الاثنين، 28 فبراير 2011

هذا بيان للناس " اللُّحمة اللُّحمة " لسليمان الدويش



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فلايخفى على أحد أن الإصلاح مطلب العقلاء وأهل الرأي , بل هو رسالتهم , وبه تميزوا عن غيرهم , ولعظم شأن الإصلاح , وسمو رسالته , تلبَّس به المنافقون , ليتستروا بنقاء وجمال مظهره , فيمرروا من خلفه مايبطنون من السوء والفساد ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ) , ولكن هيهات هيهات , فالإصلاح الحقيقي كالغيث ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) , في حين يُصوِّر الله مايتمظهر به المنافقون من دعاوى الإصلاح , حتى وإن لبَّسوها على الناس بلبوس خدَّاع , أو أقسموا بأنهم ما أرادوا بها إلا الحسنى ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ )  , بأنها كالزبد , الذي لايمكث في الأرض , ولاينفع الناس .
إنني على يقين بصحة كثير من مطالب الإصلاح التي يتحدَّث عنها الناس اليوم , أو تلك التي كتبت عنها العرائض والبيانات , أو تلك التي يتهامس أو يتنادى أو يتجاذب الحديث عنها فئام من الناس ,  هنا وهناك , أو في المجالس الخاصة , وكثير من المجالس العامة , أو المنتديات , أو مواقع التواصل , أو غيرها مما هو قائم , لكن الإقرار بصحة كثير من هذه المطالب , والاعتراف بأنها حق من حقوق المنادين بها , وكذلك الإقرار والاعتراف بجوانب القصور والخلل , والفساد وسوء استغلال السلطة , وتقليد غير الأمناء لمقاليد الأمور , ونحو ذلك مما سبق الحديث عنه , أو ماينتظر دوره للبيان والتوضيح , كل ذلك يجب ألا يُنسينا أن الأمر أعقد مما نتصوَّر , وأن منطق الحكمة والعقل , يحتِّمان علينا أن نجعل حديثنا اليوم عن اللُّحمة , واجتماع الكلمة , وأعني باللحمة التي ليس من شرطها أن نداهن في الحق , أو نُقرَّ السوء , كما ليس من لازم عدم المداهنة عدم الالتفات للأولويات , ومراعاة المصالح العامة , وتقديمها على المصالح الشخصية .
إن المتأمل في المطالب التي يجري الحديث عنها اليوم , يرى أنها ليست وليدة اليوم , وهذا لايعني أن الحديث عنها يسقط بالتقادم , لكنه يضعنا أمام سؤال مهم : مادامت ليست حادثة وإصلاحها يتطلب وقتاً وجهداً فلماذا الحديث عنها الآن تحديداً ؟ , أتمنى ألا يأتي أحد ليقول : ومالمانع أن نتحدث عنها الآن ؟ , لأني لا أرغب أن أجيبه بـ : هل هذا استغلال للأزمات ؟ , أم هو محاولة للضغط والإحراج ؟ , وهذا هو ما أردته حقيقة , فنحن كمجتمع مسلم , نختلف عن سائر المجتمعات , ولبلدنا من الخصوصية والاعتبار , مايجعلنا نُفكِّر بتفكير مغاير , لاسيما ونحن نرى العالم يُتخطَّف من حولنا , والعدو يتربَّص بأمتنا , وعينه على مصالحه الخاصة , والعين الأخرى على الإسلام , وكيف السبيل للقضاء عليه وعلى أهله .
إن مايدور حولنا اليوم , وإن كان في بعضه عفوياً , إلا أنه أمر لايخرج عن مكيدة سابقة , ونيَّة مبيَّتة , وليس هذا أخذاً بنظرية المؤامرة , بل ماصرَّح به ساستهم , وتنادت لأجله مؤتمراتهم , وحوته وثائقهم , يدل دلالة واضحة على هذا , ويشهد له العزم المدعوم بالعمل , لتقسيم المنطقة , وبث الخلافات فيها , وإضعاف الدول , وإشغالها بأنفسها , وذلك بعد أن أدرك العدو أن الاستعمار العسكري لايصنع شيئاً , وأن الاحتلال تحت أي ذريعة يوقع في مخاطر أكبر على المحتل .
لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذه القضية , كما لاأريد أن يفهم بعض الناس أنني ضد المطالبة بالحقوق , أو أنني أقف في صف الأخطاء ومرتكبيها , لكني أعلم أنَّ تأثُّرنا بما نراه , ومحاكاتنا له , ومحاولة استغلال مايدور من حولنا , مع عدم إدراك الفوارق , وما تنطوي عليه تلك الفوارق من بوائق , سيكلفنا كثيراً , وسنخسر بسببه أكثر مما نسعى لربحه , والسلامة لايعدلها شيء .
أعلم أن هناك من سيتهمني بالمداهنة , أو سيظن فيَّ أنني قد ضمنت حقي , وحصَّلت كما يقال مبتغاي , ولأجل هذا فلم يعد يهمني أحد سواي , أو غير ذلك من العبارات , التي يُرمى بها عادة من يقول بقول يخالف فيه ميول أصحاب العواطف , لكن ليقل من أراد أن يقول ماشاء أن يقوله , وهو شيء ينبغي ألا نقف عنده كثيراً , وإنما اضطررت لإيراده , قطعاً لطريق المشاغبين , الذين يلجون إلى النوايا بلا استئذان , وينازعون الله اختصاصه بعلم ماتكنُّه القلوب والضمائر , كما أتمنى ألا أضطر إلى بيانٍ أكثرَ من أنَّ موقعي الشخصي , على الشبكة العنكبوتية , قد تم حجبه من قبل شخص استغل سلطته , وذلك عبر الهاتف , وقبل أن يكمل الموقع يومه الثالث , مما يعني أن المجاملة في الحق لا اعتبار لها في قاموسي ولله الفضل , أما مايكون من إشادة ببعض المواقف والإجراءات , فهذا مما ينسجم مع مبدأ ( من لايشكر الناس لايشكر الله ) .
أقول وبوضوح : إن الأمر أسمى من أن نداهن فيه , أو أن ننحاز إلى فرد على حساب آخر , أو أن نؤثر مصالحنا الذاتية على مصالح أمتنا , بل والله إنني أعلم علم اليقين , أن أي ضرر يصيب البعيد من الناس , وأنا أقدر على منعه أو تقليله , ثم لا أفعل فإني متحمل لذلك مسؤول عنه , كما أعلم أن ما سيصيب الناس سينجرُّ عليَّ بالطبع , لأني واحد منهم , ولست عنهم  بمعزل , ولا أسكن في كوكب آخر , ولهذا فدعوتي هذه راعيت فيها المصلحة العامة , والله شاهد على ما أقول , وذلك لما أعلمه من مخاطر محدقة , ومؤامرات تحاك على بلدنا وأمتنا , لن يخسر فيها أكثر ممن أعنيهم بحديثي هذا , وأعوذ بالله أن يدركنا ذلك .
ألم نشاهد بأم أعيننا حرص العدو على تدمير بلادنا وغزوها بكل ألوان الأسلحة ؟ , ألم تشاهدوا أطنان المخدرات التي تُرسل إلى بلادنا ؟ , ألم نسمع عن المخابرات والاتصالات بين بعض بني قومنا وسفارات الأعداء ؟ , ألم نعلم أن أناساً ممن هم بين أظهرنا قد دانوا بالولاء المطلق لأعداء ملتنا وعقيدتنا ؟ , ناهيك عن ذوي الأطماع , وغيرهم من أهل العصبيات , فضلاً عن أقوام قد بدأت أعينهم تحدد فرائسها , وآخرين لانعلمهم الله يعلمهم , فهل يُظن في من هذه حاله في السراء , أن يقف عن مكيدتنا والتربص بنا في الضراء ؟ , وهل سيصمد لهؤلاء , ويمنع أطماعهم , ويبدد أحلامهم , بل ويحيلها إلى سراب , إلا أن نعتصم بحبل الله جميعاً , وننبذ الفرقة والاختلاف , ونختار لمطالبنا من الوقت والطريقة ما يمنع استغلال المتربصين , ويعين المعنيين بالأمرعلى التدبر .
إن الحديث عن الفتنة , والتحذير من الوقوع فيها , والعمل على وأدها , ومنع السبل الموصلة لها , ليس هو من باب التخدير , ولا هو من النفاق , بل هو والله عين العقل والحكمة , ومن تأمل قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه , وحال من قاموا عليه , وكيف كانت مطالبهم , وكيف استغلها من استغلها , وما وقع لأمة الإسلام بعدها , وماذا تحقق لرعاتها , لأدرك أن الفتن شرٌّ , وأن البعد عنها مكسب , وأن الحزم يقتضي أن يغلب العقل على العاطفة , وأن يكون الشرع فوق ذلك كله , ومهما استفزنا من استفزنا , أو رأينا مما تكرهه النفوس وتستثقله , فإننا يجب أن نصبر , وأن نتحلى بالحكمة , وألا نستعجل الأمور , وأن نثق أن موعود الله خير مما نؤمله في هذه الدنيا ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) , (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ) , ( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) , وكما في الحديث الصحيح : ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) .
كما إن حديثنا عن وجوب التلاحم , والبعد عن الفوضى , وقطع الطريق على بغاة السوء , وذوي الأطماع , لايمنعنا من مخاطبة أهل الشأن , وحثِّهم على النظر في المظالم , ومراعاة جوانب الخلل , وتصحيح المسار , ونفي الخَبَث من البطانة والمستشارين , وتخفيف الاحتقان , والنظر في مصالح المجتمع , وترك المحسوبيات , وصيانة المال العام , ومراعاة الجوانب الشرعية , والعدل بين سائر أفراد الأمة , وإعادة النظر في كثير من القضايا , وألا يمنعهم من النظر فيها مظِنة أن يقال : إن ذلك جاء استجابة للضغوط الخارجية ونحن لانقبل الإملاءات , بل ينبغي النظر فيها كونها تحتاج إلى إصلاح , وأن رسالة الإصلاح منهج العقلاء والحكماء , وأن السير على الطريق المعوجَّة لايوصل إلى نهاية الطريق , بل يحرف إلى حيث كان الاعوجاج .
على ولاة الأمر أن يعلموا أن الاحتقان الذي ملأ قلوب كثير من الناس , وضاقت به نفوسهم , ليس من العسير نزعه , ولا من المتعذِّر الوصول إلى علاجه , ولكن ذلك يتطلب منهم وقفة جادة في محاسبة الفساد , مهما كان صاحبه , والتجرُّد لله تعالى في ذلك , وإلا فسيبقى الاحتقان ويزداد , وسيبقى الحنق قائما ماقامت أسبابه .
كما يجب عليهم أن يعلموا أن المجتمع متدين بطبعه , محب للخير وأهله بفطرته , ولهذا فتمكين ذوي التوجهات المشبوهة , أو مصانعتهم , أو غض الطرف عنهم , مهما كانت المبررات , يزيد من احتقان الناس , فضلاً عن أن هؤلاء الذين تتم مصانعتهم , فاشلون في نفع الناس في دنياهم , وهاهم يسعون لإفساد أديانهم .
كما إن عليهم أن يراعوا أن محاصرة الناس في مواقع تنفُّسهم , وملاحقة حريتهم , ومطاردة الآراء , كونها تخالف رأي أو توجُّه فلان من الناس , أو أنه يخشى أن تفضح فساده , أو تكشف جنايته على البلد , ثم هو يستغل مكانته الوظيفية , وقدرته على التوجيه , لمنع هذا الموقع أو ذاك , أو حجب هذه الصفحة أو تلك , مع أن الحكمة تقتضي النظر في تلك المنتديات , وأخذ ما يكتب فيها بعين الاعتبار , وذلك لكونها نبض الشارع , وصوت المخنوق , ومكان بث المظالم , والتعرف على ماخفي من أحوال الناس , لا حجبها وملاحقتها , مما يزيد من سخطهم , ويشعرهم أنهم يُحاربون حتى في أبسط حقوقهم , وحتى لايلجأ الناس إلى مواقع يصعب محاصرتها , فيستغل ذلك أهل المآرب , وحينها لاتنفع ليت وعسى ولعل .
كما أضيف هنا , وعلى سبيل الإجمال , أن على ولاة الأمور النظر في كل ما تحدَّث عنه الغيورون , وما استنكره المصلحون , وما ناشدهم فيه المحبون , مما فيه صلاح الدين والدنيا .
ثم أعود لأذكركم أنتم أيها الفضلاء مرة أخرى , فالله ألله في أمتكم , وبلدكم , وقبلتكم , وأمنكم , فوالله لن يندم أحد على صبره , بقدر ماسيندم من استعجل على عجلته , تلك العجلة التي قادته إلى فتنة أو فوضى .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
25 / 3 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي

الاثنين، 21 فبراير 2011

مصر تعلنها : عودوا لشعوبكم... لأحمد العساف


يُروى أنَّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه خرج ذات يوم فقال: "الوليد بالشَّام، والحجَّاج بالعراق، ومحمَّد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيَّان بالحجاز، وقرَّة بن شريك بمصر، ويزيد بن أبي مسلم بالمغرب= امتلأت الأرض والله جوراً!". وقد كان يوم الجمعة الثَّامن من شهر ربيع الأول عام 1432 الذي يوافقه اليوم الحادي عشر من شهر فبراير عام 2011 ميلادية يوماً سعيداً مضاعف البركة بزوال حكم الطَّاغوت الطَّاغية عن مصر وأهلها، وبالمقابل فلا أشك أنَّه كان يوماً أسوداً على كثير من الظَّلمة حتى قيل في الطَّرائف أنَّ القَّذافي يقترح إلغاء يوم الجمعة! بينما دعى زعيم آخر إلى قمَّة عربيّة بهدف التَّعارف بين الزُّعماء الجدد!
وقد شابه مبارك في فساده وجرائمه زميله المخلوع بنعلي، من حيث قهر الشَّعب وظلمه وإفقاره، وتعذيب أهل الفضل فيه من العلماء والدُّعاة والمثقفين؛ وسجنهم وإيذائهم في رزقهم وعوائلهم، وكبت الحرّيات مع إشاعة الفاحشة والسُّوء، وزاد المخلوع الأخير بتضييقه على الإعلام النَّقي المدافع عن عرض أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، والتَّآمر المخزي على غزَّة المحاصرة وأهلها، والافتراء على علماء الإسلام خارج الحدود، ودقِّ إسفين الفتنة بين المصريين، ومتى كان المسلمون الصَّادقون يخفرون أهل ذمتهم؟
ومن مكر الله بهذين الظَّالمين أن جمع عليهما أصناف العار والخزي في الدُّنيا، وأراهما الصَّغار والضَّعة عيانا، وأذاقهما طعم القهر ومرارة الانكسار، فما أكثر بركات يوم الجمعة، وما أجمل مشهد الهروب المخزي والفرار المهين؛ والثَّروة المجمَّدة واستعطاف النَّاس مرَّة تلو المرَّة! وأيُّ عبرة أعظم من تخلي أمريكا عن أذنابها بعد أن استنزفتهم واستهلكتهم ضدَّ مكوِّنات أمتهم؟ وأيُّ درس أبلغ من تابع سابق يستأسد على مَنْ كان لا يقوى على النَّظر إلى سحنته الكريهة؟ وإن صدقت رواية غيبوبة زين ومبارك ففيها ملحظ لطيف، حيث قدَّر الله الحكيم تأجيل غياب وعيهما أو اشتداد مرضهما إلى ما بعد وعي الجموع الغاضبة وإفاقتها من سكرة الخوف ليذيقوا هذين الجلادين شيئاً من صنوف العذاب في الدُّنيا.
وفي هذا الحدث الأخير انكشفت السِّياسة الأمريكية تجاه عملائها، وتضاربت التَّصريحات الأمريكيّة على لسان مسؤوليها، لأنَّها عجزت عن التَّأثير على الثَّورة، وآثرت الانسحاب من المشهد، ورفع اليد عن النِّظام القائم وتركه يتهاوى وهي في موقف المتفرج العاجز، ولو كانت تستطيع فعل شيء لفعلته لخادمها مبارك الذي تفانى في حماية دولة اليهود ومجابهة العمل الإسلامي. ولا ريب أنَّ آل مبارك أقرب للعطف الأمريكي من الأسد التَّعيس وآله، ومع ذلك غضَّت الطَّرف ورضيت عن بشَّار وريثاً لأبيه مع أنَّ نظامه يظهر المقاومة والممانعة والله أعلم بما يبطن، بينما عجزت عن نصرة الأول لأنَّ الثُّوار استعصوا عليها، ولا شيء يرضى الجموع قبل إسقاط النِّظام وجميع القراصنة الرَّاكبين في سفينته الإرهابيّة، ولم تكن أمريكا مستعدَّة للإضرار بمصالحها من أجل رجل لم يطقه شعبه الذي حطَّم أغلال الوهم المحيطة به بعد أن فهم المصريون من الدَّرس التُّونسي صدق المثل اليوناني القائل: الشَّعب، الماء، النَّار، قوى يصعب ترويضها! 
وقد كانت ثورة الشَّباب المصري ثورة منظَّمة سلميّة لم يصحبها انفلات أمني كعادة كثير من الثَّورات الشَّعبية، وأحسن الثَّوار في الحفاظ على الأمن العام، وأداروا معركة الحمير والبغال بصبر وترتيب كبير، وكان الشَّعب الثَّائر على قدر كبير من الفهم فلم يستجب لمحاولة طاغوته استدرار عاطفته أو ملاينته وقد خبروا كذبه ومكره وفي أكثرهم أثر بلاء منه أو من نظامه المطرود، ولم يعيروا انتباهاً لذوي المصالح الخاصَّة الذين أرادوا امتطاء الجموع الهادرة، وقطف الثَّمرة النَّاضجة، وما الفائدة إذا ذهب طاغوت وجاء آخر؟ وممَّا يلفت النَّظر الشِّعارات والمشاهد الضَّاحكة التي لم يخل منها ميدان التَّحرير، وقد صدق أحد أسلافنا حين قال: مَنْ يرى أهل مصر يظنُّ أنَّهم للتَّو قد فرغوا من الحساب! وإنَّ أيَّام ميدان التَّحرير التي قاربت العشرين لروض أُنف لمن شاء التَّأليف والكتابة عنها من المشاركين أو المنظِّمين أو المراقبين، ولا أغادر حديث الميدان والثَّورة دون سؤال الله الرَّحمة والغفران للأموات الذين صبروا وصابروا حتى أزاحوا البلاء عن مصر وأراحوا البلاد من شرِّ ثلاثة عقود متتالية.    
ومن المهم بيان الموقف الشَّرعي من هذه الثَّورة ونتائجها، فنظام مبارك طاغوتي غير شرعي، ولا يصح وصف المخلوع بأنَّه ولي أمر تجب طاعته، خاصَّة أنَّ أفعاله الشَّنيعة تجعل ولايته على أحد أكبر وأهم البلاد العربيّة والإسلاميّة ولاية باطلة، فالولاية خاضعة لتحكيم شرع الله، ورعاية مصالح النَّاس، وحفظ الحقوق، وإشاعة العدل والقيم النَّبيلة، وسياسة الخلق والبلد وفق الاعتبارات الشَّرعية. وإنَّ زوال هذا النِّظام العلماني من دواعي السُّجود شكراً لله على نعمائه، وعسى الله أن يعين شعب مصر على اختيار مَنْ يحكمهم بما يرضي الله، ويحافظ على مكانة ديارهم، ويعيد لمصر تاريخها الجهادي والحضاري والعلمي، ويسترجع الأموال المسروقة من قبل المخلوع وحاشيته.
لقد أحاط مبارك نفسه بعصابة أمنيّة غليظة لا تعرف رحمة ولا شفقة ولا عدلا، وكان مستمسكاً بالسُّلطة ولم يسأم منها، ولا أبالغ إن قلت أنَّه كان يظن أنَّ جنازته ستكون جنازة رئاسيّة مهيبة، فليس من المعقول عنده أن يغادر الرِّئاسة وفيه بقيّة من رمق! فالحمد لله الذي لم يحقِّق مطلوبه، والحمد لله الذي جعل الخلاص منه خلاصاً جماعيا من زمرته الآثمة وحزبه البغيض، والحمد لله الذي جعل فيه العبرة لذوي البصيرة، فأمريكا لا تعلم الغيب، وقد عجزت عن صيانة حكمه قبل اندلاع نار الغضب، وتذبذبت في التَّعامل مع الواقعة المفاجئة، وكان خيارها بعد عجزها الواضح الانصراف الكامل عمَّن خان دينه وأمته وشعبه لإرضائها.
وربَّما أدرك هذه الرِّسالة البليغة من أحداث تونس ومصر عدد من الزُّعماء العرب، فبادروا للإصلاح، وقبول الحوار، والتَّخفيف عن الشُّعوب، وإعادة شيء من أموال البلد المنهوبة، والبحث عن موظفين صادقين حتى لا يتأخر فهمهم لرعاياهم كثيراً، وحتى لا يكون الوزراء والمستشارون ظلاماً دامساً يحول دون الحقيقة، ورحم الله الخليفة الزَّاهد الرَّاشد عمر بن عبد العزيز حيث وضع شروطاً فيمَنْ يتَّصل به حين خطب النَّاس قائلاً: "مَنْ أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس أو فليفارقنا: يرفع إلينا حاجة مَنْ لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدُّلنا على ما لا نهتدي إليه من الخير، ولا يغتابنَّ عندنا أحداً، ولا يعرضنَّ لما لا يعنيه".

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
ahmadalassaf@gmail.com

الخميس، 17 فبراير 2011

ثورات وثروات.. لسليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فياترى من الذي دفع تلك الجموع لأن تحتشد؟ , وماسبب تواجدها وثورتها؟ , وماهي مطالبها وتطلعاتها؟ , وهل صحيح مايقال من أن خلف تلك التظاهرات جهات مشبوهة ؟ , وأسئلة أخرى كثيرة لاتنتهي .
لكن تعالوا بنا في مقابل تلك الأسئلة , نضع أسئلة معاكسة , لننظر إلى الجانب الآخر من أسباب تلك الثورات , ولأنه إذا عُرِف السبب بطل العجب , ولأن في هذه المدارسات والاستفهامات يتبين لِمُريد الإصلاح الحقيقي , ومن يسعى للارتقاء , ما يُمكن جعله درساً وعظة , أما من غلبته شهوة نفسه , وأعْشَت عينه أثرة حظوظه وأطماعه , فهذا ربما لايستفيق إلا على وقع الكارثة ليقول : " أنا فهمتكم أي نعم أنا فهمتكم فهمت الجميع " , أو ليقول : " إنني أعي هذه التطلعات المشروعة للشعب " , لكن حينها لاينفع التخدير بمعسول القول , ولا العزف على وتر الوعود الكاذبة .
لعل من بين الأسئلة المعاكسة , التي قد تساهم في تبسيط الدرس لمن يريد أن يستفيد , وتوقفنا على السبب الرئيسي الكامن وراء قيام تلك المجتمعات بالغضب , واستبشارهم بزوال تلك الكوابيس الجاثمة على قلوبهم , بل وإعلان أيام زوالهم أيام فرحة , لاتقل فرحتهم فيها عن أفراحهم في الأعياد , إن لم تكن أكثر وأكبر , ومن هذه الأسئلة : ماذا لو كان كل واحد من هؤلاء المتظاهرين يملك ملياراً فهل سيتظاهر؟ , وماذا لو كان هؤلاء المتظاهرون يجدون الاهتمام من حكوماتهم فهل سيتظاهرون ؟ , ماذا لو كانت الحكومات تفهمهم وتعي تطلعاتهم فهل سيتظاهرون ؟, ماذا لو أنهم تيقنوا أن ثروات بلادهم تدار بأيدٍ أمينة فهل سيتظاهرون؟ , ماذا لو علموا أن أموال الدولة تُقسم بالعدل فهل سيتظاهرون؟ , وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة الأخرى .
حين نطرح الأسئلة , والأسئلة المضادة , فإننا يمكن أن نُركِّب أجزاء الصورة , أما حين نعرض بعض الأسئلة , ومن ثمَّ نلقي باللآئمة على المقهور المضطهد , ونزيده أغلالاً فوق أغلاله , وظلماً على ظلم يتجرع مرارة وحرَّته , فإننا لانريد أن نفهم الدرس , وسنظل نكرر الأخطاء , وننتظر النتائج السيئة .
ليس بخافٍ على أحد , أن الشعارات المرفوعة , في تلك الثورات التي قامت , وغيرها مما ينتظر دوره , تتفق جميعها على المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية , ويأتي تبعاً لها المطالبة بالحريات , وإلغاء قوانين التضييق , ولأننا نحتاج إلى توضيح هذه الصورة أكثر , فتعالوا بنا لنجمع بعض الأجزاء مرة أخرى , وذلك من خلال هذه المقارنة :
الفرحة العارمة التي صاحبت طرد الطاغيتين " بن علي ومبارك " , تعيد للذاكرة شخصية عربية , ليست بعيدة عنا , حكمت بلادها , وأحبها كثير من رعيتها , بل وبقيت ذكريات تلك الشخصية , والأحزان على فراقها ماثلة حتى هذه اللحظة . 
 تعالوا بنا نقارن بين تلك الشخصية العربية , وبين طاغوت مصر , لنجد أن بينهما فرقاً كبيراً , وبوناً شاسعاً , وأنا حين جعلت المقارنة بينهما تحديداً كان الباعث لذلك طول المدة , كما إن المقارنة لاتعني تزكية جميع الأفعال , ولا يلزم منها خلو جانب أحد عناصر المقارنة من الخطأ والتقصير .
فمَن منا من لايعرف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ؟ , الرجل الذي حكم دولة الإمارات العربية المتحدة أكثرمن ثلاثين سنة , والذي ساهم في تغيير ملامح الدولة , وكان قبل ذلك حاكما لإمارة " أبوظبي " وقبلها أميراً لمدينة " العين ".
لماذا أحبَّ كثير من شعب الإمارات الشيخ زايداً وحزنوا كثيراً على رحيله ؟, ولماذا بقيت ذكرياته ماثلة أمامهم حتى اليوم ؟ , ولماذا لم يستثقلوا مدة حكمه رغم طولها ؟ .
 لست هنا مزكياً لزايد , ولا زاعماً أن كل ما في دولة الإمارات سليم وصحيح , ولكني استشهدت به لكون تلك الثورات الغاضبة , كان دافعها , والمحرك الرئيس لها , وعامة شعاراتها , وغالب تصريحات أصحابها , المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية , ورفع الظلم الواقع عليهم في أمر دنياهم , لذلك فالمقارنة من وجهة نظري واقعية جداً .
قبل سنوات , انتشر مقطع في اليوتيوب للشيخ زايد , وكان يتحدث فيه ببساطته المعهودة , وكان يقول : والله العظيم إني لا أدري إن في شعب الإمارات ناس ألحين ساكنين بالأجار , ألين جتني مكاتيبهم وطلباتهم , وهو تحت هذا الرابط :
ووجَّه بأن يُمنح كل مواطن إماراتي سكناً , أو عقاراً , أو مزرعة , وأن يتم تحسين أوضاع وظروف ذوي الحاجات من الرجال والنساء , وهذا وغيره من المواقف التي يتناقلها أبناء الإمارات , بل والواقع المشهود على أرضها , وحال من نقابله من أهلها في كل بلاد الدنيا , يؤكد أن المواطن الإماراتي حظي بقدر كبير من اهتمام زايد , وهذا لايعني عدم وجود صور مخالفة , لكن الحديث عن الغالب .
لعل قائلاً يقول : لم توفَّق في المقارنة , فبين الشعبين والدولتين اختلاف كبير , فلا يمكن أن نقارن شعب مصر بشعب الإمارات , من حيث الكثرة , ولا بين الدولتين من حيث الموارد , فأقول : هذا قد يصح جعله اعتراضاً وجيهاً , إذا لم تتحدَّث الحقائق أن مبارك حرم شعبه الثروة , ليوفِّر على خزينة الكيان الصهيوني , ورضي بمهانة شعبه , لينعم هو ومن حوله بمليارات مصر ,  أما وقد تحدَّثت الوثائق , وانكشفت الحقائق , فتبيَّن أن فرعون مصر , وطاغية تونس , قد باعوا كرامة شعوبهم , لينعموا ومن حولهم , في حين اختفت تلك الأنانية عن رجل كالشيخ زايد , لذا فالمقارنة مقبولة , ولهذا فلم نسمع أن شباب الإمارات تنادوا للثورة , كما لم نشاهد منهم غضبة ونقمة على الشيخ زايد أو غيره من حكامهم , وحديثي هنا عن الغالب , ولايعني عدم وجود حالات مخالفة .
إن المنطق الصحيح يفترض أن عبارة " أنا فهمتكم أي نعم أنا فهمتكم فهمت الجميع " , الكلمة التي قالها طاغوت تونس , فسارت مثلاً , وبنحوها قال فرعون مصر , لكنه لم يُبِنْها , بسبب علوِّه واستكباره , ولا أدري من سيقولها بعد ذلك , ستطرح هذا السؤال : لماذا لم تفهموهم إلا الآن ؟ , وأين كانت صرخاتهم تذهب عنكم ؟ , فإن كانت تصلكم ولم تحركوا لها ساكناً , أو ترفعوا بها رأساً , وهو الاحتمال الأقرب , فأنتم خونة , وما لقيتموه جزء مما ستلاقونه في مستقبل الأيام , وما عند الله للظالم أشدُّ وأنكى , أما – وهو احتمال ضعيف - إن كانت تلك الصرخات  تُحجب عنكم فلا تصلكم , أولايصلكم إلا المُزَوَّر من الأحوال , فهذا دليل ضعف فيكم , وقلة مبالاة منكم , لأن تلك البطانة التي استطاعت أن تحجب أصوات الناس عنكم هذه السنوات الطويلة , فلم تسمعوا الأصوات المبحوحة , إلا بعد أن بلغت أقدام المقهورين نواحي قصوركم , قد وجدت فيكم  من الغفلة , وانعدام القدرة , بل والانشغال بحظوظ النفس , عن حقوق المجتمعات , مايؤكد عدم أهليتكم لتولي أمور المسلمين , وفي هذا من الدرس والعبرة مايكفي لسائر ولاة الأمور , فليعيدوا النظر في حساباتهم وتعاملاتهم , فإن كان الخلل في بطانتهم , فلينتدوا الناصح الصادق , وليطردوا ويحاسبوا الغاش الخائن , وإن كانت قد غلبتهم شهوات أنفسهم , وأغْشَتهم عن حقوق رعاياهم , فليراجعوا النفس , وليعلموا أنهم أمناء على ما بأيديهم , وأن سؤال الله لهم أعظم من سؤاله لغيرهم , فإن كانت غرتهم قوتهم , وما ملكته أيديهم , فليتذكروا أن من ملَّكَهم ذلك هو الله , وأنه قادر على نزعه منهم , ومنحه لغيرهم , ويبقون بعد ذلك أسارى للحساب والجزاء .
إن الإصلاحات الجادة , هي التي يكون الباعث منها ذاتياً , والرغبة داخلية , والهمة مبذولة , أما الإصلاحات التي لاتأتي إلا بوعود هلامية , باعثها التخوف من اهتزاز العروش , فهي وإن دغدغت مشاعر بعض البسطاء , وخدَّرت بعض المغفلين , إلا أنها علاج موضعي , سرعان مايذهب مفعوله , ويعود الألم بعده سريعاً , وحينها ومع تكرر الجرعات , تنعدم الثقة بذلك العلاج , أو تقل الحماسة له , كما إن تكلفة تكراره قد تعادل تكلفة علاجه علاجاً تاماً .
إن على من يريد من شعبه أن يحفظ له حقه , ويرعى له قدره , و يحسن له السمع والطاعة , أن يسوسهم بالعدل , وأن يحكمهم بالشرع , وألا يستفزهم أو يَشُقَّ عليهم , وكيف لايكون ذلك كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليه أو له بقوله : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) .
إن الإعلام المزوَّر وحده لايكفي في تحسن الصورة , ولافي مخادعة الناس , والمجتمعات أصبحت تعي أكثر مما سبق , والفرد الضعيف المغلوب على أمره , أصبح مع طول الأمد يتململ , وشاهد هذا واضح جلي , فمن كان يُصدق أن بعض بسطاء تونس سيثأرون , أو أن ضعفة مصر سيغضبون , إلا أنهم بلغوا من المشقة مالايحتملون معه الصبر , ومالايجدي معه رأي عالم , أو قول مفكِّر , بل قد تجاوزا كل ذلك , وصاروا يجوبون الشوارع مزمجرين غاضبين , ومما أشعل الغضب في نفوسهم , وزاد الغيظ في قلوبهم , ما سمعوه وتناقلته وسائل الإعلام , وأثبتته الحقائق , من أن الرئيس وحاشيته , يملكون في خزاناتهم الخاصة , ما يمكن أن يقتات منه المجتمع زمناً .
إن الشاب الذي لايجد وظيفة , أو يبقى عاطلاً لسنوات , ولاتقوم الدولة بتأمين مايحتاجه طيلة مدة بطالته , أو ذلك الذي يموت أحد أفراد أسرته , أو يصارع الموت بنفسه , بسبب عدم وجود مكان لعلاجه , أو يعيش كل عمره رهناً لمالك البيت الذي يسكنه , لعدم قدرته على التملُّك , أو يتقطَّع راتبه الهزيل بين قسائم الضرائب , وغلاء المعيشة , وخدمات الماء والكهرباء والهاتف , أو غيرهم مما هو في معناهم , كل هؤلاء لايمكن أن نتصوَّر أنهم سيعذرون من حال بينهم وبين حقوقهم , أو صار يمُنُّ عليهم بها , وكأنها فضل منه ومنَّة , فكيف إذا انضاف إلى ذلك مايرونه ويسمعونه , من صور وحالات البذخ والترف , تلك التي يتعامل بها بعض سفاء الأحلام , من مترفي القوم , أو حالات الإنفاق بسخاء على من لاتجب عليهم نفقته , كالإحسان إلى الصهاينة أو أشباههم , وحرمان الضعفاء المستحقين من أبناء المجتمعات .
لك أن تتخيل أن شاباً يسمع أن ثروة جمال مبارك جاوزت عشرات المليارات , وذلك الشاب لا يجد ما يملأ به جوفه , فماهو الشعور الذي سيحمله ؟ .
ولك أن تتخيل رجلاً ينتظر دوره لعلاج ابنه , أو لنقله لمستشفى مناسب , فيموت ابنه قبل أن تتحقق أمنيته , وهو يسمع أن أحد أبناء المترفين يُحضر الآيس كريم بطائرة خاصة , فماهو الولاء الذي سيدين به ؟ .
وتخيل ذلك الرجل الذي قد رقَّ عظمه , وانحنى عوده , وهو يكد ويكدح طوال حياته , رغبة في تأمين مايلزم لشراء بيت يستودع فيه أهله , ولم يتمكن من ذلك بعد , ثم هو يسمع أن من هوأصغر منه سنَّا , وأقل خدمة , يشترى فنادق بأكملها , تدار فيها الخمور , وتقام فيها السهرات الآثمة , يشتريها بعملة صعبة , ربما لم يسمع بها ذلك الرجل من قبل , وحين نقول يشتري فندقاً , فإن هذا يعني أنه يستكثر , وأن مبلغ الفندق أو القصر , في تلك البلاد , لم يكن إلا من بعض أجزاء ثروته , التي لايُعلم من أين وكيف تملَّكها , فياترى ما ذا سيقول ذلك الرجل المسكين ؟ , وكيف وبأي نفسية سيقابل تلك الأخبار ؟ .
وللحديث تتمة , أكملها في حينها , بحول من بيده الحول والقوة .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
 13/ 3 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي

أمير الإحسان يترّجَّل لأحمد بن عبدالمحسن العساف.

توفي الشَّيخ صالح بن عبد العزيز الرَّاجحي قبيل عصر يوم السَّبت التَّاسع من شهر ربيع الأول عام 1432 في مدينة الرِّياض عن واحد وتسعين عاما، وصلى عليه النَّاس في جنازة مشهودة، وقد أمَّ المصلين سماحة المفتي العام وحضرها جمع حاشد من آل الرَّاجحي، والعلماء وروَّاد العمل الخيري، والأثرياء والوجهاء وغيرهم، حيث توافدوا على جامع الرَّاجحي لأداء الصَّلاة والمشاركة في تشييع جثمان رجل أحب الخير قولاً وفعلاً فقذف الله محبته في القلوب بلا آلة دعاية ولا غيرها. 

وحكاية الشَّيخ صالح الرَّاجحي مع الفقر والثَّراء، ومع العمل والجدِّية والإصرار، ومع الإنتاج والانضباط، حكاية مليئة بالعبر والدُّروس والشَّواهد التي ينبغي لنا معرفتها والاستغناء بها وبغيرها عن بعض ما ننقله من الكتب المترجمة عن أمم الشَّرق والغرب. هذا في دنيا الثَّري الرَّاحل؛ أمَّا في تربيته وعبادته وبرِّه وإحسانه ومحبته الخير حتى اشتهر عنه قوله: "اللهم ارزقني وارزق مني" فقصَّة أخرى عجيبة، وأعجب منها عدد الذين ولجوا نادي المال والأعمال من خلال صالح الرَّاجحي حتى قال عنه رجل الأعمال الشَّيخ محمَّد الحبيب: "ما أخذنا منه شيئاً إلا جعله الله سبباً في الخير".

وللرَّجل قدم راسخة ويد سابقة في الأعمال المصرفيّة التي تحاول الاقتراب من المصرفيّة الإسلاميّة وتجتهد في تطبيقها، وله ولع بالأعمال المنتجة التي تفيد البلد، واهتمام بالمشاريع التي توظف الشَّباب وتكفيهم، وكان حريصاً على تدوير ثروته في بلاده ليعظم نفعها، فضلاً عن توجهه صوب الزِّراعة لتحقيق الأمن الغذائي المحلي مع كثرة المنصرفين عنه، وشح الدَّعم لهذه المشاريع المهمَّة على الصَّعيد الوطني. وقد غدا الرَّاجحي أكبر مالك لمزارع النَّخيل في العالم من خلال مزرعة الباطن في القصيم التي دخلت موسوعة الأرقام القياسيّة، علماً أنَّ تمورها ليست معدَّة للتِّجارة بل للصَّدقة وإطعام الجياع، وقد بارك الله فراسته الاستثمارية فأصاب مالاً وفيراً من صفقات تبدو أول الأمر خاسرة أو غير مجدية.

ولصالح الرَّاجحي أعمال خيريّة كثيرة ظاهرة وباطنة والأجر عند الله، ولا تسل عنه مع بناء المساجد بجانب جميع بيوته ومشاريعه الكبرى؛ إضافة لما شيَّده من بيوت الله في شرق الأرض وغربها، وله فضل على العلم وأهله بطباعة الكتب والوقف عليها، وأما عنايته بالقرآن وحلقاته ودوره فشأن يعرفه كلُّ مشتغل بالقرآن وتحكيه وصيته بجلاء. وكم من بيت يقوم على إحسان الرَّاجحي، وكم من شاب وفتاة اقترنا بفضل الله ثم بأمواله، وكم من سجين تخلَّص من ذل الحبس بصدقته، وغير ذلك مما يعرفه العاملون في المؤسسات الخيريّة والاجتماعيّة.

وقد ألهم الله عبده ووفقه لوقف جزء من ماله؛ ليكون هذا الوقف أحد أضخم الأوقاف المعروفة في تاريخ المسلمين، وقد كتب الله لوقفه النَّماء حتى تضاعف أضعافاً كثيرة، والمأمول أن يُصرف هذا الوقف على المصارف التي حدَّدها الواقف في وصيته، وأن يقوم عليه الثِّقات من أولاده وطلبة العلم وخبراء العمل الخيري، حتى ينعم به المجتمع المتلهف لإنجاز مشروعات الخير، ورفع الحاجة عن الفقراء. وعسى الله أن يتقبله بقبول حسن ويعلي به منزلة الشَّيخ الواقف في الآخرة، ويبِّرد عليه مضجعه في حياته البرزخيّة. وكم هو جدير بورثة الشَّيخ وقد آلت إليهم بقية أمواله ألاَّ يقطعوا أثر أبيهم فيهم، ويكونوا مثله في الخير والوقف والإحسان، فهم من ثماره؛ والشَّجرة المباركة طيبة الأصل والفرع والثَّمر. 

ومن منَّة الله على الفقيد أن حماه من أن تكون أمواله وبالاً عليه أو على مجتمعه وبلاده، فقد جانب فيها الرِّبا والمعاملات المحرَّمة وبالغ في الحذر منها، ولم يضرب بسهم من ثروته ولو كان قليلاً في تجارة لا ترضي الله، ولم يضيِّع ماله على أهل الغناء والرَّقص والفساد كحال بعض أثرياء المسلمين، ولم يجعل ثروته طريقاً لتخريب الأجيال من خلال القنوات الفضائية كما يفعل بعض الأثرياء المفتونين. ومن تمام المنَّة والفضل أن يكون هذا التَّاجر إمام عدل لمن رام سلوك دروب الصَّفق في الأسواق، فقد كان محافظاً على وقته، ويدير أعماله بنفسه، ولم يفرِّط في حقِّ الله، ولا حقِّ ذوي الحقوق على اختلافهم.

وفي مسيرة الشَّيخ نحو الثَّراء وإيجاد موضع قدم لعائلته الكريمة لم يتوان عن البِّر بوالديه وإشراك أشقائه في التِّجارة والعمل، ورعاية إخوانه وأقاربه، بل حتى أصدقاءه وجيرانه نالهم من بركة ماله ما لا ينساه ذوو الوفاء، ونعم المال الصَّالح للعبد الصَّالح كما قال رسولنا الكريم عليه الصَّلاة والسَّلام. ومن الطَّريف المهيب أن صالح الرَّاجحي بمجده المالي الكبير يفتخر دوماً أنَّه بدأ حياته العمليّة حمَّالاً، وأنَّه ذاق مرارات الحياة وشقائها في طفولته وشبابه.

فاللهمَّ ارحم عبدك وقد آب إليك بعد مرض وعناء، وأحسن عزاء آله من أشقائه وأبنائه وإخوانه وأزواجه وجميع من اتصل به بسبب أو نسب أو صداقة أو شراكة. وإنَّنا إذ نطوي هذه السِّيرة المباركة لرجل جمع المال والاستقامة والإحسان-نحسبه والله حسيبه- لندعو الله أن تكون الأموال والتِّجارة والأعمال في يد مَنْ يخاف الله فينا وفيها، وينَّميها بما ينفع المجتمع في الانتاج والتَّوظيف وفعل الخيرات.

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
الأثنين 11 من شهرِ ربيع الأول عام 1432
ahmadalassaf@gmail.com

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

هكذا قالت لنا جدَّة! لأحمد بن عبدالمحسن العساف

تتابعت على مدينة جدَّة الغالية المصائب والكوارث، فمن مدينة تشكو الحمَّى والقمامة والزِّحام والأمراض ثم سوء البنية التَّحتيَّة والغرق المتتالي، إلى مدينة تضج إلى الله بالشَّكوى من المفاسد والمنكرات الظَّاهرة؛ كالتَّضييق على حلقات تحفيظ القرآن، ومؤتمرات إفساد المجتمع، والأنشطة المشبوهة، إلى غير ذلك مما يحزُّ في نفوس أهل جدَّة الطَّيبين قبل غيرهم، فوارحمتاه لجدَّة، ولسكَّانها، ولمشاريعها، ولأموالها التي ضاعت في جيوب المنتفعين الضَّارين.

ويتزامن مع غرق جدَّة في يوم الأربعاء الثَّاني والعشرين من شهر صفر عام 1432 أحداث إقليميَّة وعالميَّة مهمَّة، ففي مجال انكشاف ما كان خافياً جاءت وثائق موقع ويكيليكس التي هتكت ستر العالم بظلمه وعدوانه واستكباره، وغدا بعدها مكر الليل والنَّهار بمخازيه ظاهراً في عالم الشَّهادة، ورفعت وثائق قناة الجزيرة الحجب عن خيانات سلطة عبَّاس لفلسطين شعباً وأرضاً وقضيَّة ومقدَّسات. وعلى الضِّفة الأخرى من الأحداث شهد العالم انتفاضة شعب تونس التي انتهت بطرد الطَّاغية الأفَّاك زين بن علي وهروبه إلى جدَّة عجَّل الله بطهارتها منه، وها نحن نعيش حالياً أحداثاً شبيهة في مصر الكنانة وأخرى بحيويَّة أقل في اليمن والجزائر والأردن، والذي يبدو أنَّ المظاهرات ستستمر حتى تُغير الوجه القبيح الكالح لكثير من الأنطمة العربيَّة الجائرة التي خنقت شعوبها وسرقتها واحتقرتها.

وسوف يتلو غرق جدَّة تكوين مجلس الوزراء السُّعودي الجديد، فمع نهاية يوم السَّبت الثَّاني من شهر ربيع الأول القادم تنتهي الفترة الوزارية لكثير من الوزراء وشاغلي المرتبة الممتازة، وهذه فرصة ثمينة لصاحب القرار لإحداث تغيير جذري إيجابي شامل في خارطة شاغلي مرتبة وزير والمرتبة الممتازة أيَّاً كانوا، وعسى أن يُبتلى بهذه المناصب العالية مَنْ يستحقها بجدارة العلم والخبرة، والقوة والأمانة، دون النَّظر إلى أي اعتبار آخر، فيحسن فيها البلاء، ويخدم بلاده وشعبه على الوجه الذي يرضي الله، ثم على المنهج الذي ينشده ولاة الأمر وترنو له الدِّيار وأهلها.

لقد سئمت البلاد من تعيين وزراء لا يُسألون عمَّا يفعلون، لأنَّهم فوق الأنظمة أو في حرز أمين من المراقبة والمحاسبة، أو قد احتموا بركن شديد. وحاجة بلادنا الآن ملحة إلى أن تكون المجالس التَّنظيميَّة والبلديَّة والمؤسسات الرقابيَّة ذات أثر حقيقي فعَّال في المنافحة عن مصالح الشَّعب وأمواله وحمل همومه والسَّعي بمطالبه. فمتى يكون لمجلس الشُّورى حقُّ محاسبة الوزراء بلا استثناء؟ ولماذا لا يكون المجلس مسؤولاً عن الخطط والموازنات السَّنوية وكيفيَّة صرفها؟ ومتى يُتاح لديوان المراقبة وهيئات التَّحقيق أن تستدعي مَنْ شاءت وتطلب ما تريده من وثائق ومعلومات على ألاَّ يقتصر عملها على الأوراق دون النُّزول للميدان ورؤية الواقع؟ وحتَّام يظلُّ البعض في حصانة من المثول أمام القضاء المستقل النَّزيه والانصياع لحكمه النهائي؟

ومن أساسيات النَّجاح في الأعمال أن تؤدى وفق تخطيط يراعي الحاجات الآنية والآمال المستقبلية، ومن المؤسف أنَّ كثيراً من الأعمال والمشاريع تنفذ بناء على إرادات ذاتية، وقد لا تعلم عنها الوزارة المعنيَّة، ويذهب المسؤول ويأتي آخر دون أن يلتزم بإكمال مابدأه الأول؛ لأنَّ الغالبية يبحثون عن منجزات شخصيَّة، أما خطة الوزارة وأهدافها فأمور لم تدر بخلد كثير من المسؤولين فيما أحسب.

وقد أكدَّت لنا هذه المأسأة ضرورة وجود إعلام صادق لا يحابي الظُّلم ولا يسكت عن السُّوء، فلو أنَّ الإعلام سلَّط أضواءه على القضايا الكبرى لكنَّا في حال تنموي أحسن من واقعنا، بيد أنَّ إعلامنا مشغول بغياب موظف واحد من إحدى الدَّوائر الشَّرعية! وغافل عن مليارات تضيع، ومشاريع تتعطل، وخطط لا تُكتب فضلا عن أن تنجز. كما أبانت لنا جدَّة بلسان فصيح أهمية العمل الخيري والاجتماعي كشريك للحكومة والمجتمع في التَّنمية والإصلاح والإنقاذ، إضافة إلى أثر الإعلام الجديد في التَّواصل والبناء.

ويبقى لجدَّة حقٌّ لا محيد عن أدائه، فهذه الأحداث الحزينة التي وقعت بها ستعصف بكثير من المسؤولين، وتشرع الأبواب لكشف الحقائق ولو كانت قديمة، ومحاسبة المهملين والسُّراق ولو كانوا بعيدين عن أحداث هذه الأيام، ومن العزاء لجدة حصر أموالها المنهوبة واستعادتها قدر الإمكان، وتحميل الذين يثبت تورطهم في مصائبها  كل ما أحدثته أيديهم من فساد وتخريب في الأرواح والممتلكات والمصالح العامة، وقبل ذلك وبعده الإسراع في إيجاد حلول لمشكلات هذه المدينة السَّاحلية الجميلة حتى لا تغرق مرَّة أخرى بماء أو غبار أو ظلام أو فساد، ولا يكتمل قول جدَّة دون شكر أولى الشَّهامة والمروءة الذين نفروا للنَّجدة والمساعدة وإبراز صورة راقية من التَّكافل الاجتماعي والاحتساب المجتمعي.

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
السبت 25 من شهرِ صفر عام 1432
ahmadalassaf@gmail.com