بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فياترى من الذي دفع تلك الجموع لأن تحتشد؟ , وماسبب تواجدها وثورتها؟ , وماهي مطالبها وتطلعاتها؟ , وهل صحيح مايقال من أن خلف تلك التظاهرات جهات مشبوهة ؟ , وأسئلة أخرى كثيرة لاتنتهي .
لكن تعالوا بنا في مقابل تلك الأسئلة , نضع أسئلة معاكسة , لننظر إلى الجانب الآخر من أسباب تلك الثورات , ولأنه إذا عُرِف السبب بطل العجب , ولأن في هذه المدارسات والاستفهامات يتبين لِمُريد الإصلاح الحقيقي , ومن يسعى للارتقاء , ما يُمكن جعله درساً وعظة , أما من غلبته شهوة نفسه , وأعْشَت عينه أثرة حظوظه وأطماعه , فهذا ربما لايستفيق إلا على وقع الكارثة ليقول : " أنا فهمتكم أي نعم أنا فهمتكم فهمت الجميع " , أو ليقول : " إنني أعي هذه التطلعات المشروعة للشعب " , لكن حينها لاينفع التخدير بمعسول القول , ولا العزف على وتر الوعود الكاذبة .
لعل من بين الأسئلة المعاكسة , التي قد تساهم في تبسيط الدرس لمن يريد أن يستفيد , وتوقفنا على السبب الرئيسي الكامن وراء قيام تلك المجتمعات بالغضب , واستبشارهم بزوال تلك الكوابيس الجاثمة على قلوبهم , بل وإعلان أيام زوالهم أيام فرحة , لاتقل فرحتهم فيها عن أفراحهم في الأعياد , إن لم تكن أكثر وأكبر , ومن هذه الأسئلة : ماذا لو كان كل واحد من هؤلاء المتظاهرين يملك ملياراً فهل سيتظاهر؟ , وماذا لو كان هؤلاء المتظاهرون يجدون الاهتمام من حكوماتهم فهل سيتظاهرون ؟ , ماذا لو كانت الحكومات تفهمهم وتعي تطلعاتهم فهل سيتظاهرون ؟, ماذا لو أنهم تيقنوا أن ثروات بلادهم تدار بأيدٍ أمينة فهل سيتظاهرون؟ , ماذا لو علموا أن أموال الدولة تُقسم بالعدل فهل سيتظاهرون؟ , وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة الأخرى .
حين نطرح الأسئلة , والأسئلة المضادة , فإننا يمكن أن نُركِّب أجزاء الصورة , أما حين نعرض بعض الأسئلة , ومن ثمَّ نلقي باللآئمة على المقهور المضطهد , ونزيده أغلالاً فوق أغلاله , وظلماً على ظلم يتجرع مرارة وحرَّته , فإننا لانريد أن نفهم الدرس , وسنظل نكرر الأخطاء , وننتظر النتائج السيئة .
ليس بخافٍ على أحد , أن الشعارات المرفوعة , في تلك الثورات التي قامت , وغيرها مما ينتظر دوره , تتفق جميعها على المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمية , ويأتي تبعاً لها المطالبة بالحريات , وإلغاء قوانين التضييق , ولأننا نحتاج إلى توضيح هذه الصورة أكثر , فتعالوا بنا لنجمع بعض الأجزاء مرة أخرى , وذلك من خلال هذه المقارنة :
الفرحة العارمة التي صاحبت طرد الطاغيتين " بن علي ومبارك " , تعيد للذاكرة شخصية عربية , ليست بعيدة عنا , حكمت بلادها , وأحبها كثير من رعيتها , بل وبقيت ذكريات تلك الشخصية , والأحزان على فراقها ماثلة حتى هذه اللحظة .
تعالوا بنا نقارن بين تلك الشخصية العربية , وبين طاغوت مصر , لنجد أن بينهما فرقاً كبيراً , وبوناً شاسعاً , وأنا حين جعلت المقارنة بينهما تحديداً كان الباعث لذلك طول المدة , كما إن المقارنة لاتعني تزكية جميع الأفعال , ولا يلزم منها خلو جانب أحد عناصر المقارنة من الخطأ والتقصير .
فمَن منا من لايعرف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ؟ , الرجل الذي حكم دولة الإمارات العربية المتحدة أكثرمن ثلاثين سنة , والذي ساهم في تغيير ملامح الدولة , وكان قبل ذلك حاكما لإمارة " أبوظبي " وقبلها أميراً لمدينة " العين ".
لماذا أحبَّ كثير من شعب الإمارات الشيخ زايداً وحزنوا كثيراً على رحيله ؟, ولماذا بقيت ذكرياته ماثلة أمامهم حتى اليوم ؟ , ولماذا لم يستثقلوا مدة حكمه رغم طولها ؟ .
لست هنا مزكياً لزايد , ولا زاعماً أن كل ما في دولة الإمارات سليم وصحيح , ولكني استشهدت به لكون تلك الثورات الغاضبة , كان دافعها , والمحرك الرئيس لها , وعامة شعاراتها , وغالب تصريحات أصحابها , المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية , ورفع الظلم الواقع عليهم في أمر دنياهم , لذلك فالمقارنة من وجهة نظري واقعية جداً .
قبل سنوات , انتشر مقطع في اليوتيوب للشيخ زايد , وكان يتحدث فيه ببساطته المعهودة , وكان يقول : والله العظيم إني لا أدري إن في شعب الإمارات ناس ألحين ساكنين بالأجار , ألين جتني مكاتيبهم وطلباتهم , وهو تحت هذا الرابط :
ووجَّه بأن يُمنح كل مواطن إماراتي سكناً , أو عقاراً , أو مزرعة , وأن يتم تحسين أوضاع وظروف ذوي الحاجات من الرجال والنساء , وهذا وغيره من المواقف التي يتناقلها أبناء الإمارات , بل والواقع المشهود على أرضها , وحال من نقابله من أهلها في كل بلاد الدنيا , يؤكد أن المواطن الإماراتي حظي بقدر كبير من اهتمام زايد , وهذا لايعني عدم وجود صور مخالفة , لكن الحديث عن الغالب .
لعل قائلاً يقول : لم توفَّق في المقارنة , فبين الشعبين والدولتين اختلاف كبير , فلا يمكن أن نقارن شعب مصر بشعب الإمارات , من حيث الكثرة , ولا بين الدولتين من حيث الموارد , فأقول : هذا قد يصح جعله اعتراضاً وجيهاً , إذا لم تتحدَّث الحقائق أن مبارك حرم شعبه الثروة , ليوفِّر على خزينة الكيان الصهيوني , ورضي بمهانة شعبه , لينعم هو ومن حوله بمليارات مصر , أما وقد تحدَّثت الوثائق , وانكشفت الحقائق , فتبيَّن أن فرعون مصر , وطاغية تونس , قد باعوا كرامة شعوبهم , لينعموا ومن حولهم , في حين اختفت تلك الأنانية عن رجل كالشيخ زايد , لذا فالمقارنة مقبولة , ولهذا فلم نسمع أن شباب الإمارات تنادوا للثورة , كما لم نشاهد منهم غضبة ونقمة على الشيخ زايد أو غيره من حكامهم , وحديثي هنا عن الغالب , ولايعني عدم وجود حالات مخالفة .
إن المنطق الصحيح يفترض أن عبارة " أنا فهمتكم أي نعم أنا فهمتكم فهمت الجميع " , الكلمة التي قالها طاغوت تونس , فسارت مثلاً , وبنحوها قال فرعون مصر , لكنه لم يُبِنْها , بسبب علوِّه واستكباره , ولا أدري من سيقولها بعد ذلك , ستطرح هذا السؤال : لماذا لم تفهموهم إلا الآن ؟ , وأين كانت صرخاتهم تذهب عنكم ؟ , فإن كانت تصلكم ولم تحركوا لها ساكناً , أو ترفعوا بها رأساً , وهو الاحتمال الأقرب , فأنتم خونة , وما لقيتموه جزء مما ستلاقونه في مستقبل الأيام , وما عند الله للظالم أشدُّ وأنكى , أما – وهو احتمال ضعيف - إن كانت تلك الصرخات تُحجب عنكم فلا تصلكم , أولايصلكم إلا المُزَوَّر من الأحوال , فهذا دليل ضعف فيكم , وقلة مبالاة منكم , لأن تلك البطانة التي استطاعت أن تحجب أصوات الناس عنكم هذه السنوات الطويلة , فلم تسمعوا الأصوات المبحوحة , إلا بعد أن بلغت أقدام المقهورين نواحي قصوركم , قد وجدت فيكم من الغفلة , وانعدام القدرة , بل والانشغال بحظوظ النفس , عن حقوق المجتمعات , مايؤكد عدم أهليتكم لتولي أمور المسلمين , وفي هذا من الدرس والعبرة مايكفي لسائر ولاة الأمور , فليعيدوا النظر في حساباتهم وتعاملاتهم , فإن كان الخلل في بطانتهم , فلينتدوا الناصح الصادق , وليطردوا ويحاسبوا الغاش الخائن , وإن كانت قد غلبتهم شهوات أنفسهم , وأغْشَتهم عن حقوق رعاياهم , فليراجعوا النفس , وليعلموا أنهم أمناء على ما بأيديهم , وأن سؤال الله لهم أعظم من سؤاله لغيرهم , فإن كانت غرتهم قوتهم , وما ملكته أيديهم , فليتذكروا أن من ملَّكَهم ذلك هو الله , وأنه قادر على نزعه منهم , ومنحه لغيرهم , ويبقون بعد ذلك أسارى للحساب والجزاء .
إن الإصلاحات الجادة , هي التي يكون الباعث منها ذاتياً , والرغبة داخلية , والهمة مبذولة , أما الإصلاحات التي لاتأتي إلا بوعود هلامية , باعثها التخوف من اهتزاز العروش , فهي وإن دغدغت مشاعر بعض البسطاء , وخدَّرت بعض المغفلين , إلا أنها علاج موضعي , سرعان مايذهب مفعوله , ويعود الألم بعده سريعاً , وحينها ومع تكرر الجرعات , تنعدم الثقة بذلك العلاج , أو تقل الحماسة له , كما إن تكلفة تكراره قد تعادل تكلفة علاجه علاجاً تاماً .
إن على من يريد من شعبه أن يحفظ له حقه , ويرعى له قدره , و يحسن له السمع والطاعة , أن يسوسهم بالعدل , وأن يحكمهم بالشرع , وألا يستفزهم أو يَشُقَّ عليهم , وكيف لايكون ذلك كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليه أو له بقوله : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) .
إن الإعلام المزوَّر وحده لايكفي في تحسن الصورة , ولافي مخادعة الناس , والمجتمعات أصبحت تعي أكثر مما سبق , والفرد الضعيف المغلوب على أمره , أصبح مع طول الأمد يتململ , وشاهد هذا واضح جلي , فمن كان يُصدق أن بعض بسطاء تونس سيثأرون , أو أن ضعفة مصر سيغضبون , إلا أنهم بلغوا من المشقة مالايحتملون معه الصبر , ومالايجدي معه رأي عالم , أو قول مفكِّر , بل قد تجاوزا كل ذلك , وصاروا يجوبون الشوارع مزمجرين غاضبين , ومما أشعل الغضب في نفوسهم , وزاد الغيظ في قلوبهم , ما سمعوه وتناقلته وسائل الإعلام , وأثبتته الحقائق , من أن الرئيس وحاشيته , يملكون في خزاناتهم الخاصة , ما يمكن أن يقتات منه المجتمع زمناً .
إن الشاب الذي لايجد وظيفة , أو يبقى عاطلاً لسنوات , ولاتقوم الدولة بتأمين مايحتاجه طيلة مدة بطالته , أو ذلك الذي يموت أحد أفراد أسرته , أو يصارع الموت بنفسه , بسبب عدم وجود مكان لعلاجه , أو يعيش كل عمره رهناً لمالك البيت الذي يسكنه , لعدم قدرته على التملُّك , أو يتقطَّع راتبه الهزيل بين قسائم الضرائب , وغلاء المعيشة , وخدمات الماء والكهرباء والهاتف , أو غيرهم مما هو في معناهم , كل هؤلاء لايمكن أن نتصوَّر أنهم سيعذرون من حال بينهم وبين حقوقهم , أو صار يمُنُّ عليهم بها , وكأنها فضل منه ومنَّة , فكيف إذا انضاف إلى ذلك مايرونه ويسمعونه , من صور وحالات البذخ والترف , تلك التي يتعامل بها بعض سفاء الأحلام , من مترفي القوم , أو حالات الإنفاق بسخاء على من لاتجب عليهم نفقته , كالإحسان إلى الصهاينة أو أشباههم , وحرمان الضعفاء المستحقين من أبناء المجتمعات .
لك أن تتخيل أن شاباً يسمع أن ثروة جمال مبارك جاوزت عشرات المليارات , وذلك الشاب لا يجد ما يملأ به جوفه , فماهو الشعور الذي سيحمله ؟ .
ولك أن تتخيل رجلاً ينتظر دوره لعلاج ابنه , أو لنقله لمستشفى مناسب , فيموت ابنه قبل أن تتحقق أمنيته , وهو يسمع أن أحد أبناء المترفين يُحضر الآيس كريم بطائرة خاصة , فماهو الولاء الذي سيدين به ؟ .
وتخيل ذلك الرجل الذي قد رقَّ عظمه , وانحنى عوده , وهو يكد ويكدح طوال حياته , رغبة في تأمين مايلزم لشراء بيت يستودع فيه أهله , ولم يتمكن من ذلك بعد , ثم هو يسمع أن من هوأصغر منه سنَّا , وأقل خدمة , يشترى فنادق بأكملها , تدار فيها الخمور , وتقام فيها السهرات الآثمة , يشتريها بعملة صعبة , ربما لم يسمع بها ذلك الرجل من قبل , وحين نقول يشتري فندقاً , فإن هذا يعني أنه يستكثر , وأن مبلغ الفندق أو القصر , في تلك البلاد , لم يكن إلا من بعض أجزاء ثروته , التي لايُعلم من أين وكيف تملَّكها , فياترى ما ذا سيقول ذلك الرجل المسكين ؟ , وكيف وبأي نفسية سيقابل تلك الأخبار ؟ .
وللحديث تتمة , أكملها في حينها , بحول من بيده الحول والقوة .
اللهم أعذنا من الفتن , ماظهر منها وما بطن , واعصمنا بالكتاب والسنة , واجعلنا من أنصار دينك , وحملة لواء شريعتك , والذابين عن حياضها .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين , والرافضة المفسدين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
13/ 3 / 1432هـ
تنبيه : تم افتتاح قائمة بريدية في موقعي الشخصي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق