريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) , قُلْنَا : لِمَنْ ؟ , قالَ : ( للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) .
 وعلى هذا الأساس , ومن هذا المنطلق , فالنصيحة لحكام المسلمين , ومن ولي من أمرالمسلمين شيئاً أن يتقي الله فيهم , وأن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) , ويقول : ( ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة ) , ويقول : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به) , وأن يسوسوهم بشريعة الله , ويعدلوا بينهم في الأحكام , ويحسنوا إليهم في الأعطيات , وألا يمنعوهم حقوقهم , وألا يغشوهم في شيء من أمرهم .
وإنه لعار وخزي , وجريمة أيُّ جريمة , أن يُحرق شاب نفسه بالنار , أو يعلق نفسه في شاخص , أو يتدهده من جبل , أو يلقي نفسه من بناية , لقلة ذات يده , أو لعوزه وشدته , وبلاد المسلمين تتربع على أغلى وأكثر ثروات العالم .
إن على ولاة أمر المسلمين أن ينظروا في أحوال مجتمعاتهم , ويتفقدوا مواطن الخلل , وينتدبوا لذلك النصحاء والصلحاء , وأن يحذروا الغششة والمنتفعين , وأن يكفوا عن مظاهر الظلم , وقهر المجتمعات بالتصرفات غير السوية , فالشاب الذي لايجد مايدفع به ضراوة الجوع , يزيد في قهره وغضبه مايراه من نفقات لاحصر لها على أضرابه من أبناء العلية والساسة .
 والذي لايجد سكنا يؤويه , أو يصبِّحه صاحب السكن الذي هو فيه بمطالبته بالأجرة ويُمسِّيه , يقهره ويشعل النار في قلبه حين يسمع أنا فلانا اشترى فندقاً , أو يختاً , أو سيارة فارهة , أو أحيا ليلة , أو استأجر منتجعاً , أو أقام مأدبة , وأن ذلك بلغ ملايين الدولارات , أو جاوزها إلى المليارات , وهو يعلم أن فاعل ذلك لم يعمل في تجارة , أو يحصل على تلك الأموال من مرتبات وظيفته المدَّخرة , وليست مما ورثها عن أبيه , أو أحد قراباته المتوفين , ولم يعثر على كنز مدفون , وإنما أخذها , أو إن شئت فقل سلبها من أموال الناس وحقوقهم .
كلنا سمعنا عن حالات البذخ التي ينعم بها فئات من الناس دون غيرهم , وسمعنا عن صور الإنفاق غير المشروع , وكل مجتمعات المسلمين تتحدث عن مشاهد مؤلمة , فهل نظن أن هذه الصوروالمشاهد لن تترك أثراً في قلوب المعدمين والضعفاء ؟ , وقل مثل ذلك في حالات التبذير غير المبرر , وذلك كالإنفاق على لاعبي الكرة بمالايخطر على بال , حتى إن بعضهم بلغ عقد استضافته عشرات الملايين , في وقت يتقاتل فيه آلاف الشباب على حفنة من الوظائف ذات المرتَّبات المتدنية , وبُحَّت أصوات كثير منهم وهم ينادون بتصحيح أوضاعهم , أو ترسيمهم , مع أننا لانرى في الكرة التي تنفق لأجلها الملايين إلا مزيداً من الإخفاقات والفشل .
إن ولاة المسلمين مؤتمنون على الثروات , وهم عليها كالقاسم , ولذا فالواجب عليهم أن يصرفوها بحق وعدل , وأن يتحروا فيها ما يُصلح الناس , ويَصلُح للناس ,  وأن يعلموا أن الله سائلهم عنها يوم يقفون بين يديه , ولله در عمر الفاروق رضي الله عنه حين قال : " لو أن بغلة في العراق عثرت لعلمت أن الله سيسألني عنها " , فليعدوا للسؤال جواباً , وللجواب صواباً , وإن من الجواب وصوابه أن تُساس المجتمعات بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وأن يكون الناس في الحقوق سواسية , وأن يكون شعار الحاكم والمحكوم " من أين لك هذا " , فإن كان من حقوق الناس أعيد إليهم , وإن كان مما أقدره الله على كسبه بالصفة الشرعية , فبارك الله له فيه , ورزقه وأعانه .
كما إن من الجواب والصواب , أن تتحمل القيادات مسؤوليتها بصدق , وألا تقهر الناس لتخرجهم عن طورهم , وتمارس في الوقت ذاته سياسة الاستفزاز البغيض , وتجعل شعارها " جوِّع كلبك يتبعك " , فإن الناس ليسوا كذلك , والإنسان المسلم وُلد حرَّاً , وهو يعشق الحرية فـ " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " , وإذا كانت الدول ترغب من شعوبها الوقوف معها حال الأزمات والشدائد , فكذلك الشعوب تريد من قياداتها الوقوف معها عند الرخاء واليسر .
إن الجموع المحتاجة المحتجة , التي ترى أن الوظائف لايمكن الإعلان عنها إلا بعد أن يموت دونها أعداد وأعداد , ثم يتنامى إلى سمعها أن امرأة أخذت معها طناً ونصف الطن من الذهب دفعة واحدة , فإنه لايمكن أن تمنح الولاء والحب , ولا أن تلتمس العذر للحاكم مهما حاول الاعتذار .
مالذي يضير هذه الدول أن تفتح المصانع الضخمة , بدلاً من تشييد الملاعب , ومالذي يمنع من إنشاء المراكز التدريبية المفيدة , بدلاً من إغراق المجتمعات بالمسارح والملاهي .
إننا حين نتحدث عن البطالة وأخطارها , وبلداننا تتربع على أعظم الثروات المعدنية والنفطية , وفي مقابل ذلك نستورد من الخارج كل شيء , وكأن عقول من نستورد منهم أنضج من عقولنا , ويجلس أبناء المجتمع ينتظرون دورهم في الوظائف الإدارية , أو بعض الوظائف الخدمية والعسكرية , حتى إذا تعذرتهم تلك الدوائر , وجدوا أنفسهم أمام فراغ قاتل , وفقر قاهر , فإن هذا يوجب علينا مراجعة السياسات والخطط , والالتفات إلى ما أودعه الله عندنا , والاستفادة من قدرات رجالنا وفتياتنا , وذلك من خلال الاهتمام بالمجال الفني والمهني , وإنشاء مراكزضخمة للتدريب , ومصانع تستقبل هؤلاء المتدربين , وإتاحة الفرصة لهم للدخول في سوق العمل بقوة وثقة , ومنحهم الأولوية , وتذليل كل العقبات التي تحول بينهم وبين الاستمرار والمنافسة , ولعلي هنا أستشهد بنموذج واحد فقط يوجد لدينا في السعودية , وهو مراكز ومعاهد التدريب الفني والتعليم المهني ,كم عمرها الفعلي ؟ , وكم الأعداد التي تخرَّجت منها ؟ , وماهو دورها في الواقع ؟, وماأسباب تخلف المتخرجين عن المنافسة أو تطوير الذات ؟ , وأين ذهبت تلك الأعداد التي تخرجت ؟ , مع أنها كانت تتعلم مهناً لاغنى للناس عنها , كالحدادة , والنجارة , والكهرباء , والميكانيكا , والسمكرة , وغير ذلك مما لانراه اليوم إلا بيد العمالة الوافدة , فهل كان التعليم لايرقى للمنافسة ؟ , أم حال بينهم وبين المنافسة أسباب فنية ؟ , أم ماذا ياترى ؟ .
على الدول أن تبدأ فعلياً بالاستفادة من الطاقات المهدرة , والمقدَّرات المبعثرة , وأن تفكِّر مليِّاً , وتبادر سريعاً , بإعادة ترتيب الصفوف , ومنع مظاهر الفساد والتفرقة , وأن تستشعر أن حرمان تلك المجتمعات من شيء تشعر أنها أولى به , سيولد عندها الاحتقان , وسيدفعها للانتقام , خاصة إذا بلغ الأمر حداً مزعجاً , أو وجد من يستغل ذلك الظرف , ثم ينفخ فيه النار .
بل يجب على ولاة الأمر أن يتحركوا لإصلاح مواطن الخلل كلها , وألا يقتصر العلاج على أمر المعيشة , وقضية البطالة , وغلاء الأسعار , بل يجب التحرك لإصلاح كل خلل يمس الضرورات الخمس , وأن يكون ذلك هو الشغل الشاغل , أما أن ينتظر الولاة حتى يغضب الناس , أو يصلوا إلى حدِّ الضجر , وبعدها يُفكرون بالتحرك واتخاذ بعض القرارات التخديرية , فهذا هو الغش بعينه .
وليس لأحد عذر في التبرير للبطالة بأنها موجودة في الدول المتقدمة , وأنها مشكلة عالمية , وذلك لأننا لم نضع حلولاً عملية للبطالة , بل اكتفينا بهذا العذر البارد , وإلا فلو كنا نمتلك المصانع , وننتج السلع , وقد اكتفينا ذاتياً , وأصبحنا نغزوا أسواق العالم بمنتجاتنا , فهنا يمكن أن نعتذر بالعالمية ومشاكلها , أما أن نستورد من الخارج معظم مانحتاجه , مع أن بإمكاننا أن ننتجه هنا , فنحن والحالة هذه لاحجة لنا بمايقع عند غيرنا , ولعلي هنا أن أشير إلى قصة وقعت لي , حيث كنت مرة في سوريا , وعرض علي أحدهم زيارة مصنع للأحذية هناك , وذكر أنه لأحد أقربائه , وعندما ذهبنا للمصنع , وجدته لايتجاوز في مساحته أربعة أمتار في ستة , وقد كنت أتصور أنه أكبر من هذا بمئات المرات , وقد كنت أضحك بيني وبين نفسي , وكنت أقول وأردد : مصنع ! مصنع! , ومما زاد دهشتي ماذكره صاحب المصنع من أنه يُصدِّر للسعودية , وأنه يشتري منه عدد من تجار الأحذية هنا , عندها وقفت وقفة صمت وحسرة , كنت أفكِّر معها وأقول : هذا المكان المتواضع , وهذا الجهد مع هذه العزيمة الصادقة , لو قام أمثالها في بلادنا , فكم ستستفيد منها من أسرة؟ , وكم ستتاح فيها من وظيفة ؟ , وحتى لو أخفق بعضهم , أو تعثَّر في مسيرته , فمالمانع أن تتاح أمامه الفرص , ويشجع ليقف على قدميه مرة أخرى .
إن شبابنا لايقلون في مواهبهم , ولا في عقلياتهم , ولافي قدراتهم , عن غيرهم من سائر الشباب , لكنهم يجب أن يُصرفوا لما ينفعهم , ويستفاد من تلك العقول والمواهب والقدرات , أما أن تُترك لسهام التغريب والتخريب والتشويه والتشويش , من خلال القنوات , أو مايروَّج من المخدرات , أو ما يُهيَّأ لهم من المغريات والملهيات , فهذا من الغش والخيانة , و ( من غشنا فليس منا ) .
متى سنجد مدنا صناعية تستقطب آلاف الشباب , وتمنحهم فرصة العيش بكرامة , وتُكسبهم الخبرة والتجربة , وتجعلهم لبنات صالحة في المجتمع , وأعني بها المدن الصناعية الفعلية , وليست تلك المدن الأسطورية , التي رُصدت لها المليارات , وبقيت شاهدة باسمها , غائبة أو مُغيَّبة في حقيقتها وواقعها .
وإلى هنا أقف , وللحديث بقية, أستكملها قريبا بحول الله .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
16 / 2 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي

الخميس، 20 يناير 2011

التَّوانسة: شعب أراد الحياة! أحمد بن عبدالمحسن العساف



شاء الله أن يكون يوم الجمعة العاشر من شهر صفر عام (1432) الموافق للرَّابع عشر من شهر يناير سنة (2011)  يوماً فريداً في حياة الشَّعب التُّونسي المسلم، فقد أصبح زين بن علي زعيماً وأمسى صعلوكاً طريدا؛ في حال من الخزي والثُّبور يجدر بالحاكم العاقل اجتناب أسبابهما، ولم تغن عن بن علي عقود الجبروت والتَّسلُّط؛ فالقيد انكسر، والشَّعب بفضل الله قد انتصر.
ولقد تمنّى بعض الذين تغلي دماؤهم غيظاً من مجرم تونس لو ناله نصيب من السَّحل عى الطَّريقة العراقية أو السَّحب على النَّمط الرُّوماني حتى يكون عبرة لغيره، ولتشفى صدور قوم مكلومين منه ومن جلاديه وفجَّار ناديه؛ ولئن عزَّ هذا المطلب في الدُّنيا فإنَّ له يوماً عبوساً لن يُخلفه مالم يتب الله عليه.  
وفي سقوط هذا الطَّاغية اندحارٌ لليبرالية التي كان يمثِّلها، فقد كان ليبرالياً في التَّحرر والفسوق، سرَّاقاً لأموال النَّاس نهَّاباً لخيرات البلد، مغتصباً للحكم، جاثماً على السلطة بلا انتخاب نزيه ولا قبول شعبي. وزاد سوءاً حين استوزر المجرمين، واستشار الغششة الكذَّابين، وأغلق أذنيه عن أي ناصح، وتوجه صوب فرنسا ثمَّ أمريكا، معلِّقاً قلبه بهما؛ ومطمئناً إلى نصرتهم ضدَّ شعبه، ولم يتَّصور يوماً أنَّ للشَّعب ربٌّ ينتصر لهم إذا شاء.
ولم يأبه هذا الحاكم الليبرالي لآهات الشَّعب المظلوم، ولم يتوجع لأنَّات الفقراء والعاطلين والمساجين والعوانس، ولم يصلح ما فسد في حكومته وأجهزتها التَّنفيذية، ولم يرفع رأساً بالشَّريعة الغرَّاء ولم يوقِّرها. وفي عهده المشين امتلأت السُّجون، وتضاعف عدد الفقراء، وزادت العوانس، وتدافع القادرون على الهجرة للهروب من جحيم ديارهم، وصار الشَّعب مقهوراً بلا حرية في أن يقول فضلاً عن أن يفعل، حتى قضى محمد البوعزيزي نحبه اعتراضاً على جور السُّلطان، فأحرق الخوف من النُّفوس، وخرجت الجموع لا تلوي على شيء، وليس لها من مطلب دون إذلال مَنْ كان سبباً في مآسيهم وعوزهم.
وكان من الاستخفاف بالوعي ومحاولة ترقيع الفضيحة الواسعة ما فاه به بن علي من خطب متتابعة، فقد رضخ لمنح مزيد من الحريات، ووعد بأن تكون هذه آخر فترة حكم له، ثم جعل نفسه مظلوماً واقعاً تحت مغالطات مستشاريه! ولم تنطلِ هذه الأكاذيب على الجموع الغاضبة، ولم تصدِّق توبة الآثم البغيض أو عزوفه عن الرِّئاسة، ولم ولن تؤمن ببراءته ووقوعه تحت كذب الأعوان وتزويرهم، فالشَّعب هو الأعرف بخصومه ومغتصبي حقوقه؛ وما أكثرهم في تونس من الرِّجال والنِّساء؛ حيث لم يكتف هذا المبير بإيذاء شعبه، بل اطلق الحبل على الغارب لزوجته ليلى ولمن شاءت ليلى بلا قيد ولا شرط، وكم في بلاد المسلمين من (ليلى) لا مناص من لجمها!
ومن العبر في ماحدث أنَّ تونس أشدُّ البدان العربية في التَّنكيل بالمعارضين وأحرار النَّاس، ولها باع طويل وسجل مخز في حرب مظاهر التَّدين والصَّلاح لدى الرِّجال والنِّساء. وأما كبت الحريات، ومنع التَّعبير عن الآراء، ومراقبة الأنفاس فلها فيه سبق وريادة. ولعل عنف وزارة الدَّاخلية التُّونسية أهلَّها لتكون مقراً دائماً للاجتماعات الأمنية العربية، وهو اجتماع لم يحتجب أبداً مع غزارة الخلافات بين العرب!  ومع ذلك انطلقت الحشود ولم تتهيب وزارتها العنيفة، بل تسلَّق بعض الشُّبان أسوارها ليكسروا شوكتها وعدوانها، وربَّما أنَّهم ردَّدوا مع شاعرهم الرَّاحل أنَّ مَنْ يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدَّهر في قهر بين الحفر.
ومن الآيات في يوم تونس ارتفاع الغطاء الفرنسي والأمريكي عن الرَّجل الذي طالما تذلل لإرضائهم، وسعى في حرب شعبه وإقصاء رموزه بالسَّجن أو القتل أو التَّكميم، وناكف الشَّريعة حتى في الأحوال الشَّخصية، وقد تعلَّق بالعون الأجنبي حتى غدا الغرب هجيراه ومأوى آماله ومعقد طموحاته وسبب اطمئنانه، وفجأة تقول أمريكا من حيث لم يحتسب عميلها: للشَّعب حقُّ الاختيار! وبدا من فرنسا ماكان خافياً عنه حين أشارت إلى أنَّ الرَّحيل هو أفضل الحلول، وأنَّه وكلَّ مَنْ ارتبط معه بسبب أو نسب غير مرحب بهم في فرنسا! وعلم إذ ذاك بن علي أنَّ الوقت المتاح له للصُّعود على خشبة المسرح قد انتهى، وأنَّ حياته في سدَّة الرِّئاسة قد آذنت بزوال مهين، وليته بعد أن لفظته فرنسا وغيرها لم يستضف قريباً من البقاع المقدَّسة.
ومن المهم ألاَّ يقطف ثمرة هذه الثَّورة الشَّعبية أقوام على غرار بن علي، فقد تكبَّد الشَّعب خسائر كبيرة لطرد بن علي وحزبه الذين لاجذور لهم في الأرض التُّونسية؛ حتى يحكمه مَنْ يحفظ حقوقه، ويعالج همومه، ويعلي قدره، ويرعى مصالحه الدِّينية والدُّنيوية، ويعيد لتونس الجميلة رواءها وبهاءها اللذين اختفيا في جحيم الحكم البائد. ولا أظنُّ الشَّعب التُّونسي العربي المسلم يرضى بحكم يقصي دينه، أويهمل شريعة ربه وسنَّة نبيه، وعسى أن يقود هذه الثَّورة عقلاء البلد وحكماؤها، فلا تهدر الدِّماء أو تعم الفوضى، ولا تعبث أيد ملوثة وعقول مشوشة بحاضر تونس ومستقبلها، ولا بدَّ من تفويت الفرصة على كلِّ متربِّص بالبلاد وأهلها.
ولعل التَّوانسة قد ناموا بهناء حال ورخاء بال ليلة السَّبت، خلافاً لكلِّ ظالم سارق خانق خائن؛ فقد كانت عليه ليلة حالكة السَّواد طويلة السُّهاد؛ خشية مصير مماثل للزَّميل الهارب المخلوع بعد صحوة الشُّعوب على وقع الخطوات التُّونسية العفوية. فاللهم يا ربنا احفظ بلادك وعبادك، وول عليهم خيار خلقك، واجعلهم في أمن سابغ، وهناء كبير، وظل وارف وقرِّب إليهم  كلَّ خير تصلح به دنياهم وآخرتهم، وادفع عنهم الشُّرور والأوزار.
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
السبت 11 من شهرِ صفر عام 1432
ahmadalassaf@gmail.com




السبت، 15 يناير 2011

الهجوم على الهيئة والجهات الحكومية لسلطان البصيري



         كتب صالح الشيحي يوم الأربعاء الموافق 23 / 1 / 1432 هـ مقالاً في جريدة الوطن أوضح فيه أن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُحاسبون عند خطئهم ، ومن قبله كتب عبد الله بن ناصر الفوزان مقالاً في يوم السبت الموافق 21 / 12 / 1431 هـ أوضح فيه  عدم وجود نظام لمحاسبة الموظف الحكومي إذا أساء معاملة المواطن ، وتعليقاً على مقالي الكاتبين أوضح ما يلي :
*   صدر في عام 1377 هـ مرسوم ملكي لمحاسبة الموظف الحكومي ولا يزال يُعمل به إلى الآن في المحاكم ، ولا يكاد يوجد محامٍ أو باحث نظامي إلا ويعرفه ، وهو ما يُعرف برقمه ؛ مرسوم 43  ، ولكن جهل الكاتبين بالأنظمة السعودية وما يُطبّق جعلهما يقولان ما قالاه.
*   ُيدرك الكلّ أهميّة رجال الهيئة في المجتمع للقيام بشعيرة من أهم شعائر الدين الإسلامي ، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي تعظيم شعائر الله يقول الله تعالى : [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ{الحج:32}   ، بيْدَ أنّ الصحف تُطالعنا كثيراً بأخبارٍ إجرامّيّة تنسبها لرجال الهيئة ، وأكثرها يتضمّن إساءتهم في معاملتهم للمواطنين ، ولاشكّ أن إساءة معاملة المواطن  من الموظف سواء كان رجل الهيئة أو غيره  من الأمور التي جرّمها النظام السعودي ، بل الشرع والعقل كذلك ، لكن ليس كل خبر تأتي به الصحافة يكون صحيحاً ، فإنّ من المُتقرّر حسْبَ الشريعة الإسلاميّة والفلسفة القانونية الجنائية في كل دول العالم أن المُتّهم بريء حتى تثبت إدانته ، ولا ثبوت إلا بصدور الحكم القضائي النهائي ، كما إنّ من المُتقرّر أيضاً أن لكل جريمة ركنين ؛ مادي ومعنوي ، فالمادي يتمثّل في النشاط أو السلوك الذي يقوم به المتهم أي فعل الجريمة ، والمعنوي يتمثل في القصد الجنائي لدى المتهم أي نيّته ، فأيّ جريمة لم يتوافر فيها الركنان لا وجود لها.
        لذا فليُعْلم أنّ ما تنشره الصُّحُف من التُّهَمِ المُوجّهة لكائن من كان من رجال الهيئة أو غيرهم قبل ثبوت إدانته هو خطأ ، لأنه والحالة هذه بريء.
        وأما بخصوص رجال الهيئة بالذات فهم بشر ربّما يُخطئون كغيرهم من الأطبّاء والمعلّمين والمهندسين ، لكن أقول من واقعٍ شهدتُه في القضاء إنّ كثيراً من القضايا التي رُفعت ضدّهم لا يثبت  فيها الرّكن المادّي للجريمة أي السلوك المجرّم شرعاً ونظاماً ، وغاية تلك الادعاءات كلام مُرسل لا دليل يَعْضُدُه ، بل شكاوى ودعاوى من طرفٍ واحد ! ، ولا يُمكن القول بصحّتها ما لم يُسمع قول الطرف الآخر ، لاسيّما وأن من المُتقرّر  في باب الجنايات أنّ الأحكام القضائية لا تُبنى على الشّك والاحتمال.
       ومن العجب دائماً اعتماد الصحافة في أخبارها عن أخطاء رجال الهيئة على من تُسمّيهم شهود عيان ، وهي لا تعلم هل هم عدول أم لا ! ، فربّما فيهم الكذّاب ومن لا يعرف الله بصلاة ولا غير ذلك ، أو تعتمد على شكاوى ودعاوى ليس لها شيء من الصّحة إذا تمّ عرضها أمام القضاء.
           فأذكر قضيّة زعمت الصُّحف في كلامها عنها أنّ رجال الهيئة قاموا بمطاردة إحدى السيّارات في البرّ وصدموها فانقلبت ومات من فيها ، ثم جاء تقرير الأدلة الجنائية ليُثبت أنّ أثر دوريّة الهيئة بعيد جداً عن أثر السيارة المقلوبة ولا أثر للصدم في السيارتين !! ، وقضيّة أخرى زعمت الصحافة فيها اقتحام رجال الهيئة لأحد المنازل للوصول إلى سطحه لأن فيه منكراً بدون إذن للدخول ، وقد تبيّن للقضاء أنهم دخلوا عمارة شقق سكنية بلا باب ودرَجُها مُشاعٌ انتفاعه بين ساكنيها !! أي ليست مسكناً خاصاً !!  ، وقضيّة ثالثة تراجع الشهود فيها على رجال الهيئة في مجلس الحكم !! ، والقضايا كثيرة.
          ولا أدري حقيقةً ما تنتهجه الصُّحف فيما تقدّم من أخبار ملفّقة ، وتعليقات من غير المختصّين عليها ، بل تعليقات من لا يعرف مبادئ العدالة ؛ هل هو امتطاء الكذب ، أم عن جهل بالنظام ، أم ضعف في المهنية الإعلاميّة ، أم هم المدّعون أنفسهم في تلك القضايا ، أم لهم قصدٌ غير ذلك !!! ، لاسيّما وأنهم يغضّون الطرف عن الأخبار المتعلّقة بأخطاء الجهات الأخرى غير الهيئة مما هو أشدّ.
        وإن من المؤمّل أن تَنْشُرَ الصحافة الأحكام القضائية النهائية التي صدرت بشأن الأخبار التي طيّرتها بعد إذن الجهة القضائية المختصة عملاً بالفقرة السابعة من المادة التاسعة من نظام المطبوعات والنشر ، أملاً في أن يُدرك الناس الحقيقة بعينها ، وذلك بصياغة القضاء لا صياغة الصُّحُف ، لأن صياغة القضاء أكثر دقّة في تجلية الحقيقة.
       وللصحفيين من النظام ما يعضد نُشدانهم الحقيقة إن أرادوها ، فبإمكانهم الوقوف على الحقيقة ، فقد نصّ النظام على علنية الجلسات في المحاكم كما في المادة الواحدة والستين وكذلك الثالثة والستين بعد المائة من نظام المرافعات الشرعية الصادر برقم م / 21 وتاريخ 20 / 5 / 1421 هـ ، والمادة الخامسة عشرة من قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم الصادر بالقرار رقم 190 وتاريخ 16 / 11 / 1409 هـ.
     وعوْداً على موضوع محاسبة الموظف الحكومي سواء كان من رجال الهيئة أو غيرهم فأؤكد على نفي ما قاله الكاتبان المشار إليهما أعلاه من أن الموظف الحكومي وخصوصاً رجل الهيئة لا يُحاسب ، وأقول بل يُحاسب وصدرت أحكام تمّ فيها إدانة بعضهم ، واستناد الكاتب الشيحي على عدم سماعه بذلك خطأ من ناحيتين ؛ الأولى منهجيّة ؛ فكونه لم يسمع بشيء ليس دليلاً على عدمه ، ومن القواعد العلميّة والمنهجيّة أنّ عدم العلم ليس علماً بالعدم ، والثانية من حيث الواقع ، فالواقع يُثْبت أنّ أحكاماً قضائية صدرت في ذلك ، بيْد أن التشهير بنشر الحكم عقوبة بحدّ ذاتها تحتاج إلى حكم قضائي ، وهناك بعض الأنظمة السعوديّة نصّت على عقوبة التشهير في الصحف على بعض الجرائم ، مثل عقوبة التستر التجاري في نظام مكافحة التستر.
     والله الموفق.
سلطان بن عثمان البصيري

الأربعاء، 12 يناير 2011

أبوعثمان البالوني .. سليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فالبالونة شيء خارق للعادة , وتفعل ماقد تعجز عن فعله أي وسيلة إصلاحية أخرى , وتتركَّز خاصية التأثير في البالونة عند تعبئتها بغاز " الهيليوم " , وإطلاقها في السماء , محمَّلة برأس نووي مكوَّن من مادة " ورق A4 " مكتوب فيها اسم المرسل , وسنة التخرج , ومايلزم من مطالب , وهذه المواد التي يتكوَّن منها ذلك الرأس النووي قابلة للانفجار فوق رأس أي مسؤول تسقط عليه , وتعتبر هذه الفكرة أحدث ماتفتَّقت عنه ذهنية زعيم الحركة الإصلاحية وقائد ثورة البالون الأخ الفاتح الرئيس " أبو عثمان البالوني " , وهي إعلان صريح للمواجهة , وخطوة جريئة غير مسبوقة , وسوف تقلب موازين القوى , وتغيِّر خريطة المنطقة , ولذا فالظن أننا سنسمع من الأخ الرئيس قريباً أخباراً على النحو التالي :
·      علمت الحركة من مصادرها الخاصة أن وزير الدفاع والطيران وجَّه بمنع تحليق الطائرات المدنية , وطائرات الشحن الجوي , وطائرات الإخلاء الطبي وغيرها , وذلك بسبب التغيرات الطارئة على الجو , ولصعوبة الملاحة الجوية , وسيتم منع التحليق حتى إشعار آخر .
·      علمت الحركة أن توجيهات صدرت بمصادرة جميع البالونات المنفوخة بغاز الهيليوم , وأخذ التعهدات على أصحاب المحلات بعدم بيع ماعندهم حتى إشعار آخر , ومنع باعة البالونات المتجولين من مزاولة البيع , ومصادرة أو إتلاف بالونات من لايمتثل .
·      تفيد مصادر الحركة أن وزير الداخلية قد وجَّه بنشر عدد 8ملايين قناص فوق أسطح المباني , وذلك إدراكاً منه أن عدد ماسيتم إطلاقه يفوق الوصف , مما يُشكِّل قلقاً متزايداً من قوة تأثير الحركة وبياناتها , وسرعة استجابة الشعب لتوجيهاتها .
·      بلغنا أن تعليمات صدرت بمراقبة محلات الألعاب , ومراكز الترفيه , وبعض الأسواق التي تباع فيها البلونات , وذلك لمعرفة رصد تحركات من يشتريها , ومنعهم من إطلاقها , حسب ما وجَّهت به الحركة .
·      تفيد مصادرنا أن أحد مسؤولي وزارة الداخلية ويُرجَّح أن يكون محمد بن نايف , قد اقترح فرض حظر التجوُّل , لكن اقتراحه قُوبل بالفتور , مبررين ذلك بأن البالونات ستطلق يوم الخميس , وهو يوم يخرج فيه غالب الناس للنزهة والتسلية , وهذا ما سيخفف من تأثير وقع المظاهرة في نفوسهم , ولهذا فالحركة تهيب بعموم الشعب , أن يتأبطوا بوالينهم معهم في حِلِّهم وترحالهم , ويطلقوها ساعة الصفر من مواقعهم .
·      علمت الحركة أن توجيهات صدرت بتكثيف نقاط التفتيش , وذلك لمنع حيازة البالونات , وإيقاف كل من يثبت متلبساً بجريمة حملها , وعليه فالحركة تقترح أن يتم الاستفادة من الأطفال للتمويه , وإخفاء الرؤوس النووية " قائمة المطالب " تحت مقاعد السيارة .
·      نما إلى علم الحركة أن أحد المسؤولين اقترح تشغيل أنظمة الرادار المبكر , ونشر طائرات الاستطلاع , شريطة أن تُحَلِّق على ارتفاع شاهق , حتى لاتتأثَّر من كثافة الأجرام البلونية , وتكون مهمتها رصد مواقع إطلاق البالونات , والتعامل معها مستقبلاً , وأن هذا المقترح قيد الدراسة .
·      مصادر خاصة للحركة تفيد بأن اجتماعات مكثفة تجري على قدم وساق للحيلولة دون نجاح هذه المظاهرة , وأن شخصيات مسؤولة نافذة هددت بالتعامل بحزم مع من يثبت تهاونه من العسكر , فيما تفيد المصادر أن مئات الآلاف من العسكر قد تقدموا بإجازات اضطرارية , رغبة في عدم المشاركة في قمع هذه المظاهرة , ولتعاطفهم مع المتظاهرين , ولإيمانهم بصدق الحركة وقوتها .
·      تلقت الحركة اتصالات كثيفة من أعداد من العسكريين , يفيدون فيها بأنهم سيتحايلون على التعليمات , وأنهم سيطلقون الرصاص الحيَّ في الهواء , لكنهم يعتذرون للحركة عن الأخطاء غير المقصودة , حيث يمكن للرصاص أن يصيب بعض البالونات من غير قصد , وقد ردَّت الحركة بشكرهم على وقوفهم معها , ونصحتهم بمحاولة التحري قدر الإمكان , أو أن يقوموا بتفريغ الذخيرة قبل ساعة الصفر , حتى يسلموا من المحاسبة , ويخرجوا من حرج إصابة البالونات الاعتراضية .
·      مصادر خاصة للحركة تفيد بأن أحد الأمراء طالب بمنع عبور الأقمار الصناعية فوق المملكة يومي الخميس والجمعة , كما تفيد أن أميراً نافذاً أصدر أمره بمنع دخول أي قناة أجنبية أو عربية , وذلك خشية من تصوير المظاهرة , مما سيشكل حرجاً كبيراً له ولأسرته , وأن أميراً اتصل بوزير الإعلام ووجَّه بمنع السماح للقنوات الكثيرة , التي توافدت لتصوير الحدث .
·      بلغنا من مصادرنا أن أميراً حوَّل مسار رحلته إلى مطار المنامة , بدلا عن مطار الرياض , وأنه سينتقل من المنامة إلى الرياض برَّاً , وذلك خوفاً من تعثر طائرته ببلونات المعارضة .
·      تلقت الحركة خبراً من مصدر موثوق , أن أحد أفراد الأسرة قام بتوريد سفينة محمَّلة ببالونات من نفس النوع الذي رشَّحته الحركة , وأنه صدرت التوجيهات بمنع فسحها , وأن الأمير اعترض على ذلك وهدد بالانضمام للحركة إن لم يُفسح لها , أو يُعوَّض قيمتها , وأنه صدرت توجيهات بتعويضه مبلغ مائة مليون ريال مع أن قيمتها لاتساوي 3ملايين ريال .
كما أعتقد أننا سنسمع قريباً مفاجآت أكثر , ومظاهرات أكبر , مادام أن الأخ الرئيس يُفكِّر بهذا العمق , ويمارس تلك الحركات الإصلاحية المحرجة , ولذا فإني أقترح على الأخ " أبي عثمان البالوني " أن تكون المظاهرة القادمة بطريقة أكثر إحراجاً ومواجهة , وذلك بالخروج من المنزل ولبس الثوب مقلوباً , وذلك تعبيراً عن انقلاب الأحوال , وتهيئة للانقلاب العظيم , ويستثنى من الملابس الزي السوداني التقليدي , وذلك لأنه كما يقال " على شارعين " , ويصلح للاستعمالين , كما يتم التأكيد على أن الإخوة البدناء يخرجون بقمصان النوم , وذلك حفاظاً على الذوق العام , أو يقوموا بالاستعداد من الآن بتفصيل ثياب واسعة تتلافى خروجهم بصورة غير لائقة .
أقول : إنه لولا معرفتي بحال الساسة عندنا , وطرق تعاملهم , لأقسمت قسماً لا أحنث فيه أن " أبا عثمان البالوني " مستأجر من قبلهم , وأنهم من يتكفَّل بنفقاته ومتطلباته , وذلك أنه لو كان إصلاحياً حقيقياً , لكان أكثر نضجاً في معالجة الأمور , وأكثر عمقاً في التفكير , ولعل هذا مالا أحتاج معه إلى تدليل , فمظاهرة البالونات أكبر شاهد , فالمجنون يُدرك أن هذا غباء مستحكم , وأن هذه التصرفات تنطوي على بلادة ذهنية متجذِّرة , وإلا فكيف بمطالب تُطلق في الهواء؟ , ومن سيطَّلع عليها هناك ؟ , وماهي هذه المطالب التي تجعل الإنسان لايتحدَّث عنها إلا عبر بالونة معبأة بغاز الهيليوم ؟ , ولو تصورنا أنها وقعت بيد مسؤول مَعْنِي بهذه القضية فماذا سيُقدِّم إذا كان يعلم عنها ولم يعمل شيئاً ؟ , وإذا كان " أبو عثمان البالوني " يرى أن غالبية الناس يؤيده على فعله وأنهم يعانون من كثير من المشكلات وأن هناك تقصيراً وإهمالاً من قبل المسؤولين فمن ستخاطب تلك البلونات بعرائضها ؟, هل هي مجرد " فش خلق " كما يقال ؟ , أم هي استعراض للمهارات بمعنى " تراني موجود " ؟ , أم هي رفسة الموت للإصلاح البالوني ؟ .
إنني في هذه المقالة سأختصر على الأخ الرئيس " أبي عثمان البالوني " المسافة , وأقول له : نحن لدينا ظلم , وتقصير , وغش , وخيانة , وسرقات , واستغلال , وجشع , وكل مظاهر الفساد الموجودة في دول العالم أجمع , وهي تتفاوت بنسبها , وطرق علاجها , ومرتكبيها , وهذا ليس بجديد تكشفه لنا , ولا بِطِلَّسم تفكُّ رموزه , ولكن ماذا عملت خلال سنوات تهريجك تجاهه ؟ , وماهو التغيير الذي أحدثته ؟ , وهل تعتقد أن حلَّ القضايا ستكون بمثل هذه الطرق المستحكمة في البلاهة والغباء ؟ .
إنني أعتقد أنك إن كنت تنشد خلافة راشدة فأنت واهم , وإن كنت تريد الإصلاح , وتقويم الاعوجاج , فإن الإصلاح لايكون بالمبالغة والتزوير والكذب , كدعوى أن ابن سعود يعتبر الناس عبيداً عنده , وأنك وما تملك ملكاً لهم , وأنه ليس في أسرتهم رجل صالح  , وأنهم الذين يقفون في وجه الإصلاح والتطور , وغير ذلك من الفرى التي يكذبها الواقع , ولايصحُّ لتعميمها كقاعدة وجود شواذ هنا وهناك تسيء إلى الأغلب , وليس حديثي هذا من باب التزلف , بل هو واللهُ شاهد من باب الإنصاف والعدل , فقد قابلت وغيري أناساً من أبناء هذه الأسرة ممن يبالغ في تقديرك واحترامك , ورغم أنه أكبر منك سِناً , وغير محتاج إليك أصلاً , ولو كانت الحال أنه يراك عبداً عنده كما تزعم فما ثمرة أن يقابلك بهذه النفس الطيبة , والخلق الرفيع , وأما أنهم يرونك وما تملك ملكاً لهم فهذا دجل واضح , فهاهم الناس يملكون , ويبيعون ويبتاعون , بل إن بعضهم يبتاع من الأمراء ويشتري وكل هذا مثبت محفوظ , وقد وقفت بنفسي على شيء يَعِزُّ على مثلك ذكره , وهو أنه نظراً لكون بعض أبناء هذه الأسرة أو وكلائهم قد يحصل منه استغلال لمكانته الاجتماعية , أو يتحمل شيئاً لايقدر على سداده , فقد صدرت التعليمات بمنع بعضهم من السفر , وحسم المطالبات عليه مما يصدر له من مستخلصات , وقد حدث هذا معي شخصياً في خطاب تقدمت به ضد أحدهم لسمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله , بل إنني أعرف رجلاً منهم صدرت التوجيهات بخصم ماعليه من مطالبات , من مستحقاته في المؤسسة العامة لصوامع الغلال , والتي صدرت له مقابل حصاده في أحد المواسم , وغير هذا كثير وكثير , وإن كان هناك حالات قد يتم التعامل معها بغير هذا الإجراء , إلا أننا يجب أن نكون أكثر إنصافاً , وأن نساهم في التحسين من خلال الإشادة بالصور الجميلة , والتذكير والنصيحة بطرق مقبولة  , بما نراه من صور التقصير والخطأ , وذلك لتتم معالجته وإصلاحه بأسلوب هادىء وجميل .
لعله من المناسب هنا أن أذكر موقفاً حدث لي شخصياً , أعلم يقيناً أنك لن تُصدِّقه , ولوصدَّقته فلن أحفل بذلك , أسوقه هنا لأثبت لك ولغيرك أن الإنصاف عزيز على النفوس المريضة , وقد كان ذلك قبل نحو عشرين سنة , حيث حدث سوء تفاهم بيني وبين اثنين من الأمراء , وأحدهما اليوم في منصب مرموق , وقد وصل إلى حد الاشتباك بالأيدي , وتدخل بعض مَن كان معهم من الحاشية , وكنت وقتها أعمل في الهيئة , فوافق أن كان المكان محاطاً بعدد كبير من رجال الشرطة لسبب من الأسباب , مما دفع أحدهما لطلب المسؤول عن العسكر , وأبرز له بطاقته , وطلب منه أن يصطحبني معهما لقسم الشرطة , الأمر الذي رفضته أنا لكوني أعمل في مهمة رسمية , فما كان منهما إلا أن ذهبا للقسم واتصلا بالأمير سلمان , فجاء توجيه الأمير سلمان بخلاف ما توقعاه , مما أدهش رجال الشرطة , فقد وجَّه سموُّه بعدم خروجهما من القسم حتى أحضر , ثم اتصل بمسؤولي المباشر وقتها وطلب منه تكليفي بالتوجه للقسم , بل وطلب من أحد رؤساء المراكز القريبة للموقع أن يذهب للمشاركة في التحقيق , وحين حضرت للقسم تفاجأت بمالم أتوقعه , حيث رأيت الأميرين , ورأيت أخوين لأحدهما , أقسم لي أحد هذين الأخوين أنه لم يخرج من بيته إلا خوفاً من أن أُظلم , ثم جرى تدوين مالديَّ , وحين تفهَّم الجميع ملابسات الموضوع كانت الرغبة بحسمه من مركز الشرطة , فقام أكبرهم بالاتصال بالأمير سلمان , ورغب منه الموافقة على حله في القسم , فماكان من الأمير إلا أن طلب مهاتفتي ليعلم هل هي رغبتي كذلك , فلما اطمأن إلى أنها رغبة مشتركة , وافق على الطلب , ووجهني بكلمات أبوية تنضح بالرقة واللطف , ثم طلب من مدير القسم إحضار الأوراق إليه في مكتبه من الغد , وبهذا طويت صفحة تلك الحادثة , وقد سقتها للتدليل على كذب من يرى أنهم يعتبرون غيرهم خدماً عندهم , أو عبيداً لهم , وكيف يكون ذلك وقد رأينا موقف الأمير سلمان مع اثنين من أبناء أخويه , وموقف الذي أقسم أنه ما خرج إلا خشية أن أُظلم .
نعم هناك صور يراها أو يتناقلها الناس , وأخطاء تقع من بعض أبناء هذه الأسرة , وهم ليسوا ملائكة معصومين , كما إنهم ليسوا بالسوء الذي يحاول تصويره الناقمون , وإذا كان فيهم من يمتلك قنوات تنشر الفساد والفتنة , فإن فيهم كذلك من تستحيي أن تضع خمارها رغم أنها من القواعد , ولعل مانُشر قبل مدة من صورة للأميرة صيتة بنت عبدالعزيز وهي بكامل حجابها وحشمتها , ومثلها كثير ولله الحمد , فيه أكبر دليل على ذلك .
إنه إن كان فيهم من يرعى مهرجانات مختلطة , ففيهم من يرعى مهرجانات تدعو إلى الحشمة والعفة , وإن كان فيهم من يدعم الفن , ففيهم من يرعى مراكز تحفيظ كتاب الله , وإن كان فيهم من لايرى بأساً في الاختلاط وغيره , فإن فيهم من يراه جريمة ومنكراً , ونحن نسأل الله للمحسن المزيد من التوفيق , وللمسيء الرجوع والتوبة , ولكن يجب أن نعلم أنهم بشر , وأن العقلاء منهم يعترفون بوجود الخطأ , ولايدَّعون الكمال , ويعلنون للملأ أن قلوبهم قبل أبوابهم مفتوحة للناصحين , وهذا مما يُشجع الإنسان على التواصل معهم للتصحيح , وهم إن استجابوا فذاك , وإن لم يستجيبوا فقد أعذر المسلم أمام ربه , وقام بما أوجبه عليه دينه .
أعلم أن هذا الكلام لايروق لك , وأنه كالحنظلة أو الشوك في حلقك , وأنك لاتستلذ إلا حين يساء إليهم بساقط القول , وأنا هنا لست حجيجاً عنهم , لكني أسألك وبعد أن أوسعتهم سبَّاً : مالذي حققته خلال تلك الأعوام التي قضيتها في لجاجك ؟ , ألا ترى أنهم وبرغم مانلته منهم لم يمنعهم ذلك من عدم تحميل غيرك جريرتك , ولعلك تفهم من أعني , والذي أعنيه من أقرب الناس إليك , ولن أكون مبالغاً إن قلت بل هو من فلذات كبدك .
 الأخ الرئيس " أبو عثمان البالوني " ألا ترى أن الوقت قد حان لتعود إلى رشدك , وترجع إلى صوابك , فإن كنت تزعم أنك تطالب بإصلاحات جوهرية , فليكن في علمك أننا نطالب بما نرى أنه حق نشاركك فيه , دون أن نلجأ للخارج , أو نُشْمت بنا العدو , أو نضع أنفسنا ورقة له ليساوم بنا , أو دمية له ليحركنا حيث تكون مصلحته .
إنه من باب الإنصاف لك , فليس كل ماتقوله باطل , بل إن في بعض قولك ماهو صواب وحق , ولكنك تضعه في قالب يثقل على النفوس الالتفات إليه , أو النظر فيه , وهذا الذي أقوله لك هنا , قد سبق أن طالبت به بعض مَن التقيته من المسؤولين , وقلت لهم بالحرف الواحد : إن الحق يجب قبوله ممن جاء به كائناً مَن كان , حتى وإن جاء به الفقيه أو غيره , بل حتى لوجاء به إبليس , مما يؤكد لك أنني كما أحتقر كثيراً من تصرفاتك وحماقاتك , إلا أني أعترف أن عندك شيئاً من الحق لو خرج بقالب يُجلله الصدق والنصح والحكمة لكان أكثر قبولاً , أما أن يقدَّم بقالب التشفي والسخرية , ولغة الحنق والحقد , فهذا مما يطرب له خصوم هذه البلاد من جهة , ولعله السبب الذي يدفع بعضهم لمساعدتك ودعمك , أو يدفع بعض المتحمسين ممن لايدركون عواقب الأمور , ممن تطيش أحلامهم عند أدنى موقف شخصي فيتنفسون الضغينة في قناتك من جهة أخرى , هذا علاوة على مايسببه من تشويه وتشويش لمطالب الإصلاح الصادقة , التي يقوم بها كثير من الناصحين المصلحين , والتي تُصاغ بمايتناسب مع مقامات أصحابها .
إنك إن كنت تظن أنك وحدك الذي ينادي بالإصلاح فأنت واهم , بل ربما تكون من أسوأ من ينادي به , هذا إذا استثنينا من يدَّعون الإصلاح بطريقتهم الخاصة , التي ترتسم الطريقة الفرعونية , ومنهج المنافقين , وأعني بهم بغال الليبرالية , وذلك لأنكم سلكتم مسلكاً فساده أكثر من إصلاحه , وخسارته أعظم من ربحه , وحتى تعلم ذلك جيداً , وحتى لاينخدع بعض الناس بمناحاتك المكرورة , فإني اٌقول : إن ما تطالب به , مما نعتقد أنه حق , نطالب به نحن هنا بوضوح , ونرفع أصواتنا بالدعوة لمعالجته , ونحن في أمان وحرية ولله الفضل , ولم نرهن أنفسنا لسيف الإسلام القذافي , ولا لبعض السفارات الأجنبية والفارسية , ولا لبعض أصحاب الابتسامات الصفراء , ممن كفوا عن مهاجمة بلادنا من قناة ؟؟؟ , وتحولوا لمهاجمتها عبر قناة الحوار , ممن تعلمُ جيدا مدى قربهم منك , وتأثيرهم عليك , واستغلالهم لك .
إن قضايا البطالة , والفقر , والصحة , والتعليم , والأمن , والمعيشة , والعدل وغيرها , مما يمس الناس بشكل مباشر , هي مما ينشط لعلاجه الأغياروالناصحون , حتى وإن كان عامة ما يراه الناس منهم , أو يُصوِّره الإعلام عنهم , محصوراً فيما يتعلق ببعض القضايا الإفسادية , التي يحاول فرضها دعاة الفساد والرذيلة , إلا أن الحقيقة خلاف ذلك , وهم يسعون في قضايا الناس وحقوقهم كسعيهم في غير ذلك من الأمور , لكنهم قد لايرون الحديث عن هذا مجدياً , أو لكونه لايتعلق فيه حكم يمكن أن يغترَّ الناس بسكوت الأغيار عن بيانه , ومن تأمل الواقع المُعاش , ورأى أن الجمعيات الخيرية , وغيرها مما له علاقة مباشرة بهموم الناس , وكيف أنه لاينشط للعمل فيها ولا رعايتها , إلا أهل الخير والصلاح , وأن غيرهم مشغول بفتح جبهات الإفساد , وتتبع مواطن الزلل , واستعداء المنظمات الغربية , وزيارة السفارات , وكتابة التقارير , لأدرك حقيقة حرص أهل الخير على حقوق الناس , وأنهم أهل الإصلاح الحقيقي , وأن قضايا الناس همَّهم وهجَّيراهم , فإن كان القبول فذلك ماكنا نبغي , وإن تعثرت تلك الجهود , أو أخفقت , أو حال بينها وبين النور بطانة السوء فقد قيل : " أما هذا فقد أدَّى ماعليه " " وعند الله تجتمع الخصوم " , ومع هذا كله فسنواصل بحول الله مسيرتنا , مهما اعترضنا من العقبات , وسنبذل جهدنا , وسنطالب بما أمكننا الله من المطالبة به , وسنكتب ما دام القلم يسيل بالمداد , وسنقول مادام يسعفنا النطق , وهذا شيء نتقرَّب إلى الله به , ونعتقد أنه مما ينجي بإذن الله من مصارع السوء , ومواقف الكرب , نقول ذلك مستحضرين قوله صلى الله عليه وسلم : (المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ) .
وإلى هنا أقف , وعند هذا الحد أحبس قلمي , مذكِّراً بموعد إطلاق البالونات غداً الخميس 9 / 2 / 1432هـ , الرابعة عصراً , مؤكِّداً على غاز الهيليوم , وورق A4 , وأن تُكتب الطلبات بخطٍّ واضح , وأن تُغلَّف العريضة حتى لاتتمزَّق في الهواء , وإلى أن يأتي الله بمسؤول ذي أجنحة يطير في الهواء لقراءة عرائض الناس , وإلا فستبقى تلك العرائض فاكهةً للعقبان والنسور .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
8 / 2 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي

لماذا لا يثق الليبراليون بالليبراليات؟ لأبي عمر السكران


الحمدلله وبعد،،
كيف يتعامل الليبرالي مع المرأة الليبرالية؟ كيف ينظر إليها؟ بطبيعة الحال أمامنا تصريحات الكتّاب الليبراليين الرسمية والمستمرة بأنه يجب النظر إلى المرأة باعتبارها إنسان، وكيان يجب احترامه، لا النظر إليها باعتبارها محلاً للشهوة والفتنة، وهناك ما هو أكثر من التصريح وهو أن الليبراليين يمارسون التعيير والإدانة المتكررة للناس وللمجتمع بأنهم ينظرون للمرأة نظرة جنسية، وأما هم –أي الليبراليين- فيتعاملون مع المرأة بمنظار متسامي عن هذه النظرة الغريزية.

ويرى الليبراليون أن هذه الرؤية التي يحملونها هي "مبرر وجودهم" في الساحة الثقافية السعودية، فهم يعرضون أنفسهم كـ"مخلّص" للمرأة من براثن مجتمع يريد أن يضعها فوق سرير الجنس..

هذا هو ما يقوله الليبراليون عن أنفسهم، لكن .. هل تكفي ياترى التصريحات المعلنة؟ هل هذا كل شئ؟

الواقع أن الصورة كانت غامضة نوعاً ما في بواكير الخطاب الليبرالي، لكن في الفترة الأخيرة تسربت شهادات متكاثرة من الداخل الليبرالي نفسه تكشف أن كل ماكان يقال لم يكن إلا (بيع كلام)، وأنه شعارات ترمى للاستهلاك الإعلامي فقط، وأن الصورة كانت أكثر قتامة أخلاقية مما يتوقع المرتابون..

دعونا نتصفح شيئاً من هذه الشهادات الداخلية، إحدى هذه الشهادات أدلى بها الكاتب (منصور النقيدان)، وتأتي أهمية هذه الشهادة من عنصرين، أولهما أن الكاتب منصور النقيدان يتمتع بعضوية النادي الليبرالي، وفي نفس الوقت له خصومة تاريخية معروفة مع التيار الإسلامي؛ وبالتالي فيستحيل بأي وجه من الوجوه أن يكون النقيدان في محل تهمة بالتجني على الليبراليين، وأما العنصر الثاني لأهمية هذه الشهادة فهي أن النقيدان كشف معاناة فتيات ليبراليات كن يتصلن به ويخبرنه بما يجدنه من لا أخلاقيات الليبراليين.

أدلى النقيدان بهذه الشهادة في لقاء تلفزيوني على قناة الحرة، حيث يقول النقيدان فيه:
(ربما مع الأسف كثير ممن ينظر إليهم على أنهم مثقفين، وأصحاب رؤية واعية وراقية، ومتحررون، يعانون من هذه المشكلة الكبيرة مع المرأة، كثيرات يشتكين أن كثيراً منهم يريد أن ينام معها، يريد أن يصاحبها، يريد أن يصادقها، ولكنه يفاجؤها يوماً ما بأنه لا يستطيع أن يتزوج بها، وهو نفسه في كتاباته، وفي حديثه، وحتى في ظهوره الإعلامي، يتحدث عن حقوق المرأة، وتحرير المرأة، وأنا تفاجأت فعلاً أن أكثر من زميلة من الزميلات يتحدثن عن آخرين ممن ينظر إلى شجاعتهم في الحديث عن المرأة، لكنهم يتحدثون مع زوجاتهم ومع الأخريات بشكل متخلف مع الأسف الشديد، أنا أتفهم شخصاً يفتي بثلاثة آلاف فتوى كلها تحاصر المرأة من ضفيرتها إلى ظفرها، أتفهم كيف أن مثل هذا الشخص ينظر إلى المرأة بمنظار أسود، لكني لا أتفهم شخصاً يدعو إلى تحرر المرأة، يدعو إلى تحريرها، يقف مع حقوقها؛ ثم ينظر إليها بمنظار مزدوج، يريد أن يصل منها إلى لذته ثم ينبذها ويبحث عن بنت قبيلته) [لقاء تلفزيوني مع منصور النقيدان، برنامج حديث الخليج، قناة الحرة، يونيو 2009م]

لاحظ هاهنا أن هذه ليست توقعات من ناقد خارجي، بل هذه وقائع ترويها فتيات، يصرحن بأن ثمة رموز ليبرالية، لهم حضور إعلامي، يتحدثون عن تحرير المرأة، لكن إذا وصلت الأمور إلى التعامل المباشر، وأطفئت كاميرات الإعلام؛ تحول الأمر إلى محاولة –كما يروي النقيدان- أن ينام معها ويحصل لذته ثم يبحث عن بنت قبيلته للزواج!

والله كلما قرأت هذا النص شعرت بالغبن يحرقني من خسة اللؤم والدناءة..
ومكثت مرة أتساءل: ما الذي يدفع الليبرالي لممارسة هذه الازدواجية؟ ويبدو لي أن هذا الليبرالي قام بحساب المعادلة حسبةً بسيطة، فكأنه يقول: هذه الفتاة التي قبلت أن تتبسط معي بالحديث وأنا أجنبي عنها، وقبلت أن تخرج معي؛ انهارت الثقة بها، ولا يمكن أن آمن أن تتبسط مع غيري وتخرج معه بعد أن أتزوج بها..

حسناً دعنا نواصل مع شهادات أخرى، هذه الروائية "أميرة القحطاني" والتي سبق أن أصدرت رواية بعنوان (فتنة)، وكان للرواية صدى في الصحافة السعودية، وتقول هي عن نفسها (كتّابي وشعرائي كثر لكنني نشأت على حب اثنين: عبدالرحمن منيف، ونزار قباني)، المهم أن هذه الروائية سبق أن سجلت شهادة أليمة، ونشرتها في صحيفة الجزيرة، حيث تقول:
(عندما اقتربت من هذا الوسط الثقافي، وتعاملت من بعض المثقفين فيه؛ اكتشفت أنني عشت كذبة كبيرة، وأنا هنا لا أعمم فهناك من يعمل في هذا الوسط ويملك أخلاقا نبيلة، ولكن الكفة الأخرى كانت هي الأثقل وهي الأعم، للأسف أقولها وأنا أحترق ألماً على عالمي الذي خلته جنةً من جنات الدنيا، هذا العالم الذي يحمل الكذابين والمنافقين والوصوليين و(النسونجيين)، وهذه الكلمة وحدها كارثة..) [مقالة بعنوان: مع الاعتذار للمثقفين المحترمين، صحيفة الجزيرة الثقافية، الاثنين 3/11/2008].

في النص السابق توضح الروائية "أميرة القحطاني" لحظة صدمتها بالانحطاط الأخلاقي في الداخل الليبرالي، واكتشافها الأليم لانتشار ظاهرة (الليبرالي النسونجي)، ثم تواصل الكاتبة "أميرة" بعض القصص حول هؤلاء الليبراليين النسونجيين، والتي حدثت لها حين كانت تكتب في مجلة ليبرالية شهيرة، فتقول:
(وعلى طاري النسونجيين إليكم هذه القصة القصيرة لمثقف نسونجي تخطى الستين عاماً، هذه القصة جرت معي عندما كنت اكتب في إيلاف، فقد تحدثت مع كاتب وصاحب مؤلفات لإجراء لقاء صحفي معه، وقبل إجراء الحوار - الذي لم يتم - دار بيني وبينه حديث حول الكتابة والنجاح والفشل، فقال لي حرفياً "أنا أستطيع أن اجعل من الإنسانة العادية كاتبة كبيرة!" فقلت له وأنا في دهشة مما اسمع: الكتابة موهبة لا تصنع ولا تمنح، فقال لي بكل ثقه: "أنا جعلت من إنسانه عادية كاتبة كبيره وقد أصبحت الآن مشهورة لكنها تنكرت لي عندما اشتهرت"، وعرفت من خلال حديثه انه كان يريد ثمناً لذلك التوجيه الذي يقول أنه قدمه لتلك الكاتبة، وطبعا عرض علي المساعدة "بشرط" أن يكون هناك ثمن لهذه المساعدة التي لم أطلبها منه أساساً، ودون أن أدخل معه في تفاصيل، وقبل أن أنهي معه مكالمتي سألته: هل هناك مثقفات يتعاملن معه ويتقبلن هذا الأسلوب في التعامل؟ قال وبصوت عال جدا: (طبعا)!، وأريد أن أنوه فقط بأن هذا الرجل لم يكن يخجل من الإفصاح عن رغبته، بل كان يتحدث بكل ثقة، وكأن نساء العالم كلهن ساقطات!)[مقالة بعنوان: مع الاعتذار للمثقفين المحترمين، أميرة القحطاني، صحيفة الجزيرة الثقافية، الاثنين 3/11/2008].

الواقع أن هذه القصة التي ذكرتها الروائية أميرة القحطاني تكشف جزءاً من اللعبة، وهو طبيعة الثمن الذي يقدمه بعض الليبراليين للمستغفلات من الليبراليات، وهو مساعدتها في الوصول للشهرة الإعلامية ولكن بمقابل "لا أخلاقي".

الطريف أن هذه المقالة لما صدرت أربكت الداخل الليبرالي حينها، وواجهت الكاتبة حملة من الضغوط الليبرالية والاتهامات الساخنة، ولذلك أعقبتها الكاتبة بمقالة أخرى ترد فيها على نقادها كانت بعنوان (مع الاعتذار لبعض المثقفين مرةً أخرى) وبدأتها بقولها (أثارت مقالتي السابقة المعنونة بـ"مع الاعتذار للمثقفين المحترمين" حفيظة بعض الكتاب في المنتديات، خصوصا بعض الذكور الذين يتوارون خلف أسماء نسائية،..) ثم واصلت الإجابة عن نقد ليبراليي المنتديات لها.

وفي عام 2008م أصدرت الروائية السعودية (سمر المقرن) رواية بعنوان (نساء المنكر) مكرسة لتشويه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الطريف أن الرواية منعت من دخول الكويت وأخذت صدى في الصحافة السعودية، وبعد هذه الضجة قام الإعلامي العماني خالد العلوي بإجراء حوار مع الروائية سمر المقرن، ونشر هذا الحوار في صحيفة الصوت الكويتية، ولكن الحوار تضمن في الحقيقة شهادة فاجأت الجميع، تقول سمر المقرن:
(الليبراليين في السعودية يتمسحون بالليبرالية وهم أبعد ما يكون عنها، فالليبرالية تعني الحرية وتعني الانفتاح، لكنهم ينظرون إلى الليبرالية من الجانب التنظيري فقط، فعلى أرض الواقع كل تلك التنظيرات تتبخر وتعد كلاما على ورق، كما أنهم ينظرون إلى المرأة باعتبارها ماكينة تفريخ، أو أنها وسيلة للترفيه والمتعة والجنس فقط، وينظرون لها نظرة لا أخلاقية)[حوار مع سمر المقرن، جريدة الصوت الكويتية، أجرى الحوار خالد العلوي].

سمر المقرن ممن اغتر بشعارات الليبراليين السعوديين، وكتبت روايتها على أساس المفاهيم التي تلقتها منهم، ولكنها حين احتكت فعلياً بهذا الوسط الليبرالي اكتشفت كما تقول سمر أن الليبراليين يريدون المرأة (وسيلة للترفيه والمتعة والجنس فقط، وتتبخر تنظيراتهم السابقة في الهواء) !، أي أنهم لا يقبلون بها زوجة لأنهم لا يثقون بها، وهذا الكلام ليس كلام شيخٍ في مركز صيفي، بل هو كلام روائية ليبرالية اكتشفت الواقع المر وأطلقت آهتها على صفحات الصحف!

وهذه الكاتبة الليبرالية المتطرفة "نادين البدير"، سبق أن كتبت شهادةً عن لاأخلاقيات الداخل الليبرالي، ونشرتها في صحيفة الوطن، تقول الكاتبة نادين:
(من السهل الكشف عن أولئك الذين يدعون الليبرالية دون أن يؤمنوا بها أو يطبقوها على أنفسهم، فحياتهم الخاصة مليئة بالمفاجآت التي تعكس ازدواجية الشخصية..، هناك الليبرالي الذي ينادي بخروج المرأة واختلاطها بالرجل، مطالبة واقعية ومنطقية ومفرحة، لكن لنسأله: أين زوجتك أو زوجاتك؟ أين أخواتك؟ أين بناتك؟ هل يخرجن فعلا ويختلطن بالرجال؟ أين نساء عائلتك عن الندوات التي تعقدها مع غيرك من المثقفين؟ لمن إذاً توجه دعوات التمرد؟ إنها لنساء الغير، لزوجات الغير، وبنات الغير)[مقالة بعنوان: الليبرالية السعودية: موضة أم نفاق؟، نادين البدير، صحيفة الوطن، 29ديسمبر2005].

تلاحظ في هذه العبارة التي تقولها نادين (الليبرالي يوجه دعوات التمرد لنساء الغير) أنها تختصر الانتهازية الليبرالية اللاأخلاقية، ودجل شعارات تحرير المرأة وحقوق المرأة التي يتستر بها بعض الكتبة الليبراليين، وأن كثيراً من الليبراليين يقول هذه الشعارات ليحصل على بغيته من نساء الغير، لكنه لا يرضى أن تكون هذه المرأة الليبرالية زوجةً له لأنه لا يثق بها.

هذه الشهادات السابقة لم تعد لوناً نافراً في لوحة متماسكة، بل هي مجرد اصبع واحد من أصابع اتهام كثيرة صارت تشهر في وجه الليبرالية السعودية، وتجد هذه الإدانات ما يزكيها في سلوكيات الليبراليين الشخصية، فقد فاحت روائح العلاقات غير المشروعة حتى زكمت الأنوف، وبعض الليبراليين أصحاب الفجاجة لم يعد يخجل من إعلان نظرته الجنسية للمرأة، فهذا الكاتب الليبرالي عبد الله بن بخيت كتب قبل ثلاثة أشهر مقالاً في صحيفة الرياض التي يرأس تحريرها تركي السديري، يفتخر فيه بأنه يحدّق في أجساد المارّات في المطارات ويقارن بين أجسادهن، يقول ابن بخيت:
(أحيانا تبرز من بين مفردات الوجه مفردة واحدة تتفرد بالجمال، نقول البنت هذه عليها عيون أو شفايف أو خدود، وإذا دققنا سنرى أن الأنف إما أن يخرب التركيبة أو يضفي عليها سطوة الجمال الذي تأخذك إلى جحيم المتعة، من عادتي إذا جلستُ أنتظر في مكان عام، مطار دولي مثلاً، لا أضيع وقتي بالهواجيس أو القراءة، أقيم مسابقة جمال فورية لكل النساء اللاتي يمررن أمامي، إذا نادى المذيع لصعود الطائرة أغلق باب القبول وأعلن النتيجة، أحيانا أدهش لماذا صارت أم فستان أحمر الاسكندنافية أو الهندية أو السعودية ملكة جمال مطار هيثرو أو دبي، أقلّبها في دماغي، أقارنها بمنافساتها اللاتي انتزعت اللقب منهن،أول اكتشاف أن لون البشرة لم يكن حاسما، لأن منافساتها كن على ألوان مختلفة، سمراء وبيضا وغامقة وحنطية.. الخ. ألاحظ أيضا أن الطول لم يلعب دورا كبيراً، المتنافسات اللاتي وصلن للأدوار النهائية مختلفات الأطوال، كما أن العمر لم يكن له تلك القيمة فالعشر الأوائل يقعن في مسافة عمرية تتفاوت من الأربعينيات إلى العشرينيات، من ناحية السمنة ألاحظ أن المتنافسات يبدأن من المربربة حتى النحيلة المغطاة بكمية كافية من الأنوثة..)[مقالة بعنوان: جمال المرأة، ابن بخيت، صحيفة الرياض، 15سبتمبر2010].

لاحظ أنه يعتبر (القراءة) مضيعة وقت، فيقول أنه لا يضيع وقته في القراءة وإنما يتفرس ويحدِّق في أجساد المارّات ويقارن بينهن، حسناً .. أين كلام الليبراليين الطويل والعريض أن المرأة إنسان، ويجب النظر إليها على أنها ذات رأي وعقل ودور اجتماعي؟! تبخرت هذه الشعارات وصار الليبرالي يقارن بين النساء (هذه سمينة وهذه نحيلة مغطاة بكمية كافية من الأنوثة)!

كنت وأنا أقرأ كلام ابن بخيت السابق أفكر في مشاعر زوجة ابن بخيت المسكينة لو وقعت عينها على هذا الكلام الذي يكتبه زوجها، وكيف يتبجح بأنه يتلذذ بإلصاق عينيه في النساء العابرات؟! افترض أنك نسيت حق الله في غض بصرك، فأين حق زوجتك المسكينة؟!

ربّاه .. وهل يلام الفقهاء في تحريم الاختلاط لتسلم نساء المسلمين من هذه العيون المريضة وأمثالها؟!

وفي العام 2004م وصلت إلى السعودية الصحفية الأمريكية (إليزابيث روبين)، وقامت بجولة واسعة في أرجاء السعودية، والتقت بعدد من الكتّاب الليبراليين وأخذت منهم تفاصيل مطولة عن حياتهم الشخصية ونقدهم للتيار الإسلامي في السعودية، وممن التقت بهم هذه الصحفية الأمريكية الكاتب الليبرالي (عبدالله ثابت) الذي كتب رواية (الإرهابي 20)، وقد أفصح عبدالله ثابت لهذه الصحفية بكل تبجح أنه يتمنى ممارسة العلاقات غير المشروعة بذات الطريقة البهيمية العبثية، وقد نشرت الصحفية اليزابيث تصريح عبدالله ثابت هذا في مجلة (نيويورك تايمز)، وهي مجلة أمريكية أسبوعية معروفة تُنشر ملحقة بعدد الأحد من صحيفة النيويورك تايمز، وتنشر فيها عادةً المقالات والتحقيقات المطولة، تقول الصحفية اليزابيث روبين في هذه المجلة:
(بينما كنا أنا وعبدالله ثابت نلتف حول جبال عسير ذات القمم الصخرية الحادّة؛ صادفنا على المنحدرات الصخرية مئات القردة من فصيلة البابون، وكانت تمارس الجنس وتستمني وتعوي وتضحك، تمهل عبدالله في سيره وأخذ يستمتع بحيويتها، ثم قال "أتمنى أن أعيش مثلها"، ثم واصل مسيره)
[NY Times Magazine, 7March2004]

والحقيقة أن أي قارئ سبق أن طالع أية مطالعة عابرة في المنتديات الانترنتية الليبرالية السعودية فلن يعوزه اكتشاف التأزم الغريزي لدى الشريحة الليبرالية، فالصور التعبيرية التي يضعها أعضاء هذه المنتديات تحت أسمائهم كثيرٌ منها صور لنساء في أوضاع إباحية ومخلة بالفطرة السليمة والذوق الراقي، ثم لا يجدون أية غضاضة في التظاهر بالحديث عن أن المرأة إنسان وليست محلاً للشهوة والفتنة، وأننا يجب أن لا ننظر للمرأة نظرة جنسية! وهل ينظر للمرأة نظرة جنسية أحدٌ سواكم؟!

وأشهد لله شهادةً يسألني عنها الرقيب الحسيب يوم الفزع الأكبر، أنني سبق أن جلست عدة مجالس مع رموز تغريبية معروفة على الساحة، وكانوا يتوصفون أجساد المذيعات ويقارنون بينهن على سبيل التشهي والتلذذ، ولما رأو نفوري صرفو حديثهم، ثم يخرجون على الناس في وسائل الإعلام ويتحدثون عن تحرير المرأة وأنها إنسان وليست محلاً للشهوة والفتنة، مساكين (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)[البقرة، 9].

ومما يزيد الأمر خطورة أن هذا التوجه الليبرالي الشهواني المتستر بحقوق المرأة ليس مجرد كتابات متناثرة عابرة، بل هناك ريموتات خفية تعطي الضوء الأخضر من هنا وهناك، وتُساند وتُبارِك وتؤز، بل يصل الأمر إلى تدخل قوى خارجية كبرى بشكل يستبعده كثير من القراء غير المتابعين لهذا التيار، من يستطيع أن يتصور –مثلاً- أن الأمريكان قريبين، وقريبين جداً، إلى درجة المشاركة الفعلية في مؤتمرات تغريب المرأة؟! أنا شخصياً كنت أضحك ممن يقول هذا الكلام، لكن تفضل خذ هذه القصة المرعبة التي روتها الدكتورة الفاضلة نورة السعد في مقالةٍ لها نشرتها قبل أيام، تقول الدكتورة نورة:
(في عام 1423هـ وفي الفترة من "15-17ذو القعدة" كان  احتفال الافتتاح في الليلة السابقة للافتتاح الرسمي لمنتدى جدة الاقتصادي,تحت رعاية حرم أمير المنطقة، وشاركنا بالحضور في القاعة التي كانت خاصة بالنساء فقط، ولكن عندما حضرنا في صبيحة اليوم التالي وجدنا أن الصالة واحدة بين الرجال والنساء، وهناك حاجز فقط، ولكن المشاركين في المنصة تستطيع النساء في الصفوف الأولى أن تشاهدهم وهم يشاهدنهن! سألت إحدى المسئولات عن التنظيم، وكانت أمريكية ترتدي بدلة لونها أزرق فاتح: لماذا هذا التنظيم الذي لم يكن بالسابق؟ قالت لي: نحن تعمدنا هذا حني نلغي الحاجز تدريجياً(gradually)، قلت لها: من قال لك أننا نريد إلغائه؟ أدركت المرأة إني لست ممن يرحبن بالاختلاط وإزالة الحاجز تدريجيا! فارتبكت قليلاً، ثم أشارت إلى امرأة أخري بريطانية ترتدي بدله لونها وردي وقالت لي: تلك المرأة هي المسئولة عن التنظيم, فذهبت إليها وسألتها السؤال نفسه، فنظرت لي طويلا ثم قالت :أنا لدي "تعليمات" بهذا التنظيمorders) [مقالة بعنوان: قضايا المرأة تحت مظلة منتدى جدة، د.نورة السعد، الخميس 30ديسمبر2010]

لاحظ كيف أن الموظفة الأمريكية والبريطانية لديهن "تعليمات" بمسلسل تدريجي لإلغاء الحاجز بين الرجال السعوديين والنساء السعوديات على أرض السعودية نفسها! يا ألطاف الله، كيف يصل الاختراق إلى هذه الدرجة؟!

ونتيجةً لهذه الصورة الأخلاقية المتعفنة للداخل الليبرالي؛ فإن كثيراً من المراقبين أطلقوا على الليبراليين السعوديين توصيفات طريفة، ومن هؤلاء الكاتب الوطني في صحيفة عكاظ الأستاذ "خالد السليمان" حيث يقول:
(المشروع الليبرالي ليس أكثر من مشروع انثوي يبدأ بالمرأة، وينتهي بالمرأة، مرورا بالمرأة) [عكاظ، 26مايو2007]

ومن هؤلاء المراقبين –أيضاً- الكاتب الديمقراطي د.محمد الأحمري، حيث يقول عن الليبراليين السعوديين:
(مجموعات من الليبراليين فهمت الليبرالية على أنها "ليبرالية الجزء الأسفل من الإنسان" ولذلك –مثلاً- الروايات السعودية روايات جنسية، وطابع الانفتاح هو انفتاح في القضايا التافهة، وليس في قضايا من مصلحة الناس)[لقاء مع د.الأحمري، برنامج إضاءات، 9فبراير2009م]

ولكن هل ياترى هذه النظرة الشهوانية المتسترة بتحرير المرأة خصيصة لليبرالية السعودية، أم أن الليبرالي العربي يعاني –أيضاً- من نفس المرض؟ أميل شخصياً إلى أن هذه عاهة عامة في غالب التغريبيين، وليست خاصة بالتغريبيين السعوديين فقط، فغالب التغريبيين يتحسر في الإعلام على تحرير وحقوق المرأة وإنسانية المرأة، وإذا جاء مستوى التعامل المباشر رفرفت الشعارات بعيداً بعيداً. خذ مثلاً بعض الأمثلة، فهذا المثقف اليساري الملتزم بوعلي ياسين، والذي قدم عدة دراسات اجتماعية للمجتمع السوري، وكان ضليعاً في تراث ماركس، يقدم شهادةً أخرى على التغريبي العربي، حيث يقول في كتابه عن أزمة المرأة شارحاً كيف لا يثق الليبرالي في المرأة الليبرالية، وأنه يريدها للمتعة فقط:
(الرجل المثقف في مجتمعنا يدعو إلى المساواة ويطالب المرأة بأن تكون ندا للرجل ولكنه نادراً ما يتزوج هذه المرأة المتساوية معه أو الند له، إنه يقبلها صديقة، رفيقة، زميلة؛ لكنه يخافها ويبتعد عنها كزوجة.. إنه يريدها غرّة، ولذلك تراه يركض وراء المراهقات) [أزمة المرأة في المجتمع الذكوري، بوعلي ياسين، ص89]

لاحظ هذا التصوير الذي يقدمه بوعلي ياسين لليبرالي السوري الذي يرفع شعار تحرير المرأة، إنه قريب جداً من الحالة الليبرالية السعودية، فهو يريد المرأة صديقة للمتعة لكنه لا يقبل بها زوجة!

وهذا المفكر المصري المعروف د.جلال أمين، يكشف عن نفسه وعن زملائه النظرة النسونجية للمرأة، وليس في الشارع ولا في السوق، بل وهو في موقع دكتور جامعي وأمام طالبات جامعيات يفترض أنهن يثقن فيه ويعتبرن العلاقة معه علاقةً علمية بحتة، حيث يقول في كتابه "ماذا علمتني الحياة؟" :
(وكم ظلت رؤية وجه جميل لطالبة معينة أو أخرى، واستثارة تعبير الإعجاب منه؛ حافزاً إضافياً لديّ للذهاب بحماس لإلقاء المحاضرة، وقد اعترف لي مرة أستاذ مصري كبير بأن شيئاً كهذا هو الشيء الوحيد الذي يجعله يطيق مهمة التدريس أصلاً!) [ماذا علمتني الحياة؟، د.جلال أمين، ص287]

واخيبتاه إذا كانت هذه هي سلوكيات الأستاذ الجامعي!

حسناً .. أعتقد أن الشواهد والمعطيات السابقة كافية جداً لتزويدنا بمؤشرات في غاية الخطورة حول حجم التدهور الأخلاقي في الداخل الليبرالي والتغريبي، فالسؤال الآن: ماهي الثمرة من هذا التصور؟ وماذا يفيدنا تكلف فحص المعطيات حول الواقع الأخلاقي الليبرالي؟

الحقيقة أن فحص وتحليل المعطيات حول الواقع الأخلاقي الليبرالي برغم أنها مؤذية لمشاعر المؤمن؛ إلا أنها مهمة جداً لتحقيق عدة استنتاجات وخلاصات، منها:

أن بعض الذين ينسبون أنفسهم للتجديد الإسلامي من المتصالحين مع المشروع التغريبي يتورطون في تدليس حقيقة الصراع مع التيار الليبرالي، وتراهم يكررون دوماً بأن الصراع مع التيار الليبرالي صراع مفتعل، وساذج، وحول قضايا تافهة، وأنه يدور حول مشاغل ليست من حاجات المجتمع الحقيقية، ونحو هذا الكلام، وهذا تلبيس فظيع على الناس، بل الصراع بين الإسلاميين وجمهور الليبراليين هو صراع بين الفضيلة والرذيلة، وليس هذا مجرد دعوى، بل هذا باعتراف وشهادة كثير ممن هم داخل التيار الليبرالي نفسه.
وهل حفظ الفضيلة في المجتمع المسلم، وحماية فتيات المسلمين من هذا المشروع الانحلالي المذهل؛ ليس من حاجات المسلم الحقيقية، يا لله العجب، وهل على المسلم شئٌ بعد التوحيد أغلى من الأعراض؟! ألا بئست تلك النفوس التي زهدت في حفظ أعراض المسلمات..

ومن أعجب الإشارات القرآنية إلى هذا التيار الانحلالي المفسد أن الله تعالى قابل بين إرادة الله التوبة، وإرادة هؤلاء المفسدين انتشار العلاقات غير المشروعة، وهذا تنبيه لطيف من الله تعالى أن ضد مراد أولئك من تشريعات الزكاء والطهر ما شرعها الله لنا إلا ليتوب علينا ويزكينا ويطهرنا، قال تعالى موضحاً هذه المقابلة:
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا)[النساء، 27].

وما رأيت أكثر مجازفة من هؤلاء المفسدين، فإن الله لم يكتف بالعقوبة الأخروية، بل حذرهم عقوبتين، عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية، والدنيوية أعم من الحد، قال تعالى:
 (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)[النور، 19]
ويحك إنك لا تطيق عقوبة ملك من ملوك الأرض، فكيف تطيق عقوبة ملك الملوك في الدنيا والآخرة؟!

ومن أهم النتائج لاستيعاب الانحدار الأخلاقي في الداخل التغريبي أن الشاب المسلم حين يرى ذلك يرفع يديه بحمد الله وشكره والثناء عليه أن شرفه وذاده وجنّبه الدخول في هذه المستنقعات الليبرالية، فهذا كله فضل من الله وحده جل وعلا، كما أشار كتاب الله لذلك:
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا)[النور، 21].

بل تأمل في قرب تأثير الشيطان لولا لطف الله بالعبد كما يقول تعالى:
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا)[النساء، 83]
يا ألله .. لاتبعنا الشيطان إلا قليلا؟!

 فكيف لو حجب الله التوفيق عن العبد؟! والحقيقة أن تأمّل هذا يوجب للعبد مزيد تعلق بالله، وشدة تفويض الأمور إليه، والبراءة من الاغترار بالقدرات الذاتية، فإن الله تعالى إن وكلك إلى نفسك فوالله لا يبالي الله بأي أودية الدنيا هلكت، كما أشار كتاب الله لهذه الحاجة المركوزة في فطر بني آدم إلى لله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر، 15].
ففي القلوب صدع لايرأبه إلا الإقبال على الله، وفي النفوس وحشة لا يطمئنها إلا ذكر الله والتعلق به (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرعد، 28]

ومن أعظم ثمرات هذا التصفح للواقع الأخلاقي الليبرالي الأليم؛ أن فيه أمارة من أمارات نبوة محمد، وتصديقاً لخبره صلى الله عليه وسلم، فكلما رأيت شدة وانهماك التغريبيين في التركيز على (ملف المرأة) تعاظم يقيني بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق خبره، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء)[مسلم، 7124]
وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) [البخاري، 5096]

ومن أعظم ثمرات اكتشاف تغرير الليبراليين بالفتيات السعوديات تحت شعارات تحرير المرأة وحقوق المرأة وعمل المرأة ونحوها؛ أننا يجب أن لا نقف متفرجين مكتوفي الأيدي، بل يجب أن نتحرك بكل ما في وسعنا لإنقاذ أكبر عدد يمكن إنقاذه من هؤلاء المستغفلات، وفي الداعيات والمثقفات الإسلاميات خير كبير، وهن الأمل -بعد الله- في تنفيذ هذه المهمة الإنقاذية بشكل إسعافي عاجل.

ومن نتائج الوعي بالمكر الليبرالي الخطير في ملف المرأة؛ معرفة فضل العلماء الربانيين المحتسبين الذين صاروا مرصاداً لهؤلاء المفسدين، وعامة علمائنا ولله الحمد لهم جهود مشكورة في تعليم الناس الفضيلة وتحذيرهم من مخططات هؤلاء المفسدين، ولكن الأحداث الأخيرة أظهرت إمامين اختصا بجهاد لا يكل ولا يفتر، وهما الإمامان عبدالرحمن البراك وعبدالمحسن العباد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فاسأل الله أن يزيدهما شرفاً في الدنيا والآخرة، لقاء ماقدما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

والله تعالى أعلم،،
ابوعمر
صفر 1432هـ