بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فالمسلم مطالب أن يلزم أمر الله تعالى , وألا تغلبه العاطفة , أو يستجرَّه الشيطان المعصية , والاعتراض على القدر , أو يبلغ به الجزع مبلغاً يدفعه لارتكاب خطيئة توبقه , حتى وإن ظن أنها ليست كذلك , أو حاول بعض قاصري النظر ادِّعاء أنها إحدى وسائل التأثير والتعبير.
إنني وأنا أتابع ماتطالعنا به الصحف ووسائل الإعلام هنا وهناك , من محاولات متكررة , وأساليب متنوعة , لمعاجلة النفس بإزهاقها , والتعبير عن حالة القهر والمرارة , بالخلاص من هذه الحياة , التي صار يرى الموت عندها رحمة ونجاة , وهي أساليب اختلف , فمن شنق النفس , إلى محاولة التردي من شاهق , إلى إحراق الأجساد بالنار عياذاً بالله , وهو الأمر الذي تتابع تتابعاً مقلقاً , يوجب على أهل العلم والدعوة المسارعة في بيان خطره , والتعاون في إيجاد الحلول والسبل لمعالجة أسبابه , وإلا فإن فاعله آثم , ومن قدر على منعه بأي وسيلة ثم لم يفعل فإنه آثم كذلك .
أنا أتفهَّم أن يخرج شاب لايدين بدين , ولم ينعم يوماً في حياته بمناجاة الله تعالى , أولم يعرف من هذه الحياة إلا ماتعرفه البهائم ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) فيزهق نفسه و يعاجلها , عند غياب تلك اللذة وذلك المتاع , أما أن يفعل ذلك مسلم ذاق حلاوة المناجاة , وقرأ ما أعدَّه الله للصابرين , وآمن أن لله حكمة في الابتلاء , وأن الدنيا دار امتحان , وأنها سجن المؤمن , وجنة الكافر , وأن الفقر والجوع والظلم والخوف مما يمتحن الله به عباده , ليرى صدق صبرهم , ومدى توكلهم , أو يعاقبهم به لذنب اقترفوه , أولغير ذلك من الحكم العظيمة التي يريدها الله , فإن هذا – من المسلم - مما يدمي القلب , ويفتت الكبد , وذلك لأن فاعله مهدد بعذاب من الله تعالى أشد , وعقوبة أنكى , فهو إنما فرَّ من جحيم الدنيا إلى جحيم الآخرة , وهو بفعله هذا يعترض على حكمة الله تعالى وحكمه , الذي قسم الأرزاق , وقدَّر الأقوات .
لعل قائلاً يقول : إنني لا أعترض على فضل الله الذي يهبه لمن يشاء , ولكني أعترض على تلك الممارسات التي نراها ونسمعها , مما يصبح معها الحليم حيراناً , والغافل مشدوهاً , من تبذير لثروات الأمة , ونهب لمقدَّراتها , لايستحيي أصحابها من مجاهرتهم بها , في حين يمنون على البسطاء بفتاتٍ هو بعض حقهم المشروع , وأعترض على تلك التخبطات , التي قلبت الموازين , وفاقمت المشكلة , هذا محل اعتراضي , أما من سعى واجتهد , فبارك الله له فيما آتاه , ووسَّع عليه في دنياه , فإن هذا ممن فضَّله عليَّ , ولااعتراض على فضل الله .
والحقيقة أن الوقوف عند هذه الاعتراضات مهم جداً , ولعلي قبل أن أقف عندها أستحضر بعض ماورد في شريعة الله , من نصوص توجب على المسلم مراعاتها , والوقوف عندها , مما ورد فيها النهي عن قتل النفس ومعاجلتها , قبل إيرادها يحسن أن أشير إلى أن العلماء قد اختلفوا في حكم من قتل نفسه في صفوف العدو , أو فجَّر نفسه في مصالحهم للإضرار بهم , وهل يُعدُّ منتحراً أم لا , فما ظنُّك بمن هو دون ذلك بكثير , ممن يقتل نفسه للتخلص مما يجده من عناء الدنيا ومنغصاتها , مما ضعفت نفسه أو ضاقت عن تحمُّله .
ومما جاء في الشريعة في النهي عن استعجال النفس قوله جل جلاله : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) , وقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأُ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه , وفيهما عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) , وعند مسلم رحمه الله , عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه ) والمشاقص السهام العراض , وفي الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحزَّ بها يده فما رقأَ الدم حتى مات . قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) .
ولو أن المسلم إذا ضاقت نفسه , وعجز عن دفع مايجده , تذكَّر ماجاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي )
وهذه نصوص صريحة لاتقبل التحريف ولا التأويل , ولايجوز صرفها عن ظاهرها لبعض النتائج المُتوقَّعة , ومن ظنَّ أن مايفعله بعض الناس اليوم , من قتْل أنفسهم بأي صُور القتل , من أنواع التعبير المشروع , أو مما تحتاجه الأمة , أو غير ذلك من المبررات , فو كاذب على شريعة الله , غاشٌّ لأمة الإسلام , والواجب على هؤلاء ألاَّ يدفعوا المقهورين ليكونوا حطباً للنار في الدنيا والآخرة , بل عليهم إن كانوا صادقين أن يجتهدوا في السعي للمقهورين بما يقوي إيمانهم , ويزيد ثباتهم على الحق من جهة , وبما يفتح لهم أبواب السعي والتَّكسب المشروع من جهات أخرى , وتذكيرهم دائماً بأن الدنيا دار امتحان وابتلاء , وأن الإنسان مهما أصابه فيها , فعليه أن يتذكر هدي أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم , الذي كان منه ما حكت عائشة رضي الله عنها لابن أختها عروة ابن الزبير رضي الله عنه بقولها : ( ابن أختي ، إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ، ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار . فقلت : يا خالة ، ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار ، كانت لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا ) , وقالت رضي الله عنها في موضع آخر : ( ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير حتى قبض ) , وحكى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فقال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي طاويا وأهله لا يجدون عشاء ، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير ) , وأما أبو هريرة رضي الله عنه فقد قَالَ : ( إِنَّمَا كَانَ طَعَامُنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ وَالْمَاءَ ، وَاللَّهِ ، مَا كُنَّا نَرَى سَمْرَاءَكُمْ هَذِهِ ، وَلَا نَدْرِي مَا هِيَ ؟ وَإِنَّمَا كَانَ لِبَاسُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّمَارَ ، يَعْنِي : بُرُدَ الْأَعْرَابِ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِاخْتِصَارٍ .
والآن أعود إلى تلك الاعتراضات , وهي لاتبيح مهما بلغت في قوتها , أن يعاجل الإنسان نفسه , بل على المسلم أن يصبر , فإن عجِز فليتصبَّر ( ومن يتصبَّر يُصبِّره الله ) , وأن يعلم أن للكون ربّاً يديره , وهوسبحانه يرى ويعلم مايقع , ولايخفى عليه شيء ( إن الله لايخفى عليه شيء في الأرض ولافي السماء ) , فإن كان ماوقع للمسلم وقع له وهو صحيح الحال في دينه , قائم بأمر ربه كما ينبغي , فإن ذلك ابتلاء يبتليه الله به , وعاقبته له إن قابله بالصبر والصدق ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) , وأما إن قابله بغير ذلك (فمن سخط فله السخط ) , أما إن وقع له وهو مقصِّر بحق ربه , مُعرض عن أمره , فإن ذلك عقاب من الله , وهنا فعلى المسلم أن يبادر بالرجوع إلى الله , والانكسار بين يديه , لأنه ( مانزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة ) , وقد تكون العقوبة من الله للعبد مباشرة , إما بآفة في ماله , أونفسه , أو أهله , أو غير ذلك من العقوبات , أو تكون بظلم يقع عليه من سلطان , أو مدير , أو مسؤول , فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال : كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( يا معشر المهاجرين خمس خصال و أعوذ بالله أن تدركوهن , ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا , و لا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين و شدة المؤونة و جور السلطان , و ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء و لولا البهائم لم يمطروا , و لا خَفَرَ قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم , و مالم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم ) , وقال الحسن رحمه الله : " اعلم – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى ، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف ، وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب , إن نقم الله متى لقيت بالسيوف كانت هي أقطع , ولقد حدثني مالك بن دينار أن الحجاج كان يقول : " اعلموا أنكم كلما أحدثتم ذنباً أحدث الله في سلطانكم عقوبة " , ولقد حدثت أن قائلاً قال للحجاج : " إنك تفعل بأمة رسول الله كيت و كيت ! " , فقال : أجل ، إنما أنا نقمة على أهل العراق لما أحدثوا في دينهم ما أحدثوا ، وتركوا من شراع نبيهم عليه السلام ما تركوا " .
والمقصود أن مايعترض العبد في حياته من الضيق والشدة في معيشته ورزقه , لايخرج من دائرة الابتلاء والعقوبة , وأن مايكون منه عقوبة , يوجب المبادرة بالتوبة , سواء ماكان عقوبة مباشرة , أو ماكان بجور السلاطين والحكام وذوي الرياسات , وهذا لايعني أن العبد يستسلم ويسكت , بل كما وجب تذكير الناس بالتوبة لله تعالى , فإنه يجب تذكير السلاطين والحكام وذوي الرياسات بالعدل , ورفع الظلم , وإزالة مظاهر القهر للناس .
إنه كما يُنصح الناس بلزوم السمع والطاعة للحاكم بالمعروف , ومعاملة مايقع منه على نحو ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلى وفق ماوجَّه به أئمة الإسلام , فإن السلاطين وغيرهم يُنصحون ويُوجَّهون بلزوم شرع الله تعالى , ويُحتسب عليهم , وهذا من تكامل الشريعة وعظمتها , فالذي جاء بـ (اسمع وأطع في عسرك ويسرك ، ومنشطك ومكرهك وأثره عليك ، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية ) , هو الذي جاء بـ ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) , ويجمع هذا وذاك مارواه مسلم رحمه الله عن أبي رُقَيَّةَ تَميمِ بنِ أوْسٍ الدَّاريِّ رَضِي اللهُ عَنْهُ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ : ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) , قُلْنَا : لِمَنْ ؟ , قالَ : ( للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَِئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) .
وعلى هذا الأساس , ومن هذا المنطلق , فالنصيحة لحكام المسلمين , ومن ولي من أمرالمسلمين شيئاً أن يتقي الله فيهم , وأن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) , ويقول : ( ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل الجنة ) , ويقول : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به) , وأن يسوسوهم بشريعة الله , ويعدلوا بينهم في الأحكام , ويحسنوا إليهم في الأعطيات , وألا يمنعوهم حقوقهم , وألا يغشوهم في شيء من أمرهم .
وإنه لعار وخزي , وجريمة أيُّ جريمة , أن يُحرق شاب نفسه بالنار , أو يعلق نفسه في شاخص , أو يتدهده من جبل , أو يلقي نفسه من بناية , لقلة ذات يده , أو لعوزه وشدته , وبلاد المسلمين تتربع على أغلى وأكثر ثروات العالم .
إن على ولاة أمر المسلمين أن ينظروا في أحوال مجتمعاتهم , ويتفقدوا مواطن الخلل , وينتدبوا لذلك النصحاء والصلحاء , وأن يحذروا الغششة والمنتفعين , وأن يكفوا عن مظاهر الظلم , وقهر المجتمعات بالتصرفات غير السوية , فالشاب الذي لايجد مايدفع به ضراوة الجوع , يزيد في قهره وغضبه مايراه من نفقات لاحصر لها على أضرابه من أبناء العلية والساسة .
والذي لايجد سكنا يؤويه , أو يصبِّحه صاحب السكن الذي هو فيه بمطالبته بالأجرة ويُمسِّيه , يقهره ويشعل النار في قلبه حين يسمع أنا فلانا اشترى فندقاً , أو يختاً , أو سيارة فارهة , أو أحيا ليلة , أو استأجر منتجعاً , أو أقام مأدبة , وأن ذلك بلغ ملايين الدولارات , أو جاوزها إلى المليارات , وهو يعلم أن فاعل ذلك لم يعمل في تجارة , أو يحصل على تلك الأموال من مرتبات وظيفته المدَّخرة , وليست مما ورثها عن أبيه , أو أحد قراباته المتوفين , ولم يعثر على كنز مدفون , وإنما أخذها , أو إن شئت فقل سلبها من أموال الناس وحقوقهم .
كلنا سمعنا عن حالات البذخ التي ينعم بها فئات من الناس دون غيرهم , وسمعنا عن صور الإنفاق غير المشروع , وكل مجتمعات المسلمين تتحدث عن مشاهد مؤلمة , فهل نظن أن هذه الصوروالمشاهد لن تترك أثراً في قلوب المعدمين والضعفاء ؟ , وقل مثل ذلك في حالات التبذير غير المبرر , وذلك كالإنفاق على لاعبي الكرة بمالايخطر على بال , حتى إن بعضهم بلغ عقد استضافته عشرات الملايين , في وقت يتقاتل فيه آلاف الشباب على حفنة من الوظائف ذات المرتَّبات المتدنية , وبُحَّت أصوات كثير منهم وهم ينادون بتصحيح أوضاعهم , أو ترسيمهم , مع أننا لانرى في الكرة التي تنفق لأجلها الملايين إلا مزيداً من الإخفاقات والفشل .
إن ولاة المسلمين مؤتمنون على الثروات , وهم عليها كالقاسم , ولذا فالواجب عليهم أن يصرفوها بحق وعدل , وأن يتحروا فيها ما يُصلح الناس , ويَصلُح للناس , وأن يعلموا أن الله سائلهم عنها يوم يقفون بين يديه , ولله در عمر الفاروق رضي الله عنه حين قال : " لو أن بغلة في العراق عثرت لعلمت أن الله سيسألني عنها " , فليعدوا للسؤال جواباً , وللجواب صواباً , وإن من الجواب وصوابه أن تُساس المجتمعات بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وأن يكون الناس في الحقوق سواسية , وأن يكون شعار الحاكم والمحكوم " من أين لك هذا " , فإن كان من حقوق الناس أعيد إليهم , وإن كان مما أقدره الله على كسبه بالصفة الشرعية , فبارك الله له فيه , ورزقه وأعانه .
كما إن من الجواب والصواب , أن تتحمل القيادات مسؤوليتها بصدق , وألا تقهر الناس لتخرجهم عن طورهم , وتمارس في الوقت ذاته سياسة الاستفزاز البغيض , وتجعل شعارها " جوِّع كلبك يتبعك " , فإن الناس ليسوا كذلك , والإنسان المسلم وُلد حرَّاً , وهو يعشق الحرية فـ " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " , وإذا كانت الدول ترغب من شعوبها الوقوف معها حال الأزمات والشدائد , فكذلك الشعوب تريد من قياداتها الوقوف معها عند الرخاء واليسر .
إن الجموع المحتاجة المحتجة , التي ترى أن الوظائف لايمكن الإعلان عنها إلا بعد أن يموت دونها أعداد وأعداد , ثم يتنامى إلى سمعها أن امرأة أخذت معها طناً ونصف الطن من الذهب دفعة واحدة , فإنه لايمكن أن تمنح الولاء والحب , ولا أن تلتمس العذر للحاكم مهما حاول الاعتذار .
مالذي يضير هذه الدول أن تفتح المصانع الضخمة , بدلاً من تشييد الملاعب , ومالذي يمنع من إنشاء المراكز التدريبية المفيدة , بدلاً من إغراق المجتمعات بالمسارح والملاهي .
إننا حين نتحدث عن البطالة وأخطارها , وبلداننا تتربع على أعظم الثروات المعدنية والنفطية , وفي مقابل ذلك نستورد من الخارج كل شيء , وكأن عقول من نستورد منهم أنضج من عقولنا , ويجلس أبناء المجتمع ينتظرون دورهم في الوظائف الإدارية , أو بعض الوظائف الخدمية والعسكرية , حتى إذا تعذرتهم تلك الدوائر , وجدوا أنفسهم أمام فراغ قاتل , وفقر قاهر , فإن هذا يوجب علينا مراجعة السياسات والخطط , والالتفات إلى ما أودعه الله عندنا , والاستفادة من قدرات رجالنا وفتياتنا , وذلك من خلال الاهتمام بالمجال الفني والمهني , وإنشاء مراكزضخمة للتدريب , ومصانع تستقبل هؤلاء المتدربين , وإتاحة الفرصة لهم للدخول في سوق العمل بقوة وثقة , ومنحهم الأولوية , وتذليل كل العقبات التي تحول بينهم وبين الاستمرار والمنافسة , ولعلي هنا أستشهد بنموذج واحد فقط يوجد لدينا في السعودية , وهو مراكز ومعاهد التدريب الفني والتعليم المهني ,كم عمرها الفعلي ؟ , وكم الأعداد التي تخرَّجت منها ؟ , وماهو دورها في الواقع ؟, وماأسباب تخلف المتخرجين عن المنافسة أو تطوير الذات ؟ , وأين ذهبت تلك الأعداد التي تخرجت ؟ , مع أنها كانت تتعلم مهناً لاغنى للناس عنها , كالحدادة , والنجارة , والكهرباء , والميكانيكا , والسمكرة , وغير ذلك مما لانراه اليوم إلا بيد العمالة الوافدة , فهل كان التعليم لايرقى للمنافسة ؟ , أم حال بينهم وبين المنافسة أسباب فنية ؟ , أم ماذا ياترى ؟ .
على الدول أن تبدأ فعلياً بالاستفادة من الطاقات المهدرة , والمقدَّرات المبعثرة , وأن تفكِّر مليِّاً , وتبادر سريعاً , بإعادة ترتيب الصفوف , ومنع مظاهر الفساد والتفرقة , وأن تستشعر أن حرمان تلك المجتمعات من شيء تشعر أنها أولى به , سيولد عندها الاحتقان , وسيدفعها للانتقام , خاصة إذا بلغ الأمر حداً مزعجاً , أو وجد من يستغل ذلك الظرف , ثم ينفخ فيه النار .
بل يجب على ولاة الأمر أن يتحركوا لإصلاح مواطن الخلل كلها , وألا يقتصر العلاج على أمر المعيشة , وقضية البطالة , وغلاء الأسعار , بل يجب التحرك لإصلاح كل خلل يمس الضرورات الخمس , وأن يكون ذلك هو الشغل الشاغل , أما أن ينتظر الولاة حتى يغضب الناس , أو يصلوا إلى حدِّ الضجر , وبعدها يُفكرون بالتحرك واتخاذ بعض القرارات التخديرية , فهذا هو الغش بعينه .
وليس لأحد عذر في التبرير للبطالة بأنها موجودة في الدول المتقدمة , وأنها مشكلة عالمية , وذلك لأننا لم نضع حلولاً عملية للبطالة , بل اكتفينا بهذا العذر البارد , وإلا فلو كنا نمتلك المصانع , وننتج السلع , وقد اكتفينا ذاتياً , وأصبحنا نغزوا أسواق العالم بمنتجاتنا , فهنا يمكن أن نعتذر بالعالمية ومشاكلها , أما أن نستورد من الخارج معظم مانحتاجه , مع أن بإمكاننا أن ننتجه هنا , فنحن والحالة هذه لاحجة لنا بمايقع عند غيرنا , ولعلي هنا أن أشير إلى قصة وقعت لي , حيث كنت مرة في سوريا , وعرض علي أحدهم زيارة مصنع للأحذية هناك , وذكر أنه لأحد أقربائه , وعندما ذهبنا للمصنع , وجدته لايتجاوز في مساحته أربعة أمتار في ستة , وقد كنت أتصور أنه أكبر من هذا بمئات المرات , وقد كنت أضحك بيني وبين نفسي , وكنت أقول وأردد : مصنع ! مصنع! , ومما زاد دهشتي ماذكره صاحب المصنع من أنه يُصدِّر للسعودية , وأنه يشتري منه عدد من تجار الأحذية هنا , عندها وقفت وقفة صمت وحسرة , كنت أفكِّر معها وأقول : هذا المكان المتواضع , وهذا الجهد مع هذه العزيمة الصادقة , لو قام أمثالها في بلادنا , فكم ستستفيد منها من أسرة؟ , وكم ستتاح فيها من وظيفة ؟ , وحتى لو أخفق بعضهم , أو تعثَّر في مسيرته , فمالمانع أن تتاح أمامه الفرص , ويشجع ليقف على قدميه مرة أخرى .
إن شبابنا لايقلون في مواهبهم , ولا في عقلياتهم , ولافي قدراتهم , عن غيرهم من سائر الشباب , لكنهم يجب أن يُصرفوا لما ينفعهم , ويستفاد من تلك العقول والمواهب والقدرات , أما أن تُترك لسهام التغريب والتخريب والتشويه والتشويش , من خلال القنوات , أو مايروَّج من المخدرات , أو ما يُهيَّأ لهم من المغريات والملهيات , فهذا من الغش والخيانة , و ( من غشنا فليس منا ) .
متى سنجد مدنا صناعية تستقطب آلاف الشباب , وتمنحهم فرصة العيش بكرامة , وتُكسبهم الخبرة والتجربة , وتجعلهم لبنات صالحة في المجتمع , وأعني بها المدن الصناعية الفعلية , وليست تلك المدن الأسطورية , التي رُصدت لها المليارات , وبقيت شاهدة باسمها , غائبة أو مُغيَّبة في حقيقتها وواقعها .
وإلى هنا أقف , وللحديث بقية, أستكملها قريبا بحول الله .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
16 / 2 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي