الجمعة، 8 أكتوبر 2010

أليس لهذا الجمل ربٌّ يحميه ؟ لسليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فلعلكم تذكرون قصة ذلك الوزير الحرامي , الذي سرق شيئاً من المال العام ثم لاذ بالفرار , وزيادة منه وإمعاناً في الجريمةِ واحتقارِكرامات الناس وحقوقهم فقد أجاب عندما سئل عن سرقته قائلاً : " أنا ما أخذت من الجمل إلا أذنه " .
هذا الجمل الذي تعرضت أذنه للسرقة تُرى مالذي بقي من أطرافه , وإذا كان تلك المليارات التي سرقها ذلك اللص يعتقد أنها تشكل الأذن  فياترى ماحجم هذا الجمل ؟ , أم أن أذنه كانت محور الارتكاز فيه على حدِّ قول بعضهم : " الجمل يضلع من أذنه " ؟!!! .
أنني وأنا أتأمل تلك التصريحات المستفزة , وأقرأ بعض الأخبار المؤلمة , أو بعض مافيه مبالغات مما لايمكن تخيله , من مشروعات هنا وهناك تكلفت أو ستكلف مئات المليارات , مع أنها ليست بدعاً من الأمر , ولا تمتلك خاصية الإعجاز , ولاهي من خوارق العادات , بل في العالم مايماثلها , بل ويتفوق عليها , ولم تبلغ معدلات تكلفته ثلث ماتكلفه مشاريعنا المنفوشة .
كلنا سمعنا عن كارثة جدة , وكلنا يعلم أنه تم رصد مليارات الريالات لأعمال الصرف , ومع هذا تبخرت المليارات , وطغى الماء ولم يُصرف لأنه " ممنوع من الصرف للعَلَمية ولِعِلةٍ أخرى ليست في كتب النحاة , ولا في أطواق النجاة , بل هي علة مستحدثة مندرجة تحت قاعدة – من سبق إلى شيء فهو أحق به - , أو قاعدة - هي لك أو ( لأخيكَ الذئب ) - , وعلى هاتين القاعدتين فسيمتنع صرف الماء إلا إلى الأحياء ( ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنة ) " , ولست أدري هل كانت مليارات الصرف الصحي تشكل أُذُن الجمل الثانية , فحينها سيبقى جملنا أجدعاً أو أصلماً !! , وإلى أن تنتهي اللجان المشكلة لمحاسبة المتسبب كائناً من كان فسأتجاوز الحديث عن فاجعة جدة إلى أمل جدة القادم .
قبل أيام أعلن عن مشروع سكة قطار خفيفة بجدة , وقيل إن تكلفة هذه السكة الخفيفة ستكون 21 مليار ريال سعودي أي واحد وعشرون ألف مليون ريال سعودي , وهو مبلغ كبير جداً , وقيل إن هذه السكة ستكون في اثني عشر شارعٍ رئيسيٍ , بمعنى أنها لن تخترق كل شوارع جدة وأزقتها !! , وأنا هنا قبل أن أبدي استغرابي وعجبي من ضخامة التكلفة , أحب أن أقترح بين يدي القائمين على أعمال التنفيذ للمشروعات في جدة أن يعقدوا اجتماعاً موسعاً يضم وزارة الكهرباء والمياه وشركة الاتصالات وغيرهما من الجهات ذات العلاقة في هواية الحفر والدفن والسفلتة أن يحددوا وجهتهم , ويعزموا أمرهم , بحيث يكون التمديد للصرف الصحي والمياه والكهرباء والهاتف وكل ماتحت الكواليس , متزامناً مع أعمال الحفر لقواعد أعمدة سكة القطار الخفيفة ذات الواحد والعشرين ملياراً ليس غير .
واحد وعشرون ألف مليون لشبكة جدة الخفيفة , فكم ستكلف شبكتها الثقيلة ؟ , وفوق ذلك الرقم تكلفت جامعة نورة , وبنحوها كانت تكلفة المدن الصناعية التي لم تقم على سوقها بعدُ , وليس بعيداً عنها كانت تكلفة جامعة الملك عبدالله , فضلاً عمَّا يتم صرفه للوزارات ذات العلاقة من موازنات للمساهمة في تنمية ثقافة " مكانك راوح " , حيث حظيت الصحة والتعليم بما يشبه حصة الأسد , ولازال المريض يتمنى الموت فلايجده , ووزارة التربية والتعليم مشغولة في الرياضة النسائية , ودمج الصفوف الأولية , وأما حقيقة التعليم وماهيته , وصلب الموضوع وعماده فذاك شأن ثانوي , وقضيته ليست عادلة , وإلى ماهنالك من المبررات .
أنا لاأتصور أن تلك المشاريع المشار إليها آنفاً تتطلب هذه النفقات العالية , إلا أن نكون ممن تربى على عقدة النقص , فصار لايرى جمال الشيء إلا بارتفاع ثمنه , أو أن الريال السعودي لم يعد بقيمته السابقة , بل صار ينافس الليرة الإيطالية , أو أننا على رأي من يقول : إذا أكلت بصيل كل بصل , ومعاذ الله أن أتهم أحداً , أو أنسب لأحد ماليس فيه , لكني متأكد أننا لو تعاقدنا مع بعض الشركات الصينية لأنشأت لنا مدينة تشبه مدينة جدة وجعلتها عائمة فوق سطح البحر , ولضمنتها سكة حديدية خفيفة ومتوسطة وثقيلة , ولربما أعادت علينا بعض المبلغ لنتصدق به على لبنان الجريحة , أو ليكون في دعم مشروعات مؤسسة الفكر العربي التنموية التطويرية التثقيفية , أو في الأعمال الجبارة التي يضطلع بها ملتقى عكاظ وسوقه , خاصة تلك الجلسات التشاورية الأدبية التي تضم أساطين الفكر المستنير , والتي تعقد بعد الساعة الثانية عشر ليلاً , وتزاح عنها سواتر التعقيد والانغلاق , تلك التي يحرص عليها الظلاميون الإسلامويون " واللي مايشري يتفرج " .
أخشى ما أخشاه أن يكون الجمل تعرض لعوامل التعرية , أو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة , ولهذا فالوصية لمن أخذ لحمة منه , أن يكثر مَرَقَها عند طبخها , فلعل من فاته اللحم ألاَّ تفوته المرقة , وقديماً قيل : خير الناس أنفعهم للناس .
كم هو محزن أن تكون بين أيدينا هذه الأموال الضخمة , ثم تنصرف هممنا للترهات , أو أن نصرفها فيما لايعود علينا بالنفع , أو أن نُغلِّب في سبيل تحصيلها مصالحنا الشخصية على حساب مصالح الأمة والأجيال القادمة .
ذاك خرج بما أخذ من أذن الجمل , والناس تحتقره وتدعوا عليه , وسيظل عاراً على أمته , وسيبقى مثالاً للخائن الحقير , وكل من سلك مسلكه فهو ليس بمنجاة عن دعوات الناس واحتقارهم , فضلاً عمَّا ينتظره في الآخرة إن لم يتداركه الله تعالى برحمة منه وعفو .
ياترى ماهو شعور ذلك الشاب الذي تراوده نفسه كل يوم مرة أو مرتين بالانتحار , أو بالسطو والسرقة , أو بالاتجار بالمخدرات , في ظل غياب الوازع الديني , وانتشار محفزات الجريمة , وهويمرُّ بأحلك الظروف , ويعاني أقسى صور البطالة والتشرذم , ويصرخ تحت وطأة المتطلبات المهلكة , ويكتوي بنار بعض الثقافات الاجتماعية , أو الروتين المقيت , ثم هو يسمع بمثل هذه الأرقام الفلكية المهولة , ويعلم أنها لمشاريع تقام لأجله وهو آخر من يستفيد منها !! .
أو ماحال ذلك المسكين , الذي يسمع عن موازنة الصحة والتعليم مثلاً , وهو يتردد ليلَ نهار بحثاً عن فرصة تعليمية , أو سرير للعلاج , وفي كل مرة يجاب بعدم توفر أسرَّة طبية , أو بعدم إمكانية قبوله في التعليم , ليبدأ بعدها معاناة البحث عن واسطة , أو مساهمة من فاعل خير .
بل ماشعور ذلك الشيخ العجوز , الذي أمضى مدة حياته في البناء والتأسيس , وكان كلما سمع هيعة , أو دُعي إلى مساهمة لبَّى وأجاب , وكان شعاره " ونزرع ليأكل الأبناء من بعدنا " , حتى إذا رقَّ عظمه , وانحنى عوده , وتقوَّس ظهره , ورغب أن يرى بعض نتاج مساهمته أيام شبابه وفتوته , إذْ به يقابل بالجحود والنكران , وتوصد أمام وجهه الأبواب , وتطفأ شموع الأمل في طريقه .
مالذي سيقوله  آباء أولئك الفتيات في رجال ألمع وقد تلقوا خبر سقوط أجزاء من سقف الفصل على رؤوس بناتهم فكاد أن يشدخها لولا أن الله سلم , وهم في الوقت نفسه يطالعون أخبار احتفال وزارة التربية والتعليم وفروعها بالعيد الوطني !!! , والأكثر إيلاماً حين يخرج أحد مسؤولي الوزارة ليتحدث عن النهضة التطويرية التي حققتها الوزارة في مدة وجيزة , ويبدأ في تعداد إنجازات الوزارة على الصعيدين المحلي والدولي , لتنتهي قضية السقف المتهالك بإدانة السقف نفسه لكونه لم يسقط على رأس أحد .
إذا كنا نسمع شكوى عامة الناس من الصحة والتعليم والعمل , ونشاهد تذمرهم من ارتفاع المعيشة , وغلاء الخدمات الأساسية الاستهلاكية , ونقرأ في قسمات وجوههم , وتملأ آذاننا صرخاتهم من إهمال وزارة التجارة للمستهلكين , وتغافلها عن محاسبة المُهلكين من التجار وغيرهم , ولاتكاد تلج مجلساً إلا وفيه من يتحدث عن إهمال البلديات لواجباتها الأساسية , وانشغال كثير من الأمانات بماليس من صميم عملها , ومالاثمرة منه ألبتة , وكثرة ملاحقاتها للناس في محلاتهم , ورسم المخالفات عليهم , وتقاعسها عمَّا يحتاجه الناس حقيقة , ونسمع حديث الناس المتكرر عن الخروقات الأمنية التي تجاوزت مرحلة العدِّ بالأصابع إلى مرحلة العدِّ بالآلة الحاسبة , وكيف تحولت أحاديثهم عن سرقة المنازل والسيارات من كونها أخباراً , إلى الحديث عن جديد الابتكارات في فن السرقة والسطو , وأصبح كثير منهم يسرد مواقف الجهات الأمنية ويسوقها مساق الضحك والسخرية , خاصة عند سؤالهم : من تتهم ؟ , أو هل لك مطالبات ؟ , أما اعتذار كثير منهم بأنك لست أول من سرقت سيارته فهذه قصة لوحدها .
لماذا لايكون هناك مراجعة لكثير من الأمور , خاصة ما يمكن أن يؤثر مباشرة على صحة الجمل , كأن تكون هناك لجان تنبثق من مجلس الوزراء نفسه , وتشرف مباشرة على المشاريع الحيوية ذات المبالغ التي يسيل لها لعاب التماثيل بَلْه البشر , وتكون هناك لجان أخرى من نفس المجلس للمتابعة , أو أن يتم فتح المظاريف للمناقصات ذات المبالغ الضخمة في مجلس الوزراء أو مجلس الشورى , وتتم عملية الإرساء والمتابعة والعقوبات مباشرة من المجلس , وعبر لجانه المختلفة , حتى تسلم تلك المناقصات من عمليات شراء الذمم , أو سيلان اللعاب .
ثم إننا إذا كنا سنقتصر في إرساء مناقصاتنا على شركات محدودة , وهذه الشركات لن تحقق لنا أي مزية يمكن الاحتفاء بها , كتشغيل الأيدي العاملة من أبناء هذا البلد , بل ستكون عامة عمالتها من بلدان أخرى , فلماذا لانتعاقد مع شركات عالمية أخرى أقل تكلفة , وأكثر دقة , ونشترط عليها إيجاد فرص وظيفية للشباب السعودي , أو على أقل الأحوال أن يتم إلحاق أعداد من شبابنا فيهاكمتدربين , حتى يتقنوا الصنعة من جهة , وحتى يستفيدوا من هذه الوظائف من جهة أخرى .
كما لايفوتني التنبيه إلى أننا بحاجة للقضاء على بعض الإجراءات الروتينية المعقدة , التي لاتحقق هدفاً , ولا تؤدي لمصلحة , ومن أمثلة ذلك ماحدثني به أحد الفضلاء أن إدارة حكومية في شمال المملكة لديها أثاث تنوي عرضه للمزاد , فتشكلت لجنة من الوزارة التي تتبع لها تلك الدائرة , ومن وزارة المالية , ومن جهتين أخريين , وانتدب صاحبنا من الرياض ممثلاً عن وزارته , وانتدب من انتدب لهذه المهمة , فجرى تقويم الأثاث بما يقارب ثلاثة آلاف وخمسمائة ريال , وبعد اعتماد البيع تشكلت لجنة أخرى خرج صاحبنا عضواً فيها بانتداب جديد , وتمَّ بيع الأثاث بثلاثة آلاف ريال , وذلك بعد أن كلف ميزانية الدولة مايعادله خمس مرات في بدلات الانتداب .
أعلم أن هناك أسباب قد تدعو لمثل هذا الإجراء , وأن ذلك قد يحدُّ من تلاعب بعض ضعاف النفوس , وأنهم ربما يضعون أسعاراً متدنية لبعض ماسيتم بيعه بالمزاد , ولكن في ظل هذه الثورة التكنلوجية فيمكن مشاهدة المعروض بدقة , بل يمكن تقييمه من خلال الصور الحية , أوالصور الفوتغرافية الدقيقة .
نعم نحن بحاجة  لأن نعالج تلك الالتهابات المتكررة في مشاريعنا وقراراتنا , وأن نستفيد من تجارب غيرنا , وأن ندرك أننا إن لم نحافظ على ذلك الجمل , فإننا نخشى أن يأتي على الناس عام رمادة فينقمون فيه على من يأكل اللحم , في حين تقرقر بطونهم من الخل والزيت , وبعد هذا وقبله فإني أقول :
أليس لهذا الجمل ربٌّ يحميه ؟ .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق