بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فمن الأشجار مايسمى " دوار الشمس " , وذلك لكون زهرة وثمرة تلك الشجرة تتجه بقرصها نحو الشمس , وتميل معها حيث مالت , ومما يحسن لفت الانتباه له أن بزرها من ألذِّ مايمكن تقديمه كهدية للببغاوات .
ثمت منتسبون زورا إلى المشيخة يشتركون مع هذه الشجرة في خاصية اللف والدوران , وبجامع وجود الببغاء في الحالين , حيث في الأولى يعتبر بزر الشجرة أكلة مفضلة للبغاء , وفي الثانية يتحول الشيخ إلى ببغاء تردد ما يقوله ويريده صاحب الإشعاعات المصلحية , التي يتجه هوى ذلك الشيخ إليها , ويدور معها حيث دارت .
إن هذه العينة من البشر يمكن أن توصف بأنها من أردأ أنواع البشر وأحطهم وأخسهم , ذلك لكونها أُتْرِعت بالأنانية , فهي لاتبالي أن تهلك الأمة شريطة أن تبقى مصالحها الشخصية , أو أن يضل الناس عن الهدى وتصل هي إلى بغيتها , وأردأ هذه العينات البشرية , من تتمصلح بالدين , وتدعي الغيرة عليه , والخوف من أن يفسد بسبب تصرفات بعض أهله , وهي تكذب وتكذب وتكذب , لكنها تريد التلبيس على الناس بزخرف القول , حتى تقنعهم بباطل قولها , وهي إنما تسعى من خلال هذه المراوغة لمصالح شخصية , ومكتسبات فردية , لاشأن للأمة ولا للدين فيها من قريب أو بعيد , بل إن هؤلاء لايختلفون في ممارساتهم العفنة هذه عن أولئك الذين قال الله تعالى فيهم ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألدُّ الخصام ) , وأولئك الذين يعملون السوء ويقسمون أنهم ما أرادوا إلا الحسنى ( وليحلفنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ) , ولا أدل على سقوطهم وفضيحتهم من تناقضهم الواضح , فقد تجد لبعضهم قولين متضادين في مسألة واحدة , بل والأعجب أنه لايرى خطأ رأيه في الحالين , بل يرى أنه مصيب وإن تناقض , وأن من يعارضه يسيء فهم مراده وهكذا .
قد تقرأ لبعض هذه الكائنات البشرية كلاماً عن قضاياً كثيرة مما هي محل جدل ومناقشة , كقضية الاختلاط والمناداة بها , أو قيادة المرأة ونحوها , أو التغريب وخطره , بل والجهات الداعمة له , فتراه يصول في هذه القضايا ويجول , ويُشنِّع على القائلين بما يعارض رأيه , ويصفهم بأبشع الأوصاف , حتى إذا ماطلعت الشمس على خلاف ما كان يقول به , ورأى أن مصلحته لاتتحقق بِتَشَبُّثِه بذلك الرأي الذي قال به , انقلب على عقبيه , وأدار بوصلته إلى حيث مصلحته , وجعل يردد ما تهواه نفوس من يرجو نفعهم , ولو على حساب دينه وأمته , وأصبح يرشق من لازال على مذهبه القديم بنبل التهم , ويقذفه بمنجنيق التحريش , ويكشف للعدو مايراه ثغرات في حصون أصحابه السابقين , وهذا وربي من النفاق والخيانة , ومثل هذا لايمكن أن يكون محلا للثقة , ولا أهلاً لتحمل المسؤولية , وهؤلاء وإن كانوا يتزيَّون بزي أهل الفضل , وينسبون أنفسهم لهم , ويحاولون إقناع الناس بأن الوضع قد تغيَّر , وأن المصلحة العامة تقتضي مسايرة الواقع , ووجوب المراجعة والتصحيح , وأن منهج المنع والممانعة لم يعد مجدياً , وأننا لابد لنا من إيجاد البدائل والوسائل , وغير هذا مما يرددونه لتبرير تناقضهم , وللهروب من تحمل تبعات ماكانوا يقولون به , ويشنعون على من خالفه , إلا أنهم ممن يجب فضحهم , وكشف مراوغتهم , وذلك لأن من واجب العلماء وطلاب العلم , وحملة الإرث النبوي , وأعني بهم عدول الخلف , تنقية هذا الطريق من انتحال المبطلين , وتحريف الغالين , وكيف لايكون من نحن بصدد الحديث عنهم من المبطلين أو الغالين وهم يدفعون الأمة للهاوية , ويزيدون من وهنها , ويصرفونها عن الهدى بحجة أن الزمن قد تجاوزه , وأننا في زمن نحتاج فيه إلى رأي آخر , وباختصار نحتاج فيه إلى التقريب لمن يمنحنا القرب .
لو حدَّثتكم أن التقنية في مجال الاتصالات والحاسب كانت قبل عشرين سنة أكثر تطوراً منها الآن , أكنتم مصدِّقي ؟ .
إن من يصدقني في هذا فهو إما جاهل بواقع الحال , أو يرى أني محل ثقة واطلاع , أو مجنون لايدري شيئاً , أما ماسواهم فسيبقى مكذِّبا لي , أو متهماً يغالبه الشك في أنني أخفي وراء حديثي هذا سِرَّا .
والحقيقة أن من يرى واقع الاتصالات قبل عشرين سنة , حتى وقتنا هذا , خاصة في مجتمعنا السعودي , وما آلت إليه من تطور , انطلاقاً من الهاتف السيار , ومروراً بالبيجر , وما أعقب ذلك من تحولات في واقع الهاتف النقَّال , الذي كان بحجم علبة المناديل , حتى أصبح الرجل يحمل في جيبه أكثر من هاتف , وكأنه محل بيع متنقل , وكيف أن الهاتف النقَّال كان بأسعار مرتفعة , ويحتاج في بعض الأحيان إلى واسطة , حتى أصبحت الشرائح تباع عند المساجد , وفي الشوارع والبقالات , وقل مثل ذلك أو أكثر عن التقنية الحاسوبية , ومراحل تطورها , وكيف كان جهاز الحاسب يشبه الثلاجة في حجمه , حتى آل الأمر إلى أن أصبح بمقدور الإنسان أن يحمل هاتفاً حاسوبيا في آن واحد , وبحجم الكف ولايزيد .
ليس الغرض من حديثي سبر مراحل التطور , وإنما سقت ذلك كمثال للتدليل على أن من يقول بقول يكذِّبه الحس والواقع فإن من يصدقه لايعدو أن يكون جاهلاً , أو أنه لفرط ثقته بصاحبه أجَّرَ عقله له , أو أنه مجنون , أما من يرى التناقض , وتكذيب الحس والواقع لحديث ذلك المتحدث , فإنه لن يخالطه شكٌّ أنه أمام كذاب , أو متلبس بريبة , وهذا لو طبَّقته على واقعنا فإنك لن تخرج إلا بهذه النتيجة الحتمية , وإلا فكيف يصحُّ أن يكون التغريب موجوداً قبل مدة , والاختلاط جريمة , ومن أشدِّه وأخطره مايكون في المراحل التعليمية التأسيسية , ثم يتحول الاختلاط اليوم إلى ممدحة , ويصبح ضرورة , وينمحي أثر الثغريب , ويقال بأن الحديث عنه من الوهم والتخيلات , وأن لمنكر الاختلاط ومقرر التغريب أهدافاً خفيَّة , وميولاً حرورية , وأنه يفتات على السلطات والمرجعيات , ويشق عصا الطاعة , وغير ذلك من التهم التي لاينفك عن تردادها فضيلة الشيخ دوار الشمس , أو دوار المصلحة .
إننا قد نعذر من يكون له رأي في قضية من القضايا , ثم يعدل عنه أو يتسامح فيه , لما يراه من الحاجة والمصلحة , مع بقاء رأيه في أصل المسألة , ويرى أن موقفه المتسامح فيه مزاحمة للشر , أو تقليل له , أو حجز للناس عن الوقوع فيه , وذلك لأن في قاعدة " ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما " , أو قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " مندوحة له , أما من يقول بقول عليه العمل والفتيا , ثم يتغير عنه تماشياً مع نزعاته الشخصية , والتماساً لمراضي الخلق بسخط الخالق , مع أن رأيه الجديد ليس لمزاحمة الشر , ولا التقليل منه , بل هو فتح لأبواب الشر على مصراعيها , وتثبيت لخطوات الشيطان , وهدم لحصون الفضيلة , فهذا لايصح أن يقال عنه إلا أنه مخادع متلون , وإن أقسم بالله أنه لايريد إلا الحسنى , خاصة إذا جاء ذارفاً دموع التماسيح , وأعلن أن دافعه لذلك خشية أن يساء إلى هذا الدين العظيم , أو أن تكون الممانعة لخطوات الفساد سببا في فرضه .
إن المتأمل لحال هؤلاء الكذابين المخادعين على مرِّ العصور والأزمان , يجد أن الله تعالى ابتلاهم بالهوان في الحياة وبعد الممات , وعِلْمُ ماسيلقونه غداً عند الله إذا وقفوا بين يديه , وهم إن كان قصدهم الخير فالله يعلم السرائر وماتخفي الضمائر , وإن قصدوا غيره فليعلموا أن من خادع الله خدعه الله , ومن كذب عليه فضحه وهتك ستره , ومن خانه أمكن منه سبحانه .
بناء على ماسبق , ولأننا أمام أحداث وفتن تموج , ولأن الحيَّ لاتؤمن عليه الفتنة , ولأن الساحة اليوم قد املأت بمثل عينة فضيلة الشيخ دوار المصلحة , ولأن للمنصب والمال والشهرة والجماهيرية بريقاً أخَّاذاً , ولما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه في آخر الزمان يُرى من يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل , ولأنه قد يلتبس على الناس الحال , ويصعب التفريق بين الصادق والكاذب , فكلهم يقسم بالله إنه الناصح , بل بعض هؤلاء المخادعين المتلونين قد يشغل وظائف شرعية , هي محل ثقة الناس واحترامهم , ومع هذا فقد استغلها لخدمة مآربه , والوصول إلى غاياته النيئة , وقد يُظهر من ادِّعاء الغيرة والنصيحة مايجعل الناظر إليه يغفل عن حقيقة ما يواريه من الدجل والمخادعة .
لذلك كله , ولأن من واجبنا النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم , فإن التحذير من هذه النوعية من البشرمن أعظم النصيحة , وجهادهم وفضحهم مما تستقيم به الأحوال وتصلح , وبيان خطرهم , وماينطوي عليه مكرهم من أهمِّ المهمات , وذلك لأن من لم يكن أميناً على شرع الله , وجعله تبعاً لمصالحه ورغباته , رغم أنه لم يعرف إلا بانتسابه إليه , ولم يشتهر إلا بادِّعاء مشيخته , فمن باب أولى ألا يكون أميناً على مصالح الناس وحقوقهم , لأنه لايرى المصالح إلا مختَزَلَة في مصلحته ليس غير .
إنه يجب على الناس بصفة عامة , وعلى الساسة بصفة خاصة , أن يدركوا أن هذه العيِّنة مهما بالغت في تقمُّص دور المصلح الناصح , ومهما حاولت تخوين غيرها ووصفه بالمراغمة , أو اتهمته بشق العصا , أو بالغت في التحريش فجعلته حرورياً أوخارجياً , فهي لاتختلف في واقعها وحقيقتها عمَّن امتهن رفع الدعاوى الكيدية , أو كتابة التقارير المزيفة , أو من يتستر على المجرمين والمفسدين , أو يعطي معلومات مضللة لصرف الأنظار وتشتيت الجهود عن الإيقاع بالمخربين , وذلك لأنه انشغل بالشغب على من هو أنصح منه وأصدق , وتمالأ مع المفسد , وأراد إيهام الناس والساسة بحكم صبغته وقالبه الشرعي أن المحتسبين والناصحين مفسدون متعجلون , وأن رأي من يُرجِّي مصلحته هو الأحكم والأصوب والأقرب إلى مدلولات الشارع ومراده , حتى وإن كان في قرارة نفسه يقول ببطلانه , ويعلم مما علَّمه الله أنه مصادم للنص , وأنه باب من أبواب الفتنة , وكان قبل أن تنحرف بوصلة مصالحته يقول بغيره , ويشنِّع على مخالفه .
إنه إن كان من سئل عن علم فكتمه أُلْجِم بلجام من نارِ يوم القيامة , فما ظنك بمن انبرى قبل أن يُسأل ليقول على الله بغير علم , أو يقول في شريعة الله بخلاف ما تبرأ به الذمة ! , كما إنه إذا كان الساكت عن الحق شيطاناً أخرساً , فإن الناطق بالباطل شيطان ناطق , وماذاك إلا لأن الساكت مضِلٌّ , والناطق بالباطل مضلل , وشريعة الله لايفسدها إلا الضالون المضلون , ولكي يسلم المسلم من ضلال الضالين والمضلين , ولكي يبحر في سفينة ترسو به على شاطىء آمنٍ بحول الله , فعليه أن يلزم غرز المحققين من أهل العلم , وألا يستقي من البِرك وبين يديه النهر الزلال الجاري , وإن غرَّه قول لمصلحيِّ متعالم فليعرضه قبل أن يعمل به على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فإن أمكنه معرفة الحق , وإلا فليعرضه على عالم راسخ , ممن يستشعر أمانة التوقيع عن الله , وسيجد من التباين مايجعله يدرك بجلاء أن ذلك المصلحي ممن يفتري على الله الكذب , أو هو في أحسن أحواله ممن يسارع في ترقيق الدين خشية أن يُعيَّر بثباته عليه إن أصبح ما يُنادى به من السوء أمراً واقعاً , أو واقعاً مفروضاً .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك
14 / 11 / 1431هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق