الاثنين، 29 نوفمبر 2010

المؤتمر الدولي لتعفُّن الشُّرَّاب.. لسليمان الدويش


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
ففي خضم هذا التسابق المحموم لإقامة مؤتمرات وملتقيات دولية عالمية , لمناقشة قضاياً داخلية , أو قضاياً عامة , وماتتطلبه تلك الملتقيات من إعدادات وموازنات مكلفة , خاصة وأننا تعودنا بكرمنا الحاتمي وغير الحاتمي , أن تكون تلك الملتقيات مضرب المثل في ارتفاع التكلفة وقلة البركة , وألاَّ تخلو من اهتماماتنا الكبرى " الفن " كوننا نحن العرب سادة هذا الباب وأئمته , ولعل آخر ذلك فقرة تقليد الراحلة أم كلثوم في المؤتمر الدولي المقام حالياً في جدة عن مشاركة المرأة في التنمية .
أقول : إننا في خضم هذا التسابق , وفي محاولة الزج بقضايانا الداخلية خارجياً , أو لشعور كثير منا بالنقص , وإحساسه بعقدة التبعية للغرب , أو لما يختفي وراء ذلك من أسباب غير نزيهة , أو لغير ذلك من المبررات , لذا فإني أرى أن الحاجة الآن مُلِحَّة لعقد مؤتمر دولي , خاصة مع دخول فصل الشتاء , وإن كانت الحاجة لهذا المؤتمر مستمرة , وذلك لكونه غير مقتصر على بلدنا , بل يشاركنا الهمَّ فيه ومنه ومعه معظم دول العالم , مما يستدعي النفير العام , كما إن ما سيتمخَّض عنه هذا المؤتمر من حلول , بل وما سيتناوله من أسباب , سيساهم في التفاعل معه معظم شرائح المجتمع ومؤسساته , فوزارة العمل معنية بشكل مباشر , ومثلها وزارة الصحة , وكذلك التربية والتعليم , ووزارة التجارة , والغرفة التجارية , وغيرها من الجهات , سواء التي شاركت في مؤتمر المرأة , أو غيرها مما لم يشارك وبقي متفرِّجاً , ينتظر ماتتمخَّض عنه توصيات المؤتمر , كما سيحتاج المؤتمر الذي أشيرُ إليه , وأرى أن الحاجة مُلِحَّة لعقده ,  إلى شخصيات ذات طابع شرعي لتقرير الحكم الشرعي وقياسه على مايماثله , ويمكن للتوفير الاكتفاء بذات الشخصيات التي شاركت في مؤتمر المرأة في جدة , وأن يُعقد في نفس المكان , وبالرعاية نفسها , وذلك من باب التمشي مع سياسة ترشيد الإنفاق , لكن بشرط أن تقتصر المشاركة على السعوديين وحدهم , تماشياً مع مبدأ السعودة , وألا يُمَكَّن غيرهم من المشاركة إلا بعد أخذ التعهد عليه بأن يكون من أصحاب المعتقد السليم , والسجل النظيف , وألا يكون له ارتباط بالمنظمات الإرهابية الدولية , ولا بغيرها من المنظمات المفرِّخة للإرهاب , أو المتعاطفة معه , كجمعيات تحفيظ القرآن , أو هيئات الإفتاء ومراكز الدعوة .
إنني أقترح أن يكون المؤتمر تحت عنوان " تعفُّن الