السبت، 25 ديسمبر 2010

إسلام مايطلبه المستمعون والداعمون .. لسليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فمما حفظته عن الشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله أنه كان يذكر عن ناسٍ من أهل زمانه , ممن ينتسبون للعلم في بعض البلدان المجاورة , وأنهم كانوا يقولون , أو يقال في حقِّهم : " إدفع فرخة وخذ فتوى " , وكان الشيخ رحمه الله يذكر ذلك على سبيل التشنيع , والحقُّ أنه شنيع , وذلك لأن مقام العلم أعظم من أن يُبتَذل إلى هذا الحدِّ الدنيء , وإذا كان الله فضَّل بالعلم الكلب المعلَّم على غيره من الحيوانات , فكيف بغيره ممن فضْلُه عليه ظاهر متقرر , بل كيف بمن علَّمه الله أشرف العلوم وأفضلها , مما أشار إليه ابن أبي العزِّ الحنفي رحمه الله بقوله في مقدمة شرحه للطحاوية : ( فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ ، إِذْ شَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ . وَهُوَ الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِقْهِ الْفُرُوعِ ، وَلِهَذَا سَمَّى الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رحمه الله تعالى - مَا قَالَهُ وَجَمَعَهُ فِي أَوْرَاقٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَحَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ حَاجَةٍ ، وَضَرُورَتُهُمْ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ , لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ ، وَلَا نَعِيمَ وَلَا طُمَأْنِينَةَ ، إِلَّا بِأَنْ تَعْرِفَ رَبَّهَا وَمَعْبُودَهَا وَفَاطِرَهَا ، بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَيَكُون مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِمَّا سِوَاهُ ، وَيَكُون سَعْيُهَا فِيمَا يُقَرِّبُهَا إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ . ) , مما لو دوَّنَّا في ذكر مناقبه ومآثره , وفضل تعلُّمه وتحصيله المجلدات الضخمة , ذوات الحجم والعدد , لما أتينا على بعضها , فكيف يمكننا أن نأتي عليها جميعها بمقالة عابرة , أو أسطر متناثرة , ولكن يكفينا أن نعلم أن هذا العلم نور , وأن ( من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) , وأن الله تعالى قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ( أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة و فضل في علم خير من فضل في عبادة و ملاك الدين الورع ) , وأنه ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) , وأن الله تعالى يرفع أهل هذا العلم ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) , وذلك لما يقع منهم من خشيته سبحانه وتعظيمه , كما في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) , وقوله سبحانه : (  إنَّما يخشى الله من عباده العلماء ) , وكلما زادت معرفة العبد بربه , زاد قربه منه , وتعظيمه له وخشيته , ومهما لاحت له الدنيا , أو لمع بين عينيه بريقها , أو ناداه منادي الفتنة , فإنه يتذكر أن بينه وبين الله عهد وميثاق , قال الله عنه : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) , فحينها يطَّرح الحطام الفاني , ويقبل بلهف على موعود الله الذي لايتخلف ولا يزول ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ  ) إلا من كانت نفسه ضعيفة , وكانت رغبته مشوبة بشائبة دنيوية , أو كانت نظرته دونية , وكان جمعه لهذا العلم لأسباب غير شرعية , أو تحوَّلت نيَّته بعد أن كانت صافية إلى ما يُكَدِّرها , فإن هؤلاء يُحرمون الخشية والقرب , ويُوكلون إلى ما اشتهته أنفسهم من أمر الدنيا , ويبقون ما بقوا على حالهم وقد جمعوا بين مقت الله لهم في الدنيا , والتهديد بوعيد الآخرة , لأنه ( مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ ) , وهؤلاء سرعان ما ينقلبون على الحق , ويتنكَّبون الجادة , وينقضون العهد , ويشترون به وبكتاب الله ثمناً قليلاً , وهم من قال الله تعالى فيهم : ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) , وقال فيهم سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ), وقال أيضاً : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) , وهم مهما علت منزلتهم في أعين الرعاع , ومهما كانت سمعتهم في الأصقاع , ومهما بلغ من أمرهم مابلغ , فهم عند من يعلم السر وأخفى بأحط المنازل , وأخس المواقع , وإن شئت فاقرأ قوله جل في علاه : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ ) , وقوله سبحانه : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .
كنت أعجب مِن حال مَن ذكرهم الشيخ عبدالرحمن رحمه الله , وأقول في نفسي : كيف يزهد هؤلاء بهذا الإرث النبوي , ويخونوا الميثاق الرباني , وكنت أُعْظِم هذا وأُكْبِرُه , وأقول لعله لايصل بنا الحال إلى هذا السوء , فقد كنت أتصوَّر أن يحجم العالم عن قول الحق طمعاً في لعاعة , أو رغبة في جاه , ولأن أكثر ما سيقال عنه أنه ساكت , وقد قيل : لايُنسَب لساكت قول , وإن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس , إلا أن هذا الشيطان أضحى رحمة عند شياطين تحركت رحى الزمن , ودارت دورة الأيام , وحقَّت السنن , فخرجوا علينا ينطقون بالزور , ويلبسون الحق بالباطل , ويَضِلون ويُضلون , ويضربون المحكم بالمتشابه , ويُنقِّبون عن شذوذات الآراء والمذاهب , فيجعلونها عمدة الأقوال , ومسلك المحققين , ويُفتون للناس بما تهواه نفوسهم , ويرون إليه ميل قلوبهم , وبما يضمن للمفتين الجماهيرية , وكثرة الأتباع , حتى انقلب هؤلاء المفتون على ماكانوا يعلمونه , وصاروا يفتون بغير ما حفظه الناس عنهم في سالف عهدهم , وكأنه قد نزل عليهم وحي من السماء ينسخ ماكانوا يرونه الحق الذي لامرية فيه , وماهي والله إلا الفتنة أعاذنا الله منها , وزيغ القلوب كفانا الله شرَّه , ولأن الشيطان هو من يقف وراء تلك الانجرافات والتقلبات , فقد كان من مكره أن لبَّس على بعضهم بأن مايفعله من باب دعوة الناس للخير , وترغيب الناس بأمر الشريعة , ومزاحمة سبل الفساد , ويُسر الدين , والتيسير على الناس , والبعد عن الجمود , وحتى لا يُتهم ديننا أو يُنفَر منه , ولاختلاف الزمان والمكان , وللتناسب بين الدين ومتطلبات العصر والمرحلة , وغير ذلك مما يتكرر سماعه وترداده .
إنه لولا خشية أن ينشغل القارىء بغير ما أرمي إليه في مقالي , أو أن يستغله بعض أتباع هؤلاء المتكسِّبين بالدين ليحولوه إلى نزاع شخصي , لسُقْت بالأسماء وقائع لبعض هؤلاء الزائغين عياذا بالله , وكيف أنهم رضوا بأن يبيعوا دينهم بِعَرَضٍ من الدنيا قليل , ليس أولهم ذلك الذي استكتبته صحيفة محلية , وحين جاء وفد السوء فيها ليفاوضه , وقد كان يطمع أن يُعطوه ثلاثة آلاف ريال , فلما أخبروه أنهم سيمنحونه تسعة آلاف ريال , وبدل سكن وسيارة , كاد أن يُغمى عليه من الدهشة الممزوجة بالفرح , وقد ذكر تلك القصة بنفسه لمن جاء مناصحاً له من أصحابه السابقين , فلما أن قال له صاحبه : أتبيع دينك لأجل الدنيا ؟ , قال : لست أول من فعل ذلك , وانظر إلى فلانٍ وفلانٍ , وسمى أشخاصاً بالاسم .
كما لن يكون آخرهم ذلك الذي قبض مقابل بعض شذوذاته ملايين معدودة وهبها له أحد رموز الشر , الذين نذروا أنفسهم لدعم مراحيض الفساد , ومعاطن المنكر , ممن ابتغوا الفتنة , وقلَّبوا الأمور , فصار هذا الشاذ عبداً له , لايلوي على شيء يريده سيده المفسد , ونزع لأجل المال وفتنته جلباب الحياء , وخلع رداء الخشية , وصار الله في عينه أهون الناظرين إليه , واشرأبَّ عنقه لذلك البرمكي السافل , فانقطع رجاؤه إليه , وتعلَّق أمله به .
ولا ذلك الذي يعجب العجب من أعاجيبه , فتارة يقرر المسألة , حتى يكاد يُخرج من الإسلام من يقول بغيرها , بل يخال لك أنه لو امتُحن فيها كما امتُحِن الإمام أحمد رحمه الله لما كان له أن يقول بغير ما قال , ثم تراه بعد أن ذاق عُسيلة المال , ورأى أنه قد يكون قاب قوسين من الجاه أو المنصب , انقلب يؤصل لضد ماكان يقول به , وبحماسة أقوى من حماسته السابقة , وصار يصول ويجول في تقرير المنكر , والتقعيد للفتنة , ومحاولة تسويقها بما يزعم أنه أسلوب علمي , ومناقشات رصينة , وماذاك إلا ليحفظ ماء وجهه في حالتيه المتناقضتين , ونسي أنه أراقه لغير الله , وأنه مهما حاول واحتال , وبرز هنا أو خرج هناك , ومهما استضافته الصحف والقنوات , ومهما صدَّروه وأبرزوه , فلن يصنع شيئاً , والله لايصلح عمل المفسدين , وهذا وأضرابه أول من يُفسح لهم في مزابل التأريخ , وتلعنهم الأجيال في الدنيا قبل الآخرة .
ولا ذلك الذي لا أجد شبيهاً له إلا وضَّاع الأحاديث , الذي كان إذا قيل له : لماذا تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ , قال : أنا أكذب له ولا أكذب عليه , إنه ذلك الشيخ الذي كان بزعمه يلعن الظلام , فتنبَّه إلى أنه يسير في الاتجاه غير الصحيح , فقال : بدلاً من أن ألعن الظلام فعليَّ أن أوقد شمعة , هكذا زعم , وعلى احتمال حسن الظن فيه , وأنه قصد مزاحمة الشر بشمعته , فمن المنطق أن يكون وقود تلك الشمعة التي أوقدها من ذات الطاقة التي كانت تحرِّكه , ولأجلها قام , وبسببها كسب محبة كثير من الناس وثقتهم , أما أن يكون وقودها من طاقة ذلك الظلام , أو من طاقة مغايرة للطاقة التي كانت تُحرِّكه , فهذا مما يعني أنه يرفع شعاراً لاحقيقة له , وأنه يساهم في اتساع رقعة الظلام , بل ويمنح ذلك الظلام ثقة وقابلية , وأن شمعته التي أوقدها ليست إلا شمعة لفتنة الناس وصدِّهم إنْ بقصد منه أو بغير قصد .
إن الشمعة التي يحسن إيقادها لتقليص دائرة الظلمة , هي الشمعة التي تعيد الناس إلى المنهج القويم , وتربطهم بكتاب ربهم , وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم , وتجعلهم أعزة بهذا الدين , وليست تلك الشمعة التي تبيح لهم كثيراً مما استقرَّ في أنفسهم حرمته ونكارته , وتوسِّع عليهم دائرة المباحات لينفذوا منها إلى المحرمات , ولا تلك التي تحكي الخلاف لتضع السامع أمام خيارات لاحرج عليه بفعل أحدها , ولا بتلك التي ترى الشرَّ المحدق ببعض المشاريع , وترى التغريب يفوح منها , ثم يكون الموقف منها بارداً , بل يتعدى إلى أبعد من ذلك بأن يقال : لننظر إلى النصف الممتلىء من الكأس , بينما لو كان الحديث عن عمل تطوعي احتسابي , قامت به فئة من الأخيار الأخيار , أو عن بعض أخطاء المحتسبين والمتدينين , لكان النظر إلى النصف الفارغ من الكأس , ويجب ألا نخاف من النقد .
إن الشمعة التي تزاحم الظلام هي التي يقال فيها الحق واضحاً لالبس فيه , وينكر فيها المنكر دون تردد , وليست تلك التي تُميَّع فيها قضايا الدين , ويُمزج فيها مع كثير الشر قليل من الخير , فلا هو بالذي نقَّاه وصفَّاه , ولاهو بالذي تميَّز عنه ليعرفه الناس , أو تلك الشمعة التي يفرح فيها أعداء هذا الدين , ويمتدحونها , ويرون فيها غاية المراد لترقيق الحق في قلوب الخلق , وذلك لأنها لم تسلب الأعداء مكتسباتهم , ولم تزد في رصيد خصومهم شيئاً , بل كان ريعها ومكسبها لحامل تلك الشمعة وحده .
إنها الشمعة التي تزيد الأتباع رسوخاً وثباتاً , لاتلك التي تُخضِع الحكم العام للاستثناءات , فلأجل حالة فردية تقع في النمسا أو السويد , يُمنح الأتباع حكماً عاماً مستنداً إلى خلاف فقهي قديم , يتلقفه المتابعون بالقبول , فيتحول الاستثناء إلى عامٍّ , فبدل أن يكون السائل عنه واحداً , أضحى الفاعل له بمئات الآلاف , وهذا مما يرقق الدين في نفوس الناس , ويدفعهم للوقوع في الحمى والرتوع فيه .
إنها الشمعة التي لاتبالغ في نقد منهج الممانعة , ولا تنساق لاهثة خلف البدائل , لأن أعداء الملة لاينفكون يكيدون لهذا الدين بكل وسيلة , وإذا كنا سننظر إلى كل وسيلة يستحدثونها , ثم نبحث عن بديل لتقليل خطرها , فإننا سنجد أنفسنا بعد حين , وقد أوشكنا أووقعنا في المحرمات من حيث نشعر أولانشعر , ومن تأمل واقع النشيد الإسلامي , والتمثيل الإسلامي , وغيرها مما هو في معناها , وما آل إليه أمرها , أدرك أن اللهث وراء البدائل ليس محموداً على إطلاقه , بل يجب أن تكون البدائل مضبوطة بضابط الشريعة , فإن تجاوزتها , أو توسَّع أصحابها في أمرها , فيجب حين إذن أن نحجز الناس عن المنكر , فإن قيل : فماالبديل ؟, فيقال : أنت عبدلله , تفعل ما يأمرك به , وتجتنب مانهاك عنه , فإن وجدت في دين الله مباحاً يحجزك عن فعل المحرم فذاك , وإن لم تجد , أو كان مما لاتميل إليه نفسك , فتذكر أنك عبدٌ , وأن عليك طاعة سيِّدك , ولزوم أمره , أما أن ينشغل العالم أو المفكر بالبحث عن بدائل ليلهي الناس بها , زعماً منه أن ذلك سيصرفهم عن اللهو المحرم , حتى إذا تكشفت الحقائق , وانجلى غبار المعركة , وإذْ بهذه البدائل قد اشتملت على محرمات من جنس ما كان يلهو به الناس , فأصبح هذا وأضرابه كحال القائل :
كأننا والماء من حولنا   ***   قوم جلوس حولهم ماء
ومن شاهد واقع بعض المسلسلات البديلة , وما اشتملت عليه من محرمات , وكيف استغل أرباب تلك القنوات أسماء بعض المفكرين والمشايخ , للترويج لهذا العمل , وجد أن البدائل تحتاج إلى ضبط , وأنه لايكفي فيها حسن القصد , كما لايكفي فيها إحسان الظن , بل ويجب معها الفطنة , وقطع الطريق على مريدي السوء , مع مراعاة أنه لايُعفى أحد من المسؤولية بحجة أنه دوره كان مقتصراً على المراجعة للمادة , وذلك لأنه يعلم أن هذه المادة سيتمل تمثيلها بكل أدوارها , وأن أدوارها تشتمل على بعض مايجب تحديد طريقة عرضه , أو السؤال عن كيفية عرضه قبل إجازته , فإن كانت الطريقة مشتملة على محرم أحجم , وإلا فهو شريك في الإثم .
إنها الشمعة التي تَخضع لأحكام الشريعة , ولاتحاول إخضاع أحكام الشريعة لما تميل إليه النفوس , ويطلبه المستمعون والمشاهدون , ومن أمثلة ذلك , ما يقع عند تقرير بعض المسائل من الاستشهاد بما كان يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , مما يدعم ما قرره من رأي في المسألة , وإذا ذُكِّر باختلاف الحال , وتغير الزمان , قال : هن نحن أزكى وأطهر وأغير من مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم , بينما لو قابلته بما يخالف قوله في مسألة أخرى , وذكرت له ما عليه واقع المجتمع النبوي , لرأيت منه حيصة ونفوراً , وصار يذكر لك من اختلاف الناس , وتغير الزمان , ويُسر الإسلام , وخلاف الفقهاء , ما يجعلك تؤمن أن احتجاجه بواقع العهد النبوي ليس إلا لنصرة رأيه , وأن التأسي لم يكن مقصوداً .
ولولا خشية الإطالة لكتبت في صور هؤلاء ما يدمي الفؤاد , ويسيل بدل الدمع دماً , وذلك لما آلت إليه أمور أناسٍ أحسن الناس فيهم الظن , وأمنوهم على دينهم , وهو أغلى مايملكه العباد , فصاروا يبيعون أديان الناس بعرض من الدنيا قليل , وصاروا يفتنونهم بالشبهات , ويوسعون عليهم دائرة الخلافات , وينقلون لهم الشذوذات , حتى لاتنفضَّ الناس عنهم , فيفقدوا بذلك الجماهيرية , أو يخسروا أعلى نسبة للمشاهدة , فتزهد فيهم القنوات المستضيفة , أو يوصفوا بالتشدد والانغلاق , من قبل جنود الشيطان في الإعلام , أو لأجل ألاَّ يربط الناس بين واقعهم المناقض للحق , الذي علمته نفوسهم , واستيقنته قلوبهم , ولكن زاغت عن النطق به ألسنتهم , مما يفضحه ما أثِرَ عنهم ولازال محفوظاً , فخضراء الدمن , وقنوات العهر mbc , كانت شرَّا , وازدادت شرَّا , فمالذي جعل الرأي تجاهها مختلفاً وهي تمعن في الشر وتزداد ؟ .
إنه لا يخفى على متابع اليوم , أننا في زمن غربة , وأن زمننا هذا يشبه الزمن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) , بل إنك حين تقرأ ما رواه البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه حين شكوا إليه ما يلقون من الحجاج فقال لهم : ( اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ) ثم تقرأ ما رواه الترمذي رحمه الله عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : ( هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ) فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن ؟ , فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا , فقال : ثكلتك أمك يا زياد , إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة , هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم ؟ , قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت قلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء ؟ , فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء , قال : صدق أبو الدرداء , إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس , الخشوع , يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا ) , فإنه يتبادرإلى الذهن سؤال عاصف : إذا كان هذا خوف سلف الأمة من أن ينتزع العلم في زمانهم فماذا يمكننا أن نقول عن زماننا ؟ .
