السبت، 25 ديسمبر 2010

الأعمال الكاملة لشيخ الزَّيتونة والأزهر لأحمد العساف


  الأعمال الكاملة لشيخ الزَّيتونة والأزهر 

أعياني البحث قبل بضعة عشر عاماً عن كتاب (رسائل الإصلاح) للإمام التُّونسي الكبير محمد الخضر حسين-رحمه الله-؛ بعد قراءة كلمات منها في كتب العلاّمة الشَّيخ بكر أبو زيد آل غيهب-رحمه الله-، إلى أن دعاني شقيقي الأكبر عبد العزيز -رعاه الله-إلى مأدبة عشاء عام 1418 على شرف النَّاشر المصري الشَّيخ حسن عاشور-رحمه الله-، وجرى الحديث بيني وبين فضيلة النَّاشر المجاهد عن  هذا الكتاب النَّفيس، فأخبرني أنَّ دار الاعتصام التي يملكها ويديرها قد طبعته؛ ووعدني بنسخة منه. وبعد عودته لمصر بعث لي الكتاب ومعه محاضرة مطبوعة للمؤلف بعنوان الحرية في الإسلام، وتكاد أن تكون أهم محاضراته، حيث ألقاها عام 1324 وبلاده ترزح تحت الاحتلال الفرنسي البغيض! فاللهم اغفر لأموات هذه المقدِّمة وارفع درجاتهم، واحفظ الأحياء واستعملهم في طاعتك.
وقبل أربع سنوات-أي في المحرَّم من عام 1428- كتبت مقالة بعنوان (أبناء الأكابر والمسؤولية)، وتقوم فكرتها على ضرورة اعتناء أبناء أكابر الأمَّة وطلابِّهم بتراث هؤلاء العظماء حتى لا يضيع؛ وتستمر منفعته للأجيال المتعطِّشة للصدق والإخلاص، وما أوضحهما في الأموات خلافاً للأحياء الذين لا تؤمن عليهم الفتنة، وورد في تلك المقالة نصَّاً:" وقد هيأ الله لمؤلفات العلامة محمد الخضر حسين- الذي مات بلا عقب- المحامي الأديب علي الرضا الحسيني فنشر جلها"، وهاهو المحامي الأديب البارُّ بعمِّه وأمته يعود لجمع أعمال الإمام في موسوعة واحدة.  
والشَّيخ الخضر عَلَم من أعلام الدَّعوة والإصلاح، وقد اشتغل بالتَّعليم والجهاد، وتكوين الجمعيات المدنيّة، وإصدار المجلات العلميّة والدَّعوية ورئاسة تحريرها، وتحمَّل مشقَّة الكتابة نثراً وشعراً للعرض أو الرَّد؛ وللنَّقد أو النَّقض، وله عناية فائقة باللغة العربية وعلومها ممَّا أهلَّه لعضوية المجامع العلميّة واللغويّة في القاهرة ودمشق، وهو صاحب أسفار ورحلات مدَّونة، وقد ألقى عدداً من المحاضرات والخطب وعمل قاضياً فترة وجيزة؛ وهذا من بركة العمر حين يصرف في معالي الأمور.
ولما وقع الاختيار على الإمام شيخاً للجامع الأزهر في الثَّاني من شهر الله المحرَّم عام 1372 جعل كتاب استقالته من مشيخة الأزهر في جيبه ليقدِّمه إن شعر بضعف في موقفه! ولم يبق في المشيخة إلاّ ستة عشر شهراً ثمَّ استقال منها بعد أن أحسن خلالها البلاء؛ وله إذ ذاك مواقف خالدة يحنُّ الأزهر وجوامع المسلمين الكبرى إلى مثيلاتها.
وصدرت هذه الموسوعة من دار النَّوادر بطباعة جميلة على ورق نباتي، وتقع في خمسة عشر مجلَّداً من القطع الكبير، وعدد صفحاتها(7698) صفحة، ولكلِّ جزء ترقيم خاصٌّ به؛ وآخر متسلسل مع ما قبله، ولكلِّ كتاب مستقل ضمن المجلَّد الواحد فهرس بمحتوياته؛ ثمَّ فهرس مرتبط بالموسوعة كاملة، وليت أنَّ جامعها كتب على واجهة المجلَّدات ما تحتويه من تراث الإمام حتى يعين القارئ على بلوغ مراده.
وحفل المجلَّد الأخير بالشَّهادات والوثائق والملتقيات الخاصَّة عن الإمام الخضر إضافة إلى صوره الفردية والثُّنَّائية والجماعية مع أعلام العصر حينذاك، بينما احتوى المجلَّد الأول على نبذة عن الشَّيخ وتعريف بالجامع الفاضل ثمَّ ابتدأ عرض تراث صاحب الموسوعة بأسرار التَّنزيل وتفسير بعض آيات الذِّكر الحكيم، ثمَّ سرد مؤلفات الإمام فكانت السِّيرة النَّبويّة في المجلَّد الثَّالث، ونقض كتاب (في الشِّعر الجاهلي) في المجلد الثَّامن، وفي المجلَّد التَّاسع نقض علمي لكتاب (الإسلام وأصول الحكم).
وتقع رسائل الإصلاح في المجلَّد الخامس من الموسوعة، وإلى جوارها كتاب الدَّعوة إلى الإصلاح، وهذه المقالات من أجلِّ ما سطَّره يراع هذا العالم الكاتب، وكانت مقالاته هذه مائدة عذبة للمؤلِّفين والكتَّاب ينهلون منها ويستفيدون، وأيضاً للخطباء الكبار الذين يعتنون بخطبهم ومستمعيهم، وقد سمعت اقتباساً من كلام الشَّيخ الخضر في بعض خطب الحرم، وهذا من فضل الله على هذا الإمام الذي رحل من دنيا النَّاس بلا عقب ولا ولد؛ بيد أنَّه ترك علماً متينا، وكلاماً رصينا، وأفعالاً سامية آتت أكلها وأينعت ثمارها.
ومن الموافقات أنَّ والدة الشَّيخ كانت تدعو له شعراً بالذَّهاب إلى الأزهر وهو ابن سنة واحدة؛ وقد أجاب الله دعاءها وصار وليدها شيخاً للجامع الأزهر، وكانت هذه الأم-رحمها الله- مباركة إذ تلَّقى عنها ابنها كتاب الكفراوي في النَّحو، وكتاب السفطي في الفقه المالكي؛ فأين منها نساء اليوم؟! وقد احتفت تونس بعالم الزَّيتونة وشيخ الجامع الأزهر وأقامت ملتقيات عنه ولست أدري لو أنَّ الشَّيخ المناضل كان حيَّاً هذه الأيَّام هل ستحفل به تونس؟ أم يكون مصيره تهماً جاهزة بالإرهاب والتَّشدد؟ وإنَّ سيرة هذا العلم لتنادينا أن استحيوا الجوامع الكبرى واستعيدوا لها الحياة والمجد العلمي الباذخ، فأين جوامع الزَّيتونة والقرويين ودخنة والأزهر والأموي وصنعاء الكبير؟  
وفي الإنتاج العلمي الغزير للخضر حسين رسالة صريحة لعلمائنا وأدبائنا ومثقفينا وكتَّابنا الذين يعنيهم شأن دينهم وديارهم والأجيال المعاصرة واللاحقة؛ وملخص هذه الرِّسالة أن ابذلوا الجهد واستفرغوا الوسع في نفع الأمَّة على كلِّ صعيد؛ وكلٌّ ميَّسر لما خلق له، ومن النَّفع المنشود أن يحفظ الإنسان أعماله الفكريّة ويعهد بها إلى مَنْ يبقيها مشعل هداية كما فعل المحامي الأديب علي الرِّضا وهو يدخل في عقده التَّاسع؛ أمدَّه الله بالصِّحة والعافية السَّابغة والحياة الهنيئة، وجعل الله منازل العالم العامل محمَّد الخضر حسين في عليين مع الكرام البررة الأتقياء.
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
الأربعاء 18 من شهرِ ذي الحجة الحرام عام 1431
ahmadalassaf@gmail.com

إسلام مايطلبه المستمعون والداعمون .. لسليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فمما حفظته عن الشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله أنه كان يذكر عن ناسٍ من أهل زمانه , ممن ينتسبون للعلم في بعض البلدان المجاورة , وأنهم كانوا يقولون , أو يقال في حقِّهم : " إدفع فرخة وخذ فتوى " , وكان الشيخ رحمه الله يذكر ذلك على سبيل التشنيع , والحقُّ أنه شنيع , وذلك لأن مقام العلم أعظم من أن يُبتَذل إلى هذا الحدِّ الدنيء , وإذا كان الله فضَّل بالعلم الكلب المعلَّم على غيره من الحيوانات , فكيف بغيره ممن فضْلُه عليه ظاهر متقرر , بل كيف بمن علَّمه الله أشرف العلوم وأفضلها , مما أشار إليه ابن أبي العزِّ الحنفي رحمه الله بقوله في مقدمة شرحه للطحاوية : ( فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ ، إِذْ شَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ . وَهُوَ الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِقْهِ الْفُرُوعِ ، وَلِهَذَا سَمَّى الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رحمه الله تعالى - مَا قَالَهُ وَجَمَعَهُ فِي أَوْرَاقٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَحَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ حَاجَةٍ ، وَضَرُورَتُهُمْ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ , لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ ، وَلَا نَعِيمَ وَلَا طُمَأْنِينَةَ ، إِلَّا بِأَنْ تَعْرِفَ رَبَّهَا وَمَعْبُودَهَا وَفَاطِرَهَا ، بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَيَكُون مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِمَّا سِوَاهُ ، وَيَكُون سَعْيُهَا فِيمَا يُقَرِّبُهَا إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ . ) , مما لو دوَّنَّا في ذكر مناقبه ومآثره , وفضل تعلُّمه وتحصيله المجلدات الضخمة , ذوات الحجم والعدد , لما أتينا على بعضها , فكيف يمكننا أن نأتي عليها جميعها بمقالة عابرة , أو أسطر متناثرة , ولكن يكفينا أن نعلم أن هذا العلم نور , وأن ( من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) , وأن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ( أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة و فضل في علم خير من فضل في عبادة و ملاك الدين الورع ) , وأنه ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) , وأن الله تعالى يرفع أهل هذا العلم ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) , وذلك لما يقع منهم من خشيته سبحانه وتعظيمه , كما في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) , وقوله سبحانه : (  إنَّما يخشى الله من عباده العلماء ) , وكلما زادت معرفة العبد بربه , زاد قربه منه , وتعظيمه له وخشيته , ومهما لاحت له الدنيا , أو لمع بين عينيه بريقها , أو ناداه منادي الفتنة , فإنه يتذكر أن بينه وبين الله عهد وميثاق , قال الله عنه : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) , فحينها يطَّرح الحطام الفاني , ويقبل بلهف على موعود الله الذي لايتخلف ولا يزول ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ  ) إلا من كانت نفسه ضعيفة , وكانت رغبته مشوبة بشائبة دنيوية , أو كانت نظرته دونية , وكان جمعه لهذا العلم لأسباب غير شرعية , أو تحوَّلت نيَّته بعد أن كانت صافية إلى ما يُكَدِّرها , فإن هؤلاء يُحرمون الخشية والقرب , ويُوكلون إلى ما اشتهته أنفسهم من أمر الدنيا , ويبقون ما بقوا على حالهم وقد جمعوا بين مقت الله لهم في الدنيا , والتهديد بوعيد الآخرة , لأنه ( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ) , وهؤلاء سرعان ما ينقلبون على الحق , ويتنكَّبون الجادة , وينقضون العهد , ويشترون به وبكتاب الله ثمناً قليلاً , وهم من قال الله تعالى فيهم : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) , وقال فيهم سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ), وقال أيضاً : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) , وهم مهما علت منزلتهم في أعين الرعاع , ومهما كانت سمعتهم في الأصقاع , ومهما بلغ من أمرهم مابلغ , فهم عند من يعلم السر وأخفى بأحط المنازل , وأخس المواقع , وإن شئت فاقرأ قوله جل في علاه : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) , وقوله سبحانه : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .
كنت أعجب مِن حال مَن ذكرهم الشيخ عبدالرحمن رحمه الله , وأقول في نفسي : كيف يزهد هؤلاء بهذا الإرث النبوي , ويخونوا الميثاق الرباني , وكنت أُعْظِم هذا وأُكْبِرُه , وأقول لعله لايصل بنا الحال إلى هذا السوء , فقد كنت أتصوَّر أن يحجم العالم عن قول الحق طمعاً في لعاعة , أو رغبة في جاه , ولأن أكثر ما سيقال عنه أنه ساكت , وقد قيل : لايُنسَب لساكت قول , وإن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس , إلا أن هذا الشيطان أضحى رحمة عند شياطين تحركت رحى الزمن , ودارت دورة الأيام , وحقَّت السنن , فخرجوا علينا ينطقون بالزور , ويلبسون الحق بالباطل , ويَضِلون ويُضلون , ويضربون المحكم بالمتشابه , ويُنقِّبون عن شذوذات الآراء والمذاهب , فيجعلونها عمدة الأقوال , ومسلك المحققين , ويُفتون للناس بما تهواه نفوسهم , ويرون إليه ميل قلوبهم , وبما يضمن للمفتين الجماهيرية , وكثرة الأتباع , حتى انقلب هؤلاء المفتون على ماكانوا يعلمونه , وصاروا يفتون بغير ما حفظه الناس عنهم في سالف عهدهم , وكأنه قد نزل عليهم وحي من السماء ينسخ ماكانوا يرونه الحق الذي لامرية فيه , وماهي والله إلا الفتنة أعاذنا الله منها , وزيغ القلوب كفانا الله شرَّه , ولأن الشيطان هو من يقف وراء تلك الانجرافات والتقلبات , فقد كان من مكره أن لبَّس على بعضهم بأن مايفعله من باب دعوة الناس للخير , وترغيب الناس بأمر الشريعة , ومزاحمة سبل الفساد , ويُسر الدين , والتيسير على الناس , والبعد عن الجمود , وحتى لا يُتهم ديننا أو يُنفَر منه , ولاختلاف الزمان والمكان , وللتناسب بين الدين ومتطلبات العصر والمرحلة , وغير ذلك مما يتكرر سماعه وترداده .
إنه لولا خشية أن ينشغل القارىء بغير ما أرمي إليه في مقالي , أو أن يستغله بعض أتباع هؤلاء المتكسِّبين بالدين ليحولوه إلى نزاع شخصي , لسُقْت بالأسماء وقائع لبعض هؤلاء الزائغين عياذا بالله , وكيف أنهم رضوا بأن يبيعوا دينهم بِعَرَضٍ من الدنيا قليل , ليس أولهم ذلك الذي استكتبته صحيفة محلية , وحين جاء وفد السوء فيها ليفاوضه , وقد كان يطمع أن يُعطوه ثلاثة آلاف ريال , فلما أخبروه أنهم سيمنحونه تسعة آلاف ريال , وبدل سكن وسيارة , كاد أن يُغمى عليه من الدهشة الممزوجة بالفرح , وقد ذكر تلك القصة بنفسه لمن جاء مناصحاً له من أصحابه السابقين , فلما أن قال له صاحبه : أتبيع دينك لأجل الدنيا ؟ , قال : لست أول من فعل ذلك , وانظر إلى فلانٍ وفلانٍ , وسمى أشخاصاً بالاسم .
كما لن يكون آخرهم ذلك الذي قبض مقابل بعض شذوذاته ملايين معدودة وهبها له أحد رموز الشر , الذين نذروا أنفسهم لدعم مراحيض الفساد , ومعاطن المنكر , ممن ابتغوا الفتنة , وقلَّبوا الأمور , فصار هذا الشاذ عبداً له , لايلوي على شيء يريده سيده المفسد , ونزع لأجل المال وفتنته جلباب الحياء , وخلع رداء الخشية , وصار الله في عينه أهون الناظرين إليه , واشرأبَّ عنقه لذلك البرمكي السافل , فانقطع رجاؤه إليه , وتعلَّق أمله به .
ولا ذلك الذي يعجب العجب من أعاجيبه , فتارة يقرر المسألة , حتى يكاد يُخرج من الإسلام من يقول بغيرها , بل يخال لك أنه لو امتُحن فيها كما امتُحِن الإمام أحمد رحمه الله لما كان له أن يقول بغير ما قال , ثم تراه بعد أن ذاق عُسيلة المال , ورأى أنه قد يكون قاب قوسين من الجاه أو المنصب , انقلب يؤصل لضد ماكان يقول به , وبحماسة أقوى من حماسته السابقة , وصار يصول ويجول في تقرير المنكر , والتقعيد للفتنة , ومحاولة تسويقها بما يزعم أنه أسلوب علمي , ومناقشات رصينة , وماذاك إلا ليحفظ ماء وجهه في حالتيه المتناقضتين , ونسي أنه أراقه لغير الله , وأنه مهما حاول واحتال , وبرز هنا أو خرج هناك , ومهما استضافته الصحف والقنوات , ومهما صدَّروه وأبرزوه , فلن يصنع شيئاً , والله لايصلح عمل المفسدين , وهذا وأضرابه أول من يُفسح لهم في مزابل التأريخ , وتلعنهم الأجيال في الدنيا قبل الآخرة .
ولا ذلك الذي لا أجد شبيهاً له إلا وضَّاع الأحاديث , الذي كان إذا قيل له : لماذا تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ , قال : أنا أكذب له ولا أكذب عليه , إنه ذلك الشيخ الذي كان بزعمه يلعن الظلام , فتنبَّه إلى أنه يسير في الاتجاه غير الصحيح , فقال : بدلاً من أن ألعن الظلام فعليَّ أن أوقد شمعة , هكذا زعم , وعلى احتمال حسن الظن فيه , وأنه قصد مزاحمة الشر بشمعته , فمن المنطق أن يكون وقود تلك الشمعة التي أوقدها من ذات الطاقة التي كانت تحرِّكه , ولأجلها قام , وبسببها كسب محبة كثير من الناس وثقتهم , أما أن يكون وقودها من طاقة ذلك الظلام , أو من طاقة مغايرة للطاقة التي كانت تُحرِّكه , فهذا مما يعني أنه يرفع شعاراً لاحقيقة له , وأنه يساهم في اتساع رقعة الظلام , بل ويمنح ذلك الظلام ثقة وقابلية , وأن شمعته التي أوقدها ليست إلا شمعة لفتنة الناس وصدِّهم إنْ بقصد منه أو بغير قصد .
إن الشمعة التي يحسن إيقادها لتقليص دائرة الظلمة , هي الشمعة التي تعيد الناس إلى المنهج القويم , وتربطهم بكتاب ربهم , وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم , وتجعلهم أعزة بهذا الدين , وليست تلك الشمعة التي تبيح لهم كثيراً مما استقرَّ في أنفسهم حرمته ونكارته , وتوسِّع عليهم دائرة المباحات لينفذوا منها إلى المحرمات , ولا تلك التي تحكي الخلاف لتضع السامع أمام خيارات لاحرج عليه بفعل أحدها , ولا بتلك التي ترى الشرَّ المحدق ببعض المشاريع , وترى التغريب يفوح منها , ثم يكون الموقف منها بارداً , بل يتعدى إلى أبعد من ذلك بأن يقال : لننظر إلى النصف الممتلىء من الكأس , بينما لو كان الحديث عن عمل تطوعي احتسابي , قامت به فئة من الأخيار الأخيار , أو عن بعض أخطاء المحتسبين والمتدينين , لكان النظر إلى النصف الفارغ من الكأس , ويجب ألا نخاف من النقد .
إن الشمعة التي تزاحم الظلام هي التي يقال فيها الحق واضحاً لالبس فيه , وينكر فيها المنكر دون تردد , وليست تلك التي تُميَّع فيها قضايا الدين , ويُمزج فيها مع كثير الشر قليل من الخير , فلا هو بالذي نقَّاه وصفَّاه , ولاهو بالذي تميَّز عنه ليعرفه الناس , أو تلك الشمعة التي يفرح فيها أعداء هذا الدين , ويمتدحونها , ويرون فيها غاية المراد لترقيق الحق في قلوب الخلق , وذلك لأنها لم تسلب الأعداء مكتسباتهم , ولم تزد في رصيد خصومهم شيئاً , بل كان ريعها ومكسبها لحامل تلك الشمعة وحده .
إنها الشمعة التي تزيد الأتباع رسوخاً وثباتاً , لاتلك التي تُخضِع الحكم العام للاستثناءات , فلأجل حالة فردية تقع في النمسا أو السويد , يُمنح الأتباع حكماً عاماً مستنداً إلى خلاف فقهي قديم , يتلقفه المتابعون بالقبول , فيتحول الاستثناء إلى عامٍّ , فبدل أن يكون السائل عنه واحداً , أضحى الفاعل له بمئات الآلاف , وهذا مما يرقق الدين في نفوس الناس , ويدفعهم للوقوع في الحمى والرتوع فيه .
إنها الشمعة التي لاتبالغ في نقد منهج الممانعة , ولا تنساق لاهثة خلف البدائل , لأن أعداء الملة لاينفكون يكيدون لهذا الدين بكل وسيلة , وإذا كنا سننظر إلى كل وسيلة يستحدثونها , ثم نبحث عن بديل لتقليل خطرها , فإننا سنجد أنفسنا بعد حين , وقد أوشكنا أووقعنا في المحرمات من حيث نشعر أولانشعر , ومن تأمل واقع النشيد الإسلامي , والتمثيل الإسلامي , وغيرها مما هو في معناها , وما آل إليه أمرها , أدرك أن اللهث وراء البدائل ليس محموداً على إطلاقه , بل يجب أن تكون البدائل مضبوطة بضابط الشريعة , فإن تجاوزتها , أو توسَّع أصحابها في أمرها , فيجب حين إذن أن نحجز الناس عن المنكر , فإن قيل : فماالبديل ؟, فيقال : أنت عبدلله , تفعل ما يأمرك به , وتجتنب مانهاك عنه , فإن وجدت في دين الله مباحاً يحجزك عن فعل المحرم فذاك , وإن لم تجد , أو كان مما لاتميل إليه نفسك , فتذكر أنك عبدٌ , وأن عليك طاعة سيِّدك , ولزوم أمره , أما أن ينشغل العالم أو المفكر بالبحث عن بدائل ليلهي الناس بها , زعماً منه أن ذلك سيصرفهم عن اللهو المحرم , حتى إذا تكشفت الحقائق , وانجلى غبار المعركة , وإذْ بهذه البدائل قد اشتملت على محرمات من جنس ما كان يلهو به الناس , فأصبح هذا وأضرابه كحال القائل :
كأننا والماء من حولنا   ***   قوم جلوس حولهم ماء
ومن شاهد واقع بعض المسلسلات البديلة , وما اشتملت عليه من محرمات , وكيف استغل أرباب تلك القنوات أسماء بعض المفكرين والمشايخ , للترويج لهذا العمل , وجد أن البدائل تحتاج إلى ضبط , وأنه لايكفي فيها حسن القصد , كما لايكفي فيها إحسان الظن , بل ويجب معها الفطنة , وقطع الطريق على مريدي السوء , مع مراعاة أنه لايُعفى أحد من المسؤولية بحجة أنه دوره كان مقتصراً على المراجعة للمادة , وذلك لأنه يعلم أن هذه المادة سيتمل تمثيلها بكل أدوارها , وأن أدوارها تشتمل على بعض مايجب تحديد طريقة عرضه , أو السؤال عن كيفية عرضه قبل إجازته , فإن كانت الطريقة مشتملة على محرم أحجم , وإلا فهو شريك في الإثم .
إنها الشمعة التي تَخضع لأحكام الشريعة , ولاتحاول إخضاع أحكام الشريعة لما تميل إليه النفوس , ويطلبه المستمعون والمشاهدون , ومن أمثلة ذلك , ما يقع عند تقرير بعض المسائل من الاستشهاد بما كان يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , مما يدعم ما قرره من رأي في المسألة , وإذا ذُكِّر باختلاف الحال , وتغير الزمان , قال : هن نحن أزكى وأطهر وأغير من مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم , بينما لو قابلته بما يخالف قوله في مسألة أخرى , وذكرت له ما عليه واقع المجتمع النبوي , لرأيت منه حيصة ونفوراً , وصار يذكر لك من اختلاف الناس , وتغير الزمان , ويُسر الإسلام , وخلاف الفقهاء , ما يجعلك تؤمن أن احتجاجه بواقع العهد النبوي ليس إلا لنصرة رأيه , وأن التأسي لم يكن مقصوداً .
ولولا خشية الإطالة لكتبت في صور هؤلاء ما يدمي الفؤاد , ويسيل بدل الدمع دماً , وذلك لما آلت إليه أمور أناسٍ أحسن الناس فيهم الظن , وأمنوهم على دينهم , وهو أغلى مايملكه العباد , فصاروا يبيعون أديان الناس بعرض من الدنيا قليل , وصاروا يفتنونهم بالشبهات , ويوسعون عليهم دائرة الخلافات , وينقلون لهم الشذوذات , حتى لاتنفضَّ الناس عنهم , فيفقدوا بذلك الجماهيرية , أو يخسروا أعلى نسبة للمشاهدة , فتزهد فيهم القنوات المستضيفة , أو يوصفوا بالتشدد والانغلاق , من قبل جنود الشيطان في الإعلام , أو لأجل ألاَّ يربط الناس بين واقعهم المناقض للحق , الذي علمته نفوسهم , واستيقنته قلوبهم , ولكن زاغت عن النطق به ألسنتهم , مما يفضحه ما أثِرَ عنهم ولازال محفوظاً , فخضراء الدمن , وقنوات العهر mbc , كانت شرَّا , وازدادت شرَّا , فمالذي جعل الرأي تجاهها مختلفاً وهي تمعن في الشر وتزداد ؟ .
إنه لا يخفى على متابع اليوم , أننا في زمن غربة , وأن زمننا هذا يشبه الزمن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) , بل إنك حين تقرأ ما رواه البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه حين شكوا إليه ما يلقون من الحجاج فقال لهم : ( اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ) ثم تقرأ ما رواه الترمذي رحمه الله عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : ( هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ) فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن ؟ , فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا , فقال : ثكلتك أمك يا زياد , إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة , هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم ؟ , قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت قلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء ؟ , فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء , قال : صدق أبو الدرداء , إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس , الخشوع , يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا ) , فإنه يتبادرإلى الذهن سؤال عاصف : إذا كان هذا خوف سلف الأمة من أن ينتزع العلم في زمانهم فماذا يمكننا أن نقول عن زماننا ؟ .
إنك وأنت تسمع من يحوِّل المسائل الاعتقادية إلى مسائل يتسع فيها الخلاف , أو يبيح فعل بعض الموبقات لمصلحة الدعوة , أو يدفع الناس للفتنة في أفكارهم وأخلاقهم تحت ذريعة تحصيل العلم , أو يحثهم على خوض نوادي المنكر بحجة مزاحمة الشر , دون أن يشترط لذلك شروطاً تحصينية , أو يُكلف نفسه المطالبة بتصحيح تلك النوادي , أو يتساهل في أمور يعلم أن سؤال الناس عنها ليس إلا من قبيل " حط بينك وبين النار مطوع " , ثم يرضى لكي لاتنصرف وجوه الناس عنه , أن يكون ذالك المطوع الذي يتقون به النار , أو إذا سئل عن مسألةٍ مَّا أجاب بإجابات عائمة , لايؤخذ منها حكم شرعي يمكن أن ينسب إليه , ولكنها في الوقت نفسه تكسر حاجز الهيبة لدى المستفتي , وربما تجرَّأ  على فعل ما أحجم عنه حتى يرى حكم الشرع , أوجعل من نفسه حجيجاً عن أهل الباطل , مدافعاً عن باطلهم , فاتَّا في عضد أهل الغيرة , متهما لهم بالتسرع والعجلة , وإن أظهر على استحياءٍ مدحه لغيرتهم وحماستهم , لكي ينقلب عليها عقيب ذلك بأنها غير منضبطة , أو من يعمد إلى كلام أهل العلم المؤصل بالدليل القاطع , والبرهان الساطع , فيشاغبه بالقوانين والمواثيق الطاغوتية , أو يحاكمه للواقع الجائر , أو يتخذ منه سلَّما للتحريش والاستعداء , أو يضربه برأي غيرهم ممن لم يَبْنِه على دليل صحيح , وإنما ارتكز فيه على تخرصات وتخوفات , لاتستند إلى نظر صحيح , ولا إلى رؤية ثاقبة , أو من يحاكم دين الله إلى واقع الشعوب , كالذي يقول : إن كل المجتمعات تفعل هذا فهل هم على ضلال ونحن الذين على الحق ؟ ,  وهذا لو قلت له : إن كل المجتمعات لاتُحكم بشريعة الله بل بالقوانين الوضعية ونحن وحدنا الذين نتحاكم إلى الشريعة فهل نحن على ضلال ؟ , لأجابك بما ينفي أنك على ضلال , لكنه لايرضى بأن تكون شبهته زائفة لأنه أراد من خلالها طمس الحق , أو غير هؤلاء ممن ابتليت بهم الأمة أعظم بلية , فصار الأمركما في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان ) ,  ممن يتخوَّضون في كتاب الله وشريعته بالآراء , ويعدلون عن المحكم للمتشابه , ممن قال الله فيهم : (  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) .
أقول إن من يسمع لهؤلاء , وعن واقعهم , ليدرك أننا في عصر يمكن أن يقال عنه بأنه عصر " إسلام ما يطلبه المستمعون والمشاهدون والداعمون " , وذلك لأنه لن يعدم من يبحث عن الرخصة , من صغير أو كبير , أو أمير أو وزير , أو وجيه أو نافذ , أو ذكر أو أنثى , من يستخرج له من بطون الكتب , وخفيِّ الآراء , ما يوافق نهمته , ويبيح رغبته , وذلك على قاعدة الضُلاَّل " لا إنكار في مسائل الخلاف " , التي لو صحَّت , وجاز العمل بها , لانطمست معالم الشريعة , وهدمت قواعد الدين .
وختاماً : فإني أعوذ بالله من الفتنة , وأسأل الله تعالى إذا أراد بعباده فتنة أن يقبضني إليه غير مفتون , ولم أرد بطرحي هذا النيل من أحد بعينه , وإنما لتكاثر ما نسمعه من ترقيق الدين , من قبل بعض المنتسبين إليه , وجريانهم خلف الجماهيرية , وتسابقهم في فتح أبواب التساهل على الناس بحجة الخلاف , مما أفسح المجال لجنود الشيطان في الإعلام , ومنحهم العذر والذريعة لإخضاع أحكام الشريعة للمناقشة والمحاكمة  , بل بالغ بعضهم حتى وصل إلى درجة السخرية والاستهزاء , وكثير منهم حين تعترض عليه مستنكرا فعله , يبادرك الاستشهاد بأن هذا رأي فلان وفلان , ممن فتحوا له المجال من حيث شعروا أولم يشعروا للطعن في الشريعة , والجرأة على مقامها .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
19 / 1 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي تحت هذا الرابط :

الخميس، 23 ديسمبر 2010

الغذَّامي وإحراق الليبرالية السُّعودية,, لأحمد العساف



بعد عام من نشر مقالة للدُّكتور عبدالله الغذَّامي بعنوان "الليبرالية الموشومة"، وبعد محاولات استمَّرّت سنة كاملة من قبل الأكاديمي والإعلامي د.عبد العزيز الزَّهراني، وبعد عدَّة مفاجآت فكريّة من المفكر السُّعودي الحداثي د.الغذَّامي، شهدت جامعة الملك سعود محاضرة قيِّمة للغذَّامي عن الليبرالية الموشومة مع مداخلات مختلفة لمدة ساعتين بإدارة الشَّهم النَّبيل د.الزَّهراني. والمحاضرة محفوظة على موقع جامعة الملك سعود، وفي اليوتيوب، وقد شرَّقت وغرَّبت عبر الشَّبكة الإليكترونيّة، ولا عجب من ذلك فقد سئم النَّاس أو أكثرهم من اعتداءات أدعياء الليبرالية على ثوابت بلادنا، واحتكارهم شؤون الإعلام والثَّقافة في مجتمعنا المسلم.
 ومهما يكن من تحفُّظات على بعض آراء المفكِّر والكاتب والنَّاقد د.عبدالله الغذَّامي، إلاّ أنَّ موقفه العلمي من التَّيار الليبرالي المحلي موضع إشادة وتقدير، فالرَّجل لم يتزلَّف لهذا التَّيار المسيطر على كثير من منافذ القوة في البلد، ولم يسكت عنهم نكاية بخصومه من الإسلاميين، وقال ما يعتقده فيهم بصراحة ووضوح مع استعداده المعلن للرُّجوع عن رأيه إذا استبان له خلافه بمنهجيّة علميّة. ومع شكرنا للغذَّامي على هذه الجرأة العلميّة المحمودة فإنَّنا نتساءل عن أسباب غياب كثير من المفكِّرين الذين يحترمون وعي النَّاس، ويحرصون على وحدة المجتمع، فأين هم عن نقد هذه الظَّاهرة التى لم تُرزق بأيِّ قدر من الحياء أو مراعاة مصلحة الوطن؟ وأين نحن عن استنطاق هؤلاء الصَّادقين مع أنفسهم والحريصين على ديارهم، وإبراز آرائهم؟ والشُّكر أيضاً موصول للجامعة العريقة، والعتاب محمول إلى باقي جامعاتنا خاصَّة المعتنية بالعلوم الشَّرعية!
 وقد أخذ د.الغذَّامي على الليبرالية المحليّة مخالفتها لأسس الليبرالية التي ينتسبون إليها، فصار قولهم في واد مزهر، وفعلهم في قعر سحيق مظلم. وضرب مثلاً في إقصائها الشَّديد لآراء الآخرين، ومحاربتها لأيِّ عمليّة انتخابيّة؛ لأنَّهم يعلمون الفائز سلفاً؛ أو لأنَّ المجتمع لم ينضج بعد كما عبَّر بعض المداخلين منهم! مع أنَّ كثيراً من مطالبهم الإفساديّة تُغلَّف برفع الوصاية عن المجتمع! وقد أغضبت مقولاتهم المحاضر حتى اضطُّر لزجرها وبيان عوارها. وأوضح المحاضر تناقضهم حين يزعمون أنَّ الحكومة ليبرالية فهم الواقع الذي نعيشه؛ وفي ذات الوقت يدَّعون أنَّهم أصحاب مشروع الإصلاح والتَّغيير! وقد أزرى بهم وشنَّع عليهم حين أشار بصراحة إلى أنَّ بعض كبار المنتسبين لهذا الفكر في السُّعودية يرون شرب الخمر من أبرز مظاهر الليبرالية! فاللهم إنَّا نعوذ بك من فتنة القول وسوء العمل، وإنَّ هبنَّقة لم يمت مادام بعض هؤلاء بين أظهرنا.
ولم تحفل أكثر الصُّحف بالمحاضرة بعد إلقائها، ولو كانت انتقاداً لمظهر شرعي يتوافق مع الدُّستور، ويرتضيه غالبية المواطنين، لقرأنا الأخبار والمقالات والتَّحقيقات المليئة بالافتراء والتَّضليل، وما هي بغريبة على صحفنا التي يسيطر على أكثرها أقوام ينسبون أنفسهم إلى الليبرالية، فالقيم الجميلة المحكيّة من قبلهم هي للعرض الجماهيري فقط، وعند التَّطبيق يظهر الإنسان بعيوبه ونقائصه البشريّة فضلاً عن لوازم الغواية والضَّلال. ولنا في الإعلام الجديد غنية حين يتفاعل مع هذه المواقف الحاسمة من مفكِّرينا الذين يقولون الحقيقة ويحطِّمون أسوار الفساد أيَّا كان.
 ويبقى المجال رحباً في قول مالم يقله الغذَّامي، فقد فتح باباً مغلقاً إلى مساحة واسعة وخصبة لمن أراد النَّظر والبحث والخروج برأي أو قول. وكم هي الحوادث التي توحي أنَّ أهمَّ مشروع عند الليبراليين هو مخالفة الإسلاميين ولو كانت مصلحة الوطن فيما يدعو إليه الإسلاميون، وكم من تصريح أو خبر يدُّل على تنسيق بعض هؤلاء مع قوى خارجيّة وهذا من ضروب الخيانة والتَّآمر؛ وقد حصر بعضاً من هذه المواقف الكاتب والمفكر المتألِّق د.إبراهيم السَّكران في مقالة بعنوان: "عمالة التغريبيين"، وكذلك الكاتب والباحث الدَّوؤب د.عبدالله النَّهيم في مقالته: "جواسيس لإسقاط الحكومة"! وكم في تصريحات أكابر رجالات الحكومة من مؤشِّر على ضيق بالغ بهذا الفكر وحملته، أو لا تكفي محاضرة د. الغذَّامي في أقدم جامعاتنا وأعرقها مؤشِّراً على شيء من هذا القبيل؟ فهل يكون موعدهم الصُّبح القريب؟
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
الأحد 13 من شهرِ الله المحرَّم عام 1432
ahmadalassaf@gmail.com

الخميس، 16 ديسمبر 2010

عمـالة التغـريبيين .. لإبراهيم السكران




الحمدلله وبعد،،
سيدة الأعمال السعودية المعروفة "حصة العون" ترأس مجلس إدارة شركتين تجاريتين، وأربع جمعيات أهلية، وهي الأمين العام لمجلس اتحاد المستثمرات العرب،  هذه المرأة هي أول من أزاح الستار -وعلى الهواء مباشرة- عن تفاصيل ما يدور في استراحات الليبراليين من علاقات دافئة بين مسؤولين أمريكيين وصحفيين سعوديين.

ففي شهر سبتمبر من العام 2006م وعلى الفضائية اللبنانية LBC روت الأستاذة حصة العون حادثة واقعية مرت بها وقالت:
(إي نعم السفارة الأمريكية أنا زارتني أكثر من مرة، وحاولوا معي أكثر من مرة، وطلبوا كمان يعطوني دعم مادي، ويعطوني قروض، ويعطوني تسهيلات كثيرة، ورفضتها، وزارتني القنصل أكثر من مرة في مكتبي). [حصة العون، قناة إل بي سي، سبتمبر2006]

أنهت الأستاذة حصة مكالمتها من هاهنا، وارتجت الصحافة السعودية عن بكرة أبيها من الجهة الأخرى، كانت روائح علاقة الليبراليين السعوديين مع المسؤولين الأمريكيين لم يتعامل معها الجميع بالجدية الكافية، ولكن بعد هذه الحادثة الواقعية وعلى الهواء مباشرة؛ اختلفت النغمة كثيراً، وكان ممن علق على الحادثة الكاتب المعروف في صحيفة عكاظ الأستاذ خالد السليمان، حيث قال:
(قنبلة حصة العون تكتسب دويها من كونها واقعة شخصية انتقلت بالمسألة بعيداً عن الجدال الذي لم يتخطّ سابقا حدود الاتهامات العامة والمبهمة..، ويجب التأكيد أن سلوك مثل هذه السفارات ليس ابتداعا جديداً، بل هو جزء من أسلوب عمل بعض أجهزتها لخدمة مصالح دولها في أغلب دول العالم، ويتخذ مثل هذا السلوك أشكالا مختلفة ابتداءً من الاحتفاء ومد الجسور الشخصية، وصولاً إلى التجنيد التام، مرورا بتقديم الهدايا التي لا تخلو من المشروبات الروحية) [خالد السليمان، صحيفة عكاظ، 24 سبتمبر 2006م].

تعليق الأستاذ خالد السليمان تضمن عدة ملحوظات ذكية، ربما من أهمها الإشارة إلى طبيعة الحوافز التي يقدمها السياسيون الغربيون لدعم التغريبيين السعوديين، ومن أطرف تلك الحوافز التي ذكرها السليمان تزويد الكاتب الليبرالي بالزجاجات التي يحتاجها بدلاً من أن يتكلف المشوار إلى بعض الدول الخليجية المجاورة، وهذا الحافز لدى بعض الكتّاب الليبراليين يعدل أموال قارون! ولذلك فإن حلقة طاش الشهيرة عن الليبراليين لم تستطع أن تخفي مركزية الشراب المحرم في الوسط الليبرالي السعودي.

ولم تمض ستة أشهر فقط من (قنبلة حصة العون) التي لم تكد غيوم بارودها تتبدد؛ إلا ونشرت صحيفة الاقتصادية السعودية خبر دعم مالي مشبوه دفعته الحكومة البريطانية لمركز سعودي في جدة بلغ سبعمائة ألف ريال، ويتعلق -أيضاً- بفتيات سعوديات! جاء في صحيفة الاقتصادية:
(قدمت الحكومة البريطانية دعما بملغ 700 ألف ريال لدعم برامج مركز خبراء المستقبل للتدريب والتطوير في جدة، وذلك لتغطية نفقات 25 دورة تدريبية مجانية تقام في جدة وحائل والمدينة المنورة وأبها، لتطوير مهارات السعوديات يستفيد منها نحو ألف سيدة سعودية..، وقام السيد "جيرارد راسل" القنصل البريطاني العام في جدة، بتوقيع العقد مع المالكة-المدير العام للمركز، في احتفال أقيم بهذه المناسبة في مقر القنصلية في جدة) [صحيفة الاقتصادية، 11 مارس 2007م].

القنصل البريطاني يستضيف مالكة المركز في حفل في القنصلية البريطانية، ويدفع لها سبعمائة ألف ريال لتدريب ألف سيدة سعودية في مختلف مناطق المملكة! من يتصور؟ يا للجرأة!

والقنصل البريطاني في جدة "جيرارد رسل" -الذي دفع المبلغ واستضاف مالكة المركز- ليس مجرد دبلوماسي وظيفي بحت، بل هو رجل يحمل (أجندة فكرية) ويتحمس لبثها في المنطقة، وهو يتحدث اللغتين العربية والدارية (اللغة الدارية هي أحد اللغتين الرسميتين في أفغانستان وهي صيغة من الفارسية وتسمى أحياناً "الفارسية الأفغانية").

وجيرارد رسل هو الذي صمم ورأس (وحدة الإعلام الإسلامي) (IMU) التي أنشأتها الحكومة البريطانية في أعقاب هجمات سبتمبر، بهدف التأثير في الرأي العام العربي والإسلامي باتجاه مصالحها، وهذه الوحدة لها قسمان رئيسيان: قسم متخصص في شبه القارة الهندية، والقسم الثاني متخصص في العالم العربي.

ومن شدة عناية "جيرارد رسل" بترويج الرموز التغريبية كتب مقالة حِجاجية قبل شهرين، وكانت قبيل إعلان جائزة نوبل هذا العام، في صحيفة الجارديان البريطانية المعروفة؛ يجادل فيها بوجوب منح الشاعر الإلحادي العربي "أدونيس" جائزة نوبل للأدب، وكان عنوان المقالة (لماذا يجب أن يفوز أدونيس بجائزة نوبل؟) وفي سياق الاعتبارات التي ذكرها "جيرارد رسل" لدعم أدونيس قوله:
(أدونيس وظَّف في شعره كل التقاليد الدينية، وتحداها جميعاً أيضاً، يقول أدونيس في لقاء رائع "كل الناس يدّعون أن الله أخبرهم كلماته الأخيرة"، وهو يشك في ذلك) [G. Russell, Guardian, 6/10/2010]

ومن نماذج النشاط "الفكري" للقنصل البريطاني "جيرارد رسل" أنه نفذ زيارة لأحد أهم الصحف التغريبية في المنطقة وهي "صحيفة عكاظ"، وأخذ يبحث معهم شؤونهم الإعلامية! كما تقول صحيفة عكاظ:
(قام القنصل العام البريطاني بجدة "جيرارد راسل" يرافقه المسؤول الاعلامي والسياسي بالسفارة البريطانية بالرياض "الكساندر فيتالي" بزيارة لمجمع «عكاظ» الصحفي، والتقى الضيفان رئيس التحرير المكلف، ودار الحديث حول عدد من الموضوعات ذات العلاقة بالشأن الاعلامي) [صحيفة عكاظ، 23 فبراير 2007م].

هل قدم "جيرارد رسل" هذه المرة -أيضاً- مبالغ مالية، هل قدم أية عروض أو تسهيلات أو مزايا؟ الله أعلم، لا أحد يستطيع أن يجزم بشئ، قد يكون قدم لمهندسي التغريب في صحيفة عكاظ خدمات مادية فعلاًً، وقد يكون اكتفى بخدمات فكرية ودعم معنوي فقط، لكن المهم أنه حاضر وفعال في النشاط التغريبي في المنطقة.

وفي شهر يوليو من هذا العام نشرت صحيفة الوطن خبر لقاء الأمير خالد الفيصل بطالبات كلية (عفت)، ومن أطرف ما في هذا الحفل أن إحدى الطالبات روت ببراءة خبر علاقة البرنامج بجهات أجنبية وصلت لدرجة اللقاء بالرئيس الأمريكي نفسه وتلقي توجيهاته وتوصياته في كيفية التغيير في المملكة، حيث تقول إحدى الطالبات كما تنقل الصحيفة:
(ذكرت الخريجة من كلية التمريض بدار الحكمة، وهي إحدى 8 طالبات اللاتي تم اختيارهن للمشاركة في قمة ريادة الأعمال التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قالت: شاركنا في هذه القمة التي استغرقت يومين، وحظينا بمقابلة الرئيس الأمريكي "أوباما" وقالت "افتتحت هذه القمة من قبل الرئيس الأمريكي، الذي ناقش معنا الكيفية التي نستطيع من خلالها تبادل العلاقات الاجتماعية بين الولايات المتحدة والمملكة، وتنمية الريادة الاجتماعية، وكيف تم الارتقاء بهذه الريادة لكي يتم تطبيقها في المملكة) [صحيفة الوطن، 5/7/2010]

كنت أقرأ هذا الخبر وأقضم أسنان الحسرة كيف صار الرئيس الأمريكي يلقن فتياتنا أفضل أساليب التغريب!

وفي أواسط الشهر الماضي نوفمبر اجتمعت أربع عشرة ناشطة بريطانية من أعضاء البرلمان (مجلس العموم) لتشكيل حملة لدعم التغريبيات السعوديات، ووجهن خطاباً خاصاً في 18 نوفمبر للكاتبة التغريبية المتطرفة "وجيهة الحويدر" لتنظيم العلاقة، وفي البداية حافظت الحويدر على سرية الخطاب الذي تلقته منهن، لكنها بعد أسبوعين قررت كشف العلاقة، فنشرت عبر الموقع السعودي المتخصص في أخبار الشيعة (راصد) قصة العلاقة مع هذه الجهة الأجنبية، ونشرت صورة الخطاب الذي تلقته من البرلمانيات البريطانيات، وهذه الجرأة في كشف التفاصيل تعكس حجم (البجاحة السياسية) ومستوى التحدي الذي وصل إليها التغريبيون السعوديون، وأكثر ما أدهشني في الخطاب أن البرلمانيات البريطانيات كتبن الخطاب على الأوراق الرسمية للبرلمان البريطاني (مجلس العموم)!، وهذا الإجراء يوحي بمستوى الجدية والاندفاع في الدعم والمساندة.

وقد استفتحت البرلمانيات البريطانيات الخطاب بذكر بعض المسائل التي تعاني منها المرأة السعودية، وذكرن منها ثلاث مسائل: حرية السفر للمرأة (أي بلا محرم)، وحرية الزواج بلا ولي، وحرية الطلاق بلا تطليق من الزوج، ثم جاء في خاتمة قولهن:
(ونحن كبرلمانيات نساء، من عدة أحزاب سياسية في بريطانيا، سنكون مسرورين بمعرفة ما إذا كان هناك أي شئ نستطيع أن نفعله لمساعدتك..، وبإمكانك أن تراسلي الدكتورة سارا ويلسون على العنوان التالي..) [Letter from Sarah Wollaston, 18/11/2010]

ثم اكتظ ذيل الخطاب بتوقيعات أربع عشرة برلمانية بريطانية!

والأستاذة وجيهة الحويدر اعتادت أن تخاطب الغربيين بلغة في غاية الذلة، أشد من طأطأة العبد لسيده، فهي تخاطب الغربيين في صحافتهم بلغة (نريد أن نكون نسخة منكم)، ففي مقالة نشرتها الأستاذة وجيهة في الصحيفة الأمريكية الأشهر "الواشنطن بوست" تقول فيها للقارئ الأمريكي:
(أرسلت ولديّ الاثنين للدراسة في ولاية فيرجينيا بأمريكا لأنني لا أريدهم أن يكونوا كغيرهم من الشباب السعودي) [The washington post, 16/8/2009 ]

لكن بغض النظر عن ذلك، ما سبب كشف الأستاذة وجيهة الحويدر لذلك الخطاب الخطير من البرلمانيات البريطانيات؟ يمكن تفسير ذلك من عدة مداخل، لكن في تقديري أن هذا التصرف أرادت به الأستاذة وجيهة إيصال "رسالة ردع" للسياسي وللممانعة الإسلامية على حد سواء، بأن فريق وجيهة الحويدر من التغريبيات ليس مجموعة أفراد ضعفاء لا ناصر لهم، بل وراءهم قوى أجنبية كبرى تراسلهم بأوراق البرلمان ذاته، وتضع تحت إشارتهم خدمات "مفتوحة" !

هذا الخطاب يعني أن التغريبيات لسن مجرد مثقفات يعبرن عن رأيهن، بقدر ما إنهن ثكنة داخلية لبرج مراقبة خارجي، ويبدو لي أنه إذا وصلت العلاقة بين (الغربيين) و (التغريبيين) إلى هذا المستوى فهذا يعني أن أجراس الإنذار ستنفجر قبل أن تصرخ.

وفي مفتتح سبتمبر من هذا العام 2010م بثت فضائية (العربية) برنامجاً وثائقياً بعنوان (الإسلام والغرب)، وتضمن البرنامج ربطاً بين دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي تتبناها السعودية وأحداث العنف العالمية، وهذا الربط هو ما جاهدت السعودية على نفيه وبيان بطلانه خلال السنوات العشر الماضية، ولذلك فإن هذا التصرف من محطة العربية استفز المسؤولين من عدة مستويات، وأثناء التهاب الحدث فوجئ القراء بتوقف الأستاذ عبدالرحمن الراشد عن الكتابة في عموده المعروف في صحيفة الشرق الأوسط في الخامس من سبتمبر، تلا ذلك إعلان الراشد أنه قدم استقالته من إدارة قناة العربية، وكان ذلك طبعاً نتيجة انزعاج حاد من عدد من المسؤولين بسبب تصرف الراشد في محطته، ثم وبشكل مفاجئ -أيضاً- أعلن الراشد في منتصف سبتمبر عودته للكتابة في الشرق الأوسط ولإدارة محطة العربية!

كل هذه الأحداث العاصفة المتلاحقة لواحد من أهم القيادات التغريبية لم تكن هي المفاجأة، وإنما المفاجأة حين نشرت الصحيفة الصهيونية (إيديعوت أحرونوت) حزنها الشديد على ما تعرض له الراشد، وأسهبت في ذكر مناقبه، ثم أشارت إشارة في غاية الخطورة إلى أن جهة أمريكية معينة ضغطت على مالك المحطة الوليد الابراهيم لإعادة "عبدالرحمن الراشد" لإدارة القناة!
تقول الصحيفة الصهيونية الأشهر (إيديعوت أحرونوت) :
(العائلة المالكة في الرياض قررت أن تغلق في وجه الصحافي الجريء عبدالرحمن الراشد كل الابواب: أصدرت حظراً على نشر مقالاته، قررت تنحيته عن كرسي مدير عام "العربية"، الراشد فهم فوراً الإشارة وأعلن بأن لا حاجة الى إرسال خطاب الإقالة، الإستقالة الصاخبة للراشد صمدت أربعة أيام عاصفة، والأمريكيون ضغطوا من خلف الكواليس، وتلقى الراشد بلاغاً بالتوقف عن حزم أمتعته) [إيديعوت أحرونوت، 20/9/2010م]

أن تصل أيدي الأخطبوط الأمريكي إلى داخل استديوهات محطة العربية، وأن تصل أصابع الأمريكان إلى أدراج مسؤولي العربية أنفسهم، ويسعون لدعم موقع (عبدالرحمن الراشد) والحفاظ عليه؛ فهذا يعني أن هذه الجهة الأمريكية تعرف جيداً أن إدارة الراشد تدفع باتجاه تعزيز المصالح والقيم الأمريكية في المنطقة، وهذا الاستقواء التغريبي بالأجنبي لم يتجاوز الأرقام القياسية فقط، بل دهس الأرقام المتخيلة أصلاً!

ومن المثير للدهشة أن الجهات الأجنبية المشبوهة تتعامل مع التغريبيين السعوديين تعاملاً مزدوجاً، فهي تدعمهم في الداخل السعودي من جهة، ومن جهة أخرى تستثمر مقالاتهم وتترجمها لتوظيفها خارجياً في تشويه "المجتمع السعودي" وتأليب الرأي العام عليه، وتخويف العالم من الواقع الشرعي في السعودية.

ونماذج توظيف الجهات الأجنبية المشبوهة لمقالات (الليبراليين السعوديين) في استعداء العالم ضد المجتمع السعودي كثيرة جداً، سواءً في الصحافة مثل الواشنطن بوست، والنيويورك تايمز، والجارديان، والاندبندنت، ونحوها، أو في الإعلام المرئي كالفوكس نيوز، والسي إن إن، ونحوها، فلا تمر فترة قصيرة إلا وتجد في وسائل الاتصال هذه اقتباسات من مقالات الليبراليين السعوديين تستخدمها هذه الوسائل الإعلامية الامبريالية في تحريض القارئ الغربي ضد "المجتمع السعودي" بكل مكوناته الشرعية، وسأكتفي هنا بمثال واحد لتوضيح الظاهرة، حيث نشرت الصحيفة الصهيونية الأشهر (إيديعوت أحرونوت) هذا التوظيف لأحد المقالات في صحيفة الرياض التي يرأسها الأستاذ تركي السديري:
(الكاتب فارس بن حزام يقول "نحن ليس لدينا الشجاعة لنواجه الحقيقة، وبدلاً من أن نعتذر نذهب نلوم أطرافاً خارجية"، ويقول فارس بن حزام أيضاً: "الدعاة في المساجد السعودية، والمواقع الانترنتية الراديكالية، هم المسؤولون عن موجات من الشباب السعودي نفذت الهجمات الجهادية حول العالم"، في هذه المقالة التي نشرت في صحيفة الرياض السعودية اتهم الكاتب فارس بن حزام المجتمع السعودي بكونه تجاهل الأسباب الحقيقية خلف الهجمات الجهادية وتجنيد الشباب) [Yedioth Ahronoth, 22/10/2006]

وهكذا تستند الصحافة الصهيونية على مقالات (الليبراليين السعوديين) في تعبئة الرأي العالمي ضد المجتمع السعودي، لتخفيف العبء الذي تواجهه تجاه عدوانها على المسلمين، ولذلك فإنه قد يبدو للمراقب أن (العمالة الليبرالية) هي عمالة مزدوجة، فالأجنبي يستغل الليبراليين السعوديين لترويج أجندته الفكرية في الداخل السعودي، ويستغل مقالاتهم لتشويه المجتمع السعودي في الخارج.

وفي هذه الأيام تابع الجميع الفعاليات الأليمة لمنتدى "خديجة بنت خويلد" الذي ترعاه الغرفة التجارية الصناعية بجدة، وقد رفع المنتدى شعار "تذليل العقبات أمام المرأة السعودية" وهو شعار رائع ونحن بحاجة إليه، فالمرأة السعودية تعاني من مشكلات كثيرة منها: قلة وجود بيئات العمل المتناسبة مع قناعاتها الدينية كالنقاب والمباني المستقلة عن مزاحمة الرجال، ومثل مشكلات عضل الفتيات عن الزواج، والعنوسة بسبب كلفة الزواج، وحرمان المرأة السعودية في مرحلة (الحمل والحضانة) من تسهيلات خدمية كثيرة تليق بشرف ورفعة الدور التربوي الذي تقوم به، وطول ساعات العمل بالنسبة للمرأة بما لا يتناسب مع احتياجاتها الأخرى، فيجب المبادرة بتخفيض ساعات العمل للنساء وزيادة أجورهن لتغطية أعباء الحياة المتزايدة، وغير ذلك كثير من مشكلات المرأة في السعودية والتي تورطنا بكثير منها بسبب الاستهلاك الأعمى لنظم الحياة الغربية المادية البائسة.

ومع كل هذه المشكلات فقد تألم المجتمع كثيراً حين انكشف له أن المنتدى لا صلة له بمعاناة المرأة السعودية من قريب ولا من بعيد، بل المنتدى يدفع باتجاه تعقيد أزمة المرأة في السعودية، فالمنتدى كله عن فرض المزيد من الاختلاط مما يعني حرمان المنقبات من بيئات عمل مناسبة ومريحة، وكسر الحشمة والفضيلة لدى سافرات الوجوه، فضلاً عما تخلل المنتدى من مشاهد مخلة بالفضائل القرآنية كلبس التنورات القصيرة وكشف السيقان على الملأ، وضرب المعازف في بيئات مختلطة، وتزاحم الرجال والنساء، وترويج الفتاوى الشاذة، واستقدام غير المختصين الشرعيين وتصديرهم للناس لترقيق دينهم.

واخسارة المال، والجهد، والوقت؛ الذي يذهب من خزائن المال العام سدى، ماذا استفادت الفتاة السعودية من ذلك كله سوى تحويل مشكلتها من مشكلة بسيطة تحتاج لحلول إدارية منظمة إلى سفور ومعازف واختلاط؟! لقد أثبت الزمن أنه ليس لدى التغريبيين السعوديين أي "حلول مدنية" لمشكلات الناس، بل ليس لديهم إلا مسلسل الشهوات (سفور، معازف، اختلاط، تشويه الهيئات، علاقات مشبوهة بجهات أجنبية، الخ).

ولذلك فإن الشيخ عبدالله المطلق –عضو هيئة كبار العلماء- برغم حرصه المعروف على تجنب الإشارة لجهات بعينها إلا أنه لم يطق ماحدث من انتهاكات جسيمة للضوابط الشرعية في منتدى خديجة فصرح –حفظه الله- قائلاً (الموضوع الذي حدث في جدة والذي تحدث عنه هؤلاء في شؤون المرأة هم حقيقةً لا يمثلون المرأة السعودية، فهي بمعزل عن هذه الافتراءات التي يأتي إليها هؤلاء ويدعون فيها إلى الاختلاط، ويفسرون الاختلاط الممنوع بأنه التلاحم الجسدي، المرأة السعودية والشعب السعودي لا يرضى بأن يمثله هؤلاء) ونشر تصريحه هذا في وسائل الإعلام.

كما أصدر الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد –حفظه الله- بياناً رصيناًً مطولاً في إيضاح المخالفات الشرعية في هذا المنتدى بعنوان (لا يليق اتخاذ اسم "خديجة بنت خويلد" عنواناً لانفلات النساء).
وكذلك الشيخ الوالد عبدالرحمن البراك –حفظه الله- ألقى كلمة شرعية جزلة حول هذا المنتدى المشبوه وقال (هذا المنتدى مؤسس على مخالفة الشريعة، وقد سموه زوراً منتدى خديجة، ولو سموه منتدى هدى شعراوي لكان أليق به، فإنها هي من مفاتيح فساد المرأة المصرية وقد اشتهرت بذلك).
كما تحدث عن المنتدى أيضاً الشيخ صالح اللحيدان –عضو هيئة كبار العلماء- قائلاً (ما حدث في منتدى خديجة بنت خويلد في جدة, هو في حد ذاته إساءة إلى خديجة).

ثم بعد هذه المواقف الحسبوية للعلماء الكبار الشيخ البراك والعباد والمطلق واللحيدان؛ أصدر مجموعة أخرى من العلماء والدعاة بياناً جماعياً تحليلياً كشف كل النقاط في هذا المنتدى الخطير، وقد وقَّعه سبعون شخصية دعوية سعودية.

ويلاحظ المراقب لهذا المنتدى (منتدى خديجة) أن القائمين عليه لم يستطيعوا أن يخفوا الجهات الأجنبية المشبوهة التي قدمت مساندة خلفية لهذا المنتدى المريب، فمن ذلك –مثلاً- الدعم الذي قدمته زوجة السفير الأمريكي "جانيت سميث" حيث حضرت هذه الفعاليات التغريبية وألقت عبارات الإطراء الممزوجة بلغة "المشاركة في القضية"، فكانت تتحدث من منطلق الجبهة الواحدة وليس من منطلق المراقب المحايد، حيث نشرت صحيفة المدينة خبر حضور زوجة السفير الأمريكي لمنتدى خديجة حيث تقول الصحيفة:
(قالت زوجة السفير الأمريكي لدى المملكة الدكتورة "جانيت سميث" أستاذة العلاقات الدولية: إن المنتدى تميّز بالتنظيم الجيد والحضور المميز، متمنية أن يستمر هذا التفاعل في جميع المنتديات، وأن يحقق المنتدى الأهداف التي عقد من أجله) [صحيفة المدينة، 1/12/2010].

وزوجة السفير الأمريكي "جانيت سميث" ليست شخصية هامشية، أو ترتبط بالسفير الأمريكي بمجرد رابطة زوجية/اجتماعية، بل هي جزء من المؤسسة السياسية الأمريكية ذاتها، فقد عملت كمساعدة للشؤون القانونية في "الكونغرس" نفسه، ومنذ قدمت "جانيت سميث" للمملكة وهي شغوفة باختراق الشباب السعودي من الداخل، وقد اعترفت هي ذاتها بشئ من ذلك في لقاء أجرته مجلة "سيدتي" مع "جانيت سميث" نفسها، حيث جاء في اللقاء:
(-مجلة سيدتي: ما النشاطات التي قمتِ بها خلال وجودك في الرياض؟
-جانيت سميث: انغمست خلال الشهور القليلة الأولى من انتقالي إلى هنا في التعرف على العاملين في السفارة، والتعرف إلى رجال الأعمال والمؤسسات الأميركية في الرياض، والجالية الدبلوماسية الكبيرة، والأهم من ذلك لقائي بمجموعات كثيرة من الرجال والنساء السعوديين) [مجلة سيدتي، 19/3/2010]

و "جانيت سميث" لم تقف على منصة الدعم الخارجي فقط، بل تجاوزت ذلك وأخذت تمارس دور الإفتاء والترجيح في المسائل الفقهية ماشاء الله تبارك الله! حيث تقول جانيت سميث:
(أشعر باستغراب شديد عندما استمع إلى مطالبة المرأة السعودية بحقوق هي في الأصل كانت متاحة لها في الدين الإسلامي، وأرجعت ذلك لما يعرف بالعادات والتقاليد التي استجدت وليس لأصول الدين) [صحيفة الوطن، 11/11/2010]

وربما لو واصلت صحيفة الوطن جهودها المشكورة وانتدبت بعض محرريها لجمع فتاوى "جانيت سميث" لتنتفع بها الفتاة السعودية لكان ذلك عملاً جليلاً يطبع -بإذن الله- على نفقة أحد المحسنين باسم (مجموع فتاوى زوجة السفير الأمريكي).

ومن علاقات التغريبيين بمنتدى خديجة مع السفارات الأجنبية صفقة عقدوها مع السفارة الفرنسية لتدريب بعض الليبراليات تمهيداً لخوض معركة قانونية في "التغيير التشريعي" في السعودية حيث نشرت صحيفة عكاظ:
(غادر وفد نسائي سعودي إلى العاصمة الفرنسية باريس لزيارة عدد من المؤسسات والوزارات الحكومية في فرنسا، بدعوة من "السفارة الفرنسية" في الرياض، لتنفيذ برنامج يهدف إلى تعزيز الثقافة الحقوقية والقانونية للمرأة السعودية) [صحيفة عكاظ، 6/12/2010]

أضحكتني كثيراً هذه اللغة البريئة في عرض الخبر! حسناً إذن.. كان "البرنامج" بدعوة من "السفارة" الفرنسية نفسها، فهي التي تكبدت تخطيط البرنامج، وكلفته المالية، وتحديد مضامينه، والرسالة التي يراد إيصالها منه، وهذا يعني –أيضاً- أن هناك جلسات تنسيق مسبقة بين (التغريبيين) في غرفة جدة، وبين (الغربيين) في السفارة الفرنسية، جلسات قد يتخللها أمور كثيرة تليق بهذه العلاقات.

وفي أثناء أيام منتدى خديجة رمت الأميرة عادلة "تصريحات تغريبية مفتوحة" أفزعت الناس، وكان فيها شئ من التحدي لمشاعر المجتمع، كقول الأميرة عادلة مثلاً (النقاب متعلق بالتقاليد وليس بالدين)!، وقد ردّ على الأميرة عادلة طليعة من العلماء والدعاة المحتسبين، منهم سماحة الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد، والعالم الشاب عبدالعزيز الطريفي، والشيخ عصام العويد.

فأما الشيخ الوالد عبدالمحسن العباد –حفظه الله- فقد أصدر بياناً قال فيه:
(يا ابنة خادم الحرمين! قد سماك والدك عادلة فكوني عادلة، وليس من العدل أن تكوني غنيمة كبيرة باردة للتغريبيين يصولون باسمك ويجولون..، وما سمعنا أن أحداً من إخوتك فرح به التغريبيون كما فرحوا بك) [الشيخ العباد، رسالة بعنوان "ليس هذا من العدل ياعادلة" ]

وأما فتى الكهول الشيخ عبدالعزيز الطريفي فقد قال:
(وأنا أُدرك أن عادلة لا تُدرك من أمور الدين والعلم ما يؤهلها أن تخوض في مثل هذه القضايا الكبيرة، ولكنها ممتلئة حماساً وانسياقاً لتهيئة الموضع المناسب للمرأة كما تزعم، وهذا ما أوصلها إلى هذا الاندفاع الذي يجب على أهل الأمر والعقل الأخذ على يدها برفق، حتى لا تسوق نفسها وغيرها إلى هوة في الدين والأخلاق لا يُقام منها) [الطريفي، رسالة بعنوان "إلى الأميرة عادلة" ]

ومن أجمل ما في مناقشة الشيخ الطريفي للأميرة عادلة إشارته الطريفة للجهات الأجنبية الخفية التي تدعم التغريبيين حيث قال (والصراع الذي يحدث حول المرأة في بلادنا، صراعٌ لا يُرى منه إلا سطح الطاولة، ولا تُرى أرجلها الممسكة بها)[الطريفي، رسالة "إلى الأميرة عادلة" ]

وأما الشيخ عصام العويد –حفظه الله- فكتب مقالة تتقاطر غيرةً وشرفاً ومما جاء فيها قوله:
(فهل جئتِ أيتها الأميرة عادلة لتذبحي أحلامنا المشرقة في زهرات حياتنا بسكين "خديجة" ؟ لنبكي بعد ذلك كأشباه الرجال آمالنا في بناتنا التي وئدت على عتبة باب بنت الملك! ) [الشيخ العويد، مقالة بعنوان "من يحفظ بناتنا من الأميرة عادلة؟" ]

وأنا شخصياً لم يتضح لي جيداً: هل الأميرة عادلة تتبنى هذا التوجه التغريبي عن قناعة وخلفية فكرية فعلاً، أم تم الزج بها وتوظيفها في المشروع التغريبي استغلالاً لنسبها السياسي لكي تصل توصيات التغريبيين بأسرع الطرق لمصنع القرار؟

ويلاحظ المراقب لهذه الغارات التغريبية في السعودية أنها تميل إلى تركيز عملياتها في مدينة جدة حيث توفر لها إمارة المنطقة تغطية جوية فعالة لا تجدها في بقية إمارات المناطق في السعودية، فالأمير خالد الفيصل –هداه الله- يوفر لهؤلاء التغريبيين، وخصوصاً التغريبيين في الغرفة التجارية الصناعية بجدة؛ كل الخدمات التي يحتاجونها ويسعى لتذليل الصعاب أمامهم، ويذب عنهم من يريد إيقاف أنشطتهم المريبة، ولذلك فإنني أتذكر حين زرت الموقع الإلكتروني للغرفة التجارية بجدة وجدت نافذة بعنوان (مركز خديجة بنت خويلد) فلما دخلت الصفحة وجدت نافذة أخرى بعنوان (إنجازات مركز خديجة بنت خويلد) فشدني هذا العنوان، فقلت في نفسي لأنظر ما هي منجزات هذا المركز ياترى؟

وحين فتحت صفحة هذه المنجزات، وقرأت أول منجز يفاخرون به؛ كدت أبتلع الضحك من تدافعه، حيث يقول أصحاب منتدى خديجة في موقعهم عن أول منجزاتهم:
(خاطب المركز أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ووزير العمل، مستفسراً حول إعادة إضافة مادة (114) في اللائحة التنفيذية لوزارة العمل التي تنص على أنه "لا يجوز في حال من الأحوال اختلاط النساء بالرجال في أماكن العمل"، علماً أنه قد تم إلغاء ذلك النص من النظام الجديد للعمل والعمال (مادة 160)، وقد استلم المركز شاكراً خطاباً تعميمياً من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أنه تم حذف المادتين من نظام العمل والعمال، وكذلك من اللائحة التنفيذية، والاستعاضة عن ذلك بمادة عامة للجميع "نساء ورجال" ) [موقع الغرفة التجارية الصناعية بجدة، إنجازات مركز خديجة].

هذا هو أول منجز يفاخر به مركز خديجة بنت خويلد، وهو أنهم تلقوا دعم الأمير خالد الفيصل وتأكيده بعدم عودة مادة (منع الاختلاط) التي حذفها الوزير السابق غازي القصيبي -تجاوز الله عنا وعنه- من نظام العمل والعمال!

ومن أكثر الأمور إدهاشاً فيما يتعلق بالملف التغريبي عند الأمير خالد الفيصل –وفقه الله للحق- هو أن الأمير خالد حين نفذ سلسلة الأعمال التغريبية: إيقاف محاضرات العلماء، إقامة مجالس الغناء، استضافة غلاة العلمانيين بمركز الفكر العربي، إيقاف حلقات التحفيظ، الخ حين تتابعت هذه الأعمال أعلنت مباشرة "جهة أجنبية مُريبة" منح الأمير خالد الفيصل جائزة، وقالوا صراحة أن سببها هو أنه "قام بدور أكثر من المطلوب"! حيث يقول جراهام كوك مؤسس ورئيس الجائزة:
(إن هدف الجائزة هو تشجيع كل من قام بأكثر من المطلوب) [صحيفة الوطن، 8/11/2010]
فقول هذه الجهة الأجنبية "دور أكثر من المطلوب" هذا يعني أن هناك أصلاً شئ مطلوب، وأن هناك تقييم لمن يقوم بهذا الشئ المطلوب، ثم هناك جائزة حسب هذا التقييم!

ثم تطورت العلاقة بالأجنبي في "مؤسسة الفكر العربي" التابعة للأمير خالد الفيصل إلى صفقات مع مؤسسات أمريكية تقدم أجندتها الثقافية، كما تقول صحيفة الوطن مثلاً:
(يوقع رئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير "خالد الفيصل"، ورئيس الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور "بيتر دورمان" مذكرة تفاهم تتعلق بالمرحلة الثانية من مشروع "تمام" التطوير التربوي المستند إلى المدرسة في العالم العربي)[صحيفة الوطن، 8/12/2010]

ويعرف المؤرخون أن "الجامعة الأمريكية في بيروت" هي أقدم مطبخ تغريبي واستعماري في المنطقة، فقد أسست عام 1866م وكان اسمها حينذاك (الكلية السورية-البروتستانتية)، وقد أسسها -وهو أول رئيس لها أيضاً- المبشِّر التنصيري (دانيال بليس) المتوفى سنة 1916م، وقد كتب عن الجامعة الكثير من الدراسات والأوراق، وأهم من ذلك كتب كثير من الدارسين فيها تجربتهم التي كشفت الكثير من الأبعاد.

ومن أهم من كتب تجربته في الجامعة الأمريكية في بيروت المفكر اليساري العروبي المشهور (د.هشام شرابي) ت2005م، والذي بدأ ماركسياً ثم استحوذ على تحليلاته الفكرية مفهوم (النظام الأبوي أو البطركية) وقد بالغ كثيراً في تقدير نجاعته كجهاز تفسيري، والمهم أن د.شرابي قد سجل تجربته في كتابه (الجمر والرماد)، وشرح كيف تم شحنهم بتهويل الأجنبي وتقزيم التراث، ومن الفقرات التي قالها د.شرابي في كتابه:
(أصبحنا في الجامعة الأمريكية في بيروت مشلولي الفكر تجاه ما نقرأ، وخصوصاً إذا كان مصدره أجنبياً..، ومن الغريب أني بعد صف الفرشمن انقطعت كلياً عن قراءة الكتب العربية..، لا أشك أن نوعية الفكر الذي تعرضت إليه في الجامعة الأميركية عزز اغترابي عن نفسي)[الجمر والرماد، د.شرابي، ص28، 36، 40، دار الطليعة]

فحين أتأمل ما ينقله المؤرخون عن ضلوع الجامعة الأمريكية في بيروت في أخطر الأنشطة التغريبية في المنطقة، ثم أرى الأمير خالد الفيصل يوقع معها صفقة فكرية؛ تأخذني شهقات الاستغراب بعيداً بعيداً.. وآخذ في التساؤل: لم؟ ما الدافع ياترى؟ هل الأمير خالد يجهل أنشطتها الخطيرة؟

ومما يرفع حواجب الانتباه إلى حد الذهول أن الصحف الأمريكية الكبرى أصبحت ترمي بتثمينات عالية جداً للدور التغريبي الذي يقوم به الأمير خالد الفيصل –هداه الله-، بل وصل الأمر إلى أن مجلة "الفورن بوليسي" وهي المجلة الأشهر في مجال السياسة الخارجية الأمريكية، والتي أسسها هنتجتون (صاحب صدام الحضارات) قبل أربعين سنة عام 1970م، هذه المجلة التي تعكس رؤية كثير من صناع السياسات في أمريكا نشرت مقالاً تدعوا فيه إلى أن يكون الأمير خالد الفيصل هو الملك القادم بدلاً من ولي العهد والنائب الثاني! حيث تقول المجلة:
(البيت السعودي في اضطراب حول من يخلف الملك...، الأمير خالد الفيصل سيظهر على الأرجح كملك المستقبل، فالأمير خالد الفيصل شاعر ورسام متحمس، وصديق لولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز، والأكثر أهمية بالنسبة للمستقبل السياسي للأمير خالد، هو أن قد ظهر كرمز محترم بين مختلف أجنحة العائلة المالكة، كما أنه قادر على قيادة المملكة بيد ثابتة إلى الأمام) [Foreign Policy, 21/10/2010]

هذا التدخل الإعلامي الأمريكي في شؤوننا الداخلية ظاهرة مقلقة وتهدد استقرارنا السياسي، والسعوديون –بإذن الله- مهما كان بينهم من الخلاف فليسوا بحاجة إلى هذه التوصيات الأمريكية، وسيستطيع السعوديون حل مشكلاتهم والتراضي بينهم بما يحفظ لنا الأمن والاستقلال بعيداً عن دس الأمريكان أنوفهم فيما لايعنيهم.
ثم إن هذه التوصيات الأمريكية المشبوهة تدعم الرأي الذي يرى أن الأمير خالد الفيصل يسعى لكسب الكثير من الدعم الأمريكي بواسطة قراراته التغريبية.

ماسبق كان نماذج لعمالة الليبراليين السعوديين، وصيغ علاقة هؤلاء التغريبيين بالجهات الغربية الداعمة، ومستوى استقوائهم بالأجنبي؛ لكن هاهنا زاوية أخرى تحتاج لإلقاء الضوء، وهي كيف يفكر الأمريكان والغربيون تجاه علاقتهم بهؤلاء التغريبيين العملاء؟

الحقيقة أن هناك عدة دراسات وبحوث غربية يستطيع المتابع أن يستكشف من خلالها نمط التفكير الأمريكي تجاه هذه العلاقة، لكن في تقديري أن من أهم هذه الدراسات ورقة المفكر الأمريكي اللامع (جون ألترمان) المتخصص في قضايا الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية (CSIS)، وله عناية خاصة بدراسة وتحليل (الإعلام العربي) وألف فيه كتابه المعروف (إعلام جديد، سياسات جديدة: من الفضائيات إلى الانترنت في العالم العربي) وحلل فيه عدداً من الصحف والفضائيات العربية وطبيعة التحديات الجديدة التي فرضتها. والمراد أن "ألترمان" هذا في يونيو 2004م كتب ورقة بحثية مصغرة (9 صفحات) في دورية (بوليسي ريفيو) وهي أحد أهم دوريات اتجاه المحافظين، بعنوان (الأمل الخادع لليبراليين العرب) ثم أعاد عرض نفس الفكرة مع شئ من التلخيص في صحيفة (الفايننشال تايمز) في أغسطس 2004م بعنوان (الليبراليون العرب يحتاجون الاحتضان الحذر)، وبعد عشرة أيام نشرت ترجمة المقالة إلى العربية في صحيفة النهار بإذنٍ من المؤلف.

وأي قارئ لهذه الورقة البحثية، ومختصرها؛ يكتشف أن الأمريكان لديهم حيرة شديدة في تعيين المستوى الذي يجب أن يصل إليه دعمهم لعملائهم من التغريبيين، فهم من جهة يخشون أن يتخلوا عنهم فيسقط المشروع التغريبي، ومن جهة أخرى يخشون أن يندفعوا في دعمهم فتسقط سمعة التغريبيين في مجتمعاتهم إذا اكتشفت عمالتهم! يقول ألترمان:
(يحظى الليبراليون العرب حالياً باهتمام غير مسبوق من العديد من صانعي السياسات الاميركيين، ويدعو ديبلوماسيون ومسؤولون في واشنطن ولندن وباريس وعواصم أخرى هؤلاء الليبراليين العرب إلى تناول الطعام، وأحياناً إلى شرب الخمر سوياً، وغالباً ما يحصلون على مبالغ طائلة لتمويل منظماتهم غير الربحية..، وهذا  الاهتمام الغربي المتزايد سوف يقولب هؤلاء الليبراليين العرب باتبارهم عملاء لجهود غربية مزعومة لإضعاف العالم العربي وإخضاعه..، يجب ألا نتخلى عن الليبراليين العرب فالكثير منهم مقاتلون شجعان لأجل الأفكار الغربية، ومن شأن التخلي عنهم أن يوجّه اشارات خاطئة، لكن يجب ألا تجعل الولايات المتحدة كل آمالها معتمدة على نجاحهم النهائي) [FT, 3/8/2004]

والحقيقة أن من أخطر الرسائل التي تبادلها التغريبيون حول العلاقة بالأجنبي رسالة نشرها الأستاذ جمال خاشقجي قبل عدة سنوات، حيث شعر خاشقجي أن أصحابه التغريبيين مندفعون في الاستقواء بأمريكا لفرض الأجندة الليبرالية على السعودية، ولما ذهب خاشقجي لأمريكا والتقى بعدة مسؤولين وناقشهم عن مدى جديتهم في التدخل للتغيير؛ اكتشف أن الأمريكان لديهم موازنات ويرون من الخطورة التدخل المباشر، فكتب خاشقجي هذه الرسالة الصريحة لزملائه التغريبيين، ونشرها علناً في صحيفة الوطن، وسأنقلها بطولها لأهميتها في شرح الخلاف في الداخل التغريبي حول الاستقواء بالأجنبي، ومدى الاندفاع في العمالة عند أكثر التغريبيين، يقول خاشقجي:
(السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي، أعرف أن ما منكم من أحد سيقر بالانتماء لهذا الحزب المنتشر من الخليج إلى المحيط، ولكنكم ستهتمون بقراءة خطابي هذا، فأنتم بيننا، نتبادل معكم الرأي في مجالسنا ومقاهينا المشغولة هذه الأيام بتلمس مخرج من أزمات تراكمت، ليس لي أن أشكك في وطنيتكم، بل أميل إلى الإيمان بصدق ولائكم من خلال بحثكم عن أمل ولو كان بالارتماء في حضن الشيطان الأكبر، ولكن لم تندفعوا لذلك إلا بعد أن غلقت دونكم الأبواب، وأنتم ترون عالمكم العربي وأمتكم يترديان سياسيا وحضاريا، وفوق ذلك خوف من فتاوى المتنطعين وسطوتهم،  فتعلقتم وقد كتمتم عقيدتكم بحبل أمريكي، ولم يعد يهمكم إن قال قائلهم إن هذا حبل من الشيطان. أيها السادة، لقد جئتكم من أمريكا بخبر يقين، أن لا تتحمسوا كثيرا للوعد الأمريكي، وأن تحافظوا على كل أسباب الوطنية والانتماء، فلا تفقدوا الأمل في إصلاح حقيقي يبعث من داخلكم، فالأمريكيون غير مستعدين لتدخل حقيقي في المنطقة، وفي حالة من الارتباك والحيرة، فلا توجد لديهم خطط مفصلة لنشر ما بشروا به من ديمقراطية و ثقافة رخاء في عالمنا، إنهم متخوفون أن يؤدي تدخل سافر منهم إلى نتيجة عكسية لما يعلنون، ذلك أنهم لم يحسموا أمرهم فيما يفعلون مثلا مع القوى الإسلامية التي يعتقدون أنها ستكون المستفيد الأول من أي انفتاح ديمقراطي وممارسة انتخابية..، حضرت مؤخرا أكثر من لقاء في الولايات المتحدة وخارجها مع أمريكيين، خبراء في الشرق الأوسط، رسميين وأكاديميين متخصصين، أصدقاء ودون ذلك، فوجدت الأكاديميين متشككين في نوايا السياسيين في نشر الديمقراطية في العالم العربي، ومن لم يشك في النوايا غير مطمئن إلى القدرات، فيرد عليهم السياسيون أن الإدارة الأمريكية صادقة في مسعاها ويكادون أن يقسموا على ذلك لشعورهم بمقدار الشك الساخر من حولهم، ولكن عندما تسألهم عن التفاصيل، ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وماذا لو ؟ يعتذرون عن الإجابة مستخدمين آلية " ليس كل ما يعلم يقال "، لذلك أيها السادة "أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي" أدعوكم ألا تلقوا بكل ما في يدكم في السلة الأمريكية، ألا تحرقوا مراكبكم وتقفزوا في الظلام، وادعموا ما هو قائم من مشاريع الإصلاح في أوطانكم، وانخرطوا فيها معتمدين على قدراتكم الذاتية وفق طاقتكم، التي تحددونها أنتم، فما حك جلدك مثل ظفرك) [صحيفة الوطن، 10/2/2004] .أخ


في تقديري الشخصي أن هذه الرسالة الخاشقجية هي "أخطر" رسالة من الداخل التغريبي نفسه تكشف صراع التغريبيين أنفسهم حول "خيار الاستقواء بالأجنبي"، وتلاحظ في هذه الرسالة الصريحة إحساس خاشقجي المتوتر بأن هناك اندفاع بين التغريبيين حيال الاستعانة بأمريكا لفرض التغريب، وخاشقجي يريد طمأنتهم وأنه يتفهم اندفاعهم بأنهم رأو الأبواب مغلقة عن التغيير التغريبي، ثم يخبرهم خاشقجي بأنه زار الأمريكان وتناقش معهم وأخبروه بأنهم لازالوا غير مقتنعين بفكرة التدخل المباشر، وأطرف ما في الموضوع أن خاشقجي يحاول أن يقنع أصحابه التغريبيين بالعدول عن هذا الاندفاع في الاستقواء بالخارج بحجة أن الأمريكان "غير جادين" في مساعدتكم بشكل مباشر، وهذه الحجة التي يعرضها خاشقجي تضمر أخطر مما تفصح، فهذا يعني -طبقاً لمنطق خاشقجي- أن الأمريكان لو كانوا جادين في التدخل المباشر فلا إشكال في الاستعانة بهم!

حسناً .. يبدو أن التفاصيل والاستطرادات الكثيرة السابقة قد تسهم في تبدد الصورة الكلية للموضوع، لذلك دعنا نحاول استخلاص المشهد من جديد:
السفارة الأمريكية تتصل بعدد من المثقفين السعوديين تعرض عليهم تسهيلات وقروض، القنصل البريطاني يمول مركزاً سعودياً لتدريب الفتيات، طالبات في كلية أهلية سعودية ينفذ لهن برنامج للقاء بالرئيس الأمريكي وتلقي توصياته في كيفية التغيير في السعودية، مجموعة برلمانيات بريطانيات يراسلن ليبراليات سعوديات لعرض المساعدة في إلغاء اشتراط المحرم للسفر وإلغاء ولاية التزويج والطلاق ونحوها، جهة أمريكية غامضة تضغط على مجموعة (الإم بي سي) لإعادة الأستاذ عبدالرحمن الراشد لإدارة فضائية العربية، الصحافة الأجنبية توظف مقالات الليبراليين السعوديين لتشويه المجتمع السعودي وتعبئة الرأي العالمي ضده، زوجة السفير الأمريكي تدعم منتدى جدة، السفارة الفرنسية تصمم برنامجاً تدريبياً لمجموعة فتيات سعوديات، الأمير خالد الفيصل يمنح جائزة أجنبية لأنه قام بدور أكثر من المطلوب، ويعقد صفقة فكرية مع قلعة التغريب الأقدم "الجامعة الأمريكيةفي بيروت"، وترشحه دورية أمريكية نافذة كملك مستقبلي في السعودية، وباحثين أمريكيين رفيعي المستوى يحذرون من زيادة الدعم لئلا يتشوه التغريبيون في مجتمعاتهم باعتبارهم "عملاء"، وأخيراً .. خاشقجي يوصي أصحابه التغريبيين بأنه ناقش الأمريكان واكتشف أنهم غير جادين في التدخل المباشر!

هذا طبعاً جزء من الوثائق والأحداث التي انكشفت مؤخراً حول العلاقة العضوية الوثيقة بين (الغربيين) و (التغريبيين) السعوديين، دعونا نسجل عدداً من الهوامش الختامية حول هذه الظاهرة المعقدة:

يبدو لي أن أخطر نتيجة لهذه الظاهرة هي استنزال العقاب الإلهي، الذي قد يكون بحلول النقمة في الدنيا قبل الآخرة، بأن يحرمنا الله –مثلاً- من هذه النعم والبركات والخيرات التي تفجرت بها أرض هذه البلاد بسبب عدم شكر هذه النعمة، كما قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل، 112].

ومن أصعب نتائج هذه الظاهرة أن هؤلاء التغريبيين الذين قبلو بلعب دور "العميل" والتعاون مع السفارات والقنصليات ومراكز البحوث الغربية ضد بلدانهم؛ أنهم يمثلون خطراً أمنياً محدقاً يهدد استقرارنا السياسي، حيث أصبحوا مجسات ينفذ من خلالهم الأجنبي إلى الداخل السعودي، فهم في النهاية "أدوات للاستعمار طويل الأجل"، وهذه عادة التغريبيين في التاريخ كما لاحظ ذلك رائد العقلانية العربية الأستاذ (جمال الدين الأفغاني) حيث يقول:
(علمتنا التجارب، ونطقت مواضي الحوادث؛ بأن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها؛ يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها)[الأفغاني، العروة الوثقى، ص59]

وهذه الظاهرة ليست جديدة على التاريخ الإسلامي أصلاً، فقد أخبرنا الله جل وعلا عن كثير ممن هم داخل المجتمع المسلم ويتعاونون مع أعدائه، كما قال تعالى (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [التوبة، 47]، ووضح لنا القرآن أنهم يستقوون بالأجنبي خشية على أنفسهم كما قال تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) [المائدة، 52]، ووضح لنا القرآن –أيضاً- التركيبة النفعية/البراجماتية لهذه الشريحة، فهم يستقوون دوماً بالطرف الأقوى، وليس لديهم انتماء عقدي حقيقي لمجتمعهم كما قال تعالى (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء، 141]، ونظائر هذه الآيات لا تخفى بإذن الله.

وهذه النظرة ليست خاصة بالإسلاميين، بل كل المفكرين الأحرار في كل الأمم المعاصرة يعتبرون التعاون مع الأجنبي ضد البلد (خيانة وطنية)، ومن المشاهد اليوم أن الليبراليين السعوديين يدفعون اليوم باتجاه تطبيع مفهوم الخيانة الوطنية.

ومن توابع ظاهرة (العمالة التغريبية) أنها تمنح تيار (غلاة التكفير والعنف) ذرائع لتعبئة الشباب المسلم ضد مجتمعه، وتصويره بأنه مجتمع فاسد، واستقطابه للأعمال المسلحة، وهذا ليس توقع، بل هذا واقع، فقد زرت وطالعت عدداً من مجلات ومواقع غلاة التكفير والعنف ولاحظت أنهم يحتجون بتصرفات التغريبيين على شرعية جرائمهم، وهذا لا يعني صحة احتجاج الغلاة، ولكن يعني وجوب قطع الطريق عليهم.

ومن أهم جرائم هؤلاء التغريبيين تشويههم لصورة أرض الحرمين وجزيرة الإسلام ومنطلق دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتوظيف الإعلام الأجنبي لمقالاتهم لتعبئة الرأي العالمي ضد الواقع الشرعي في المجتمع السعودي.

ومن الكوارث التي صنعها هؤلاء التغريبيون أنهم حطموا (الإبداع الثقافي) في السعودية، فالشاب المتطلع للثقافة منذ أن ينتمي إليهم تجده تدريجياً يذبل عنده حس الإبداع، وينمو لديه حس التقليد والتبعية والهزيمة النفسية للأجنبي، ويتحول من عقل يفكر إلى يدين تصفق للغربي فقط، وهذه ليست ملاحظة من جهة الإسلاميين، بل هذه حالة لاحظها مفكرون خارج التيار الإسلامي، ومنهم المؤرخ العروبي المعروف فهمي جدعان، ففي ثنايا تأريخه للفكر العربي المعاصر رمى بملاحظة مليئة بالدهشة، حيث يقول:
(والذي يثير الاهتمام لدى الكتاب التغريبيين -من المصريين خاصة- هذا الانقياد الكامل العجيب للقيم الغربية، وهذا الغياب المطلق لكل روح نقدية بإزاء هذه القيم، فلقد اشتعلت رؤوسهم ذكاء ونقداً للمدنية العربية الإسلامية؛ بينما تقلص هذا الذكاء تقلصاً كاملاً بإزاء المدنية الغربية التي كانت تلاقي في عقر دارها في الفترة نفسها انتقادات لا ترحم) [جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام، ص 331، دار الشروق]

ويهمني هاهنا التأكيد على أنه يجب أن لا نبالغ في تقدير حجم الليبراليين والتغريبيين، فهم مجرد "شرذمة" تعاني أصلاً من نبذ اجتماعي، ولن يتم لهم بإذن الله ما يصبون إليه، وقد لاحظت أن التغريبيين والليبراليين يحرصون دوماً على إشاعة انطباعات عن سعة شريحتهم، بهدف كسر المقاومة النفسية لدى المتلقي، وهذا كله تزييف، بل إنني أتوقع لهؤلاء التغريبيين أو الليبراليين (نكبة سياسية) قريبة بسبب اندفاعهم في الاستقواء بالأجنبي وافتضاح عمالتهم لقوى خارجية مشبوهة.

ومن الأمور اللافتة أن التغريبيين يفرحون بوقوع أعمال عنف في السعودية، لأنهم يجدونها فرصة للتأليب على الواقع الشرعي في السعودية، والحقيقة أن هذا أسلوب فاشل، فالناس جميعاً يعرفون أنه لم يقطع فتنة غلاة التكفير والعنف إلا العلماء والدعاة، وليست الصحافة الليبرالية، فعلماء ودعاة أهل السنة هم الذين بينوا ودللوا ونصحوا في دروسهم وخطبهم وفتاواهم عن انحراف غلاة التكفير، وأن أفعالهم تدخل في مفهوم (الفساد في الأرض) الذي ذكره القرآن في بضعة مواضع، بل العلماء والدعاة وقع عليهم من أذى هؤلاء الغلاة أضعاف ما وقع على المجتمع، فأتذكر قبل عدة سنوات أنني تناقشت مع أحد هؤلاء الغلاة، فزودني برابطين، أحدهما عن ابن باز والآخر عن سفر الحوالي، وفيهما من تضليل الشيخين والاستهتار بهما والتلويح بتكفيرهما ما لا تطيقه أقوى النفوس، ولم أكن أتوقع حينذاك أنهم وصلوا إلى هذا المستوى، ولذلك كانت دهشتي عالية، وقلت في نفسي إذا كان هذا قولهم عن الشيخ ابن باز والحوالي فما هو قولهم عن غيرهما؟!

وأما أنجع وسيلة لمقاومة هذه الظاهرة التغريبية فهي بكل اختصار (القرآن)، فهؤلاء التغريبيين حتى لو كان معهم سفارات وقنصليات وبرلمانات غربية، فنحن معنا (القرآن)، والقرآن أقوى من هؤلاء ومن وراءهم، ولذلك قال تعالى لنبيه (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان، 52] وقد نقل أهل التفسير عن ابن عباس أنه قال أي جاهدهم بالقرآن.
وأمر الله أن تكون النذارة بهذا القرآن فقال تعالى:
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) [الأنعام، 19]
وأمر الله أن يكون التذكير بالقرآن فقال تعالى:
(فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) [ق،45]
ولما أرسل الله موسى إلى فرعون وذكر موسى لربه بطش فرعون وجبروته قال له ربه جل وعلا (قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) [الشعراء، 15].

ومن وسائل الجهاد بالقرآن أن ينتدب طلبة العلم أنفسهم لعقد الدروس العامة والخاصة على الناس في (تفسير آيات الفضيلة) مثل:
مبدأ القرار (وقرن في بيوتكن)، والحواجز بين الجنسين (فاسألوهن من وراء حجاب)، ومنع إلانة الصوت (ولا تخضعن بالقول)، ومنع التبرج (ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وضرب الخمر على الجيوب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، وإدناء الجلابيب (يدنين عليهن من جلابيبهن)، ومنع إبداء الزينة (ولا يبدين زينتهن)، ومنع الأصوات التي توحي بحليهن (ولايضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، والأمر بغض البصر (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)، وبيان مقصد طهارة النفوس من التعلق بين الجنسين (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، وتثمين حياء المرأة حتى في مشيتها (وجاءته إحداهما تمشي على استحياء)، وأمثال هذه الآيات العظيمة، وخصوصاً إذا انضم لذلك نظائرها من نصوص السنة مثل جعله -صلى الله عليه وسلم- فتنة النساء هي أضر فتنة، وتحذيره من الدخول على النساء، وقوله الحمو الموت، ومنع سفر المرأة بلا محرم، ومنع التعطر في الطريق، واستشراف الشيطان للمرأة إذا خرجت، وترك النبي مصافحة النساء، وقوله طوفي من وراء الرجال، ومنع الخلوة الخ الخ، وهذه النصوص ونظائرها لو جمعت في رسالة واحدة، ووضعت الدروس في تفسيرها وتوعية الناس بها، وتعميق حضورها في وعيهم، وأن يوضح لهم أن هذه المنظومة من النصوص تتضمن معنى كلي قطعي وهو: أن مقصود الله جل وعلا في العلاقة بين الجنسين هو التحفظ والصيانة وسد الذرائع، ولا يشك في ذلك من يقرأ أمثال هذه الآيات في كتاب الله وهو صادق في طلب الحق.

وفي رأيي أن يجب التركيز على (تفسير آيات الفضيلة) لأن المشروع التغريبي صب وقوده الأساسي في ملف المرأة، فهناك زحف تغريبي منظم لسلخ أحكام القرآن والسنة عن المرأة، واستبدالها بالمفهوم والتصور الغربي عن المرأة ودورها في الحياة، فيجب أن لا نستسلم لهم، ولن يحرقهم مثل عمارة النفوس بالقرآن.

والله تعالى أعلم.
ابوعمر
ليلة عاشوراء 1432هـ