إنك وأنت تسمع من يحوِّل المسائل الاعتقادية إلى مسائل يتسع فيها الخلاف , أو يبيح فعل بعض الموبقات لمصلحة الدعوة , أو يدفع الناس للفتنة في أفكارهم وأخلاقهم تحت ذريعة تحصيل العلم , أو يحثهم على خوض نوادي المنكر بحجة مزاحمة الشر , دون أن يشترط لذلك شروطاً تحصينية , أو يُكلف نفسه المطالبة بتصحيح تلك النوادي , أو يتساهل في أمور يعلم أن سؤال الناس عنها ليس إلا من قبيل " حط بينك وبين النار مطوع " , ثم يرضى لكي لاتنصرف وجوه الناس عنه , أن يكون ذالك المطوع الذي يتقون به النار , أو إذا سئل عن مسألةٍ مَّا أجاب بإجابات عائمة , لايؤخذ منها حكم شرعي يمكن أن ينسب إليه , ولكنها في الوقت نفسه تكسر حاجز الهيبة لدى المستفتي , وربما تجرَّأ  على فعل ما أحجم عنه حتى يرى حكم الشرع , أوجعل من نفسه حجيجاً عن أهل الباطل , مدافعاً عن باطلهم , فاتَّا في عضد أهل الغيرة , متهما لهم بالتسرع والعجلة , وإن أظهر على استحياءٍ مدحه لغيرتهم وحماستهم , لكي ينقلب عليها عقيب ذلك بأنها غير منضبطة , أو من يعمد إلى كلام أهل العلم المؤصل بالدليل القاطع , والبرهان الساطع , فيشاغبه بالقوانين والمواثيق الطاغوتية , أو يحاكمه للواقع الجائر , أو يتخذ منه سلَّما للتحريش والاستعداء , أو يضربه برأي غيرهم ممن لم يَبْنِه على دليل صحيح , وإنما ارتكز فيه على تخرصات وتخوفات , لاتستند إلى نظر صحيح , ولا إلى رؤية ثاقبة , أو من يحاكم دين الله إلى واقع الشعوب , كالذي يقول : إن كل المجتمعات تفعل هذا فهل هم على ضلال ونحن الذين على الحق ؟ ,  وهذا لو قلت له : إن كل المجتمعات لاتُحكم بشريعة الله بل بالقوانين الوضعية ونحن وحدنا الذين نتحاكم إلى الشريعة فهل نحن على ضلال ؟ , لأجابك بما ينفي أنك على ضلال , لكنه لايرضى بأن تكون شبهته زائفة لأنه أراد من خلالها طمس الحق , أو غير هؤلاء ممن ابتليت بهم الأمة أعظم بلية , فصار الأمركما في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان ) ,  ممن يتخوَّضون في كتاب الله وشريعته بالآراء , ويعدلون عن المحكم للمتشابه , ممن قال الله فيهم : (  هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) .
أقول إن من يسمع لهؤلاء , وعن واقعهم , ليدرك أننا في عصر يمكن أن يقال عنه بأنه عصر " إسلام ما يطلبه المستمعون والمشاهدون والداعمون " , وذلك لأنه لن يعدم من يبحث عن الرخصة , من صغير أو كبير , أو أمير أو وزير , أو وجيه أو نافذ , أو ذكر أو أنثى , من يستخرج له من بطون الكتب , وخفيِّ الآراء , ما يوافق نهمته , ويبيح رغبته , وذلك على قاعدة الضُلاَّل " لا إنكار في مسائل الخلاف " , التي لو صحَّت , وجاز العمل بها , لانطمست معالم الشريعة , وهدمت قواعد الدين .
وختاماً : فإني أعوذ بالله من الفتنة , وأسأل الله تعالى إذا أراد بعباده فتنة أن يقبضني إليه غير مفتون , ولم أرد بطرحي هذا النيل من أحد بعينه , وإنما لتكاثر ما نسمعه من ترقيق الدين , من قبل بعض المنتسبين إليه , وجريانهم خلف الجماهيرية , وتسابقهم في فتح أبواب التساهل على الناس بحجة الخلاف , مما أفسح المجال لجنود الشيطان في الإعلام , ومنحهم العذر والذريعة لإخضاع أحكام الشريعة للمناقشة والمحاكمة  , بل بالغ بعضهم حتى وصل إلى درجة السخرية والاستهزاء , وكثير منهم حين تعترض عليه مستنكرا فعله , يبادرك الاستشهاد بأن هذا رأي فلان وفلان , ممن فتحوا له المجال من حيث شعروا أولم يشعروا للطعن في الشريعة , والجرأة على مقامها .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
19 / 1 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي تحت هذا الرابط :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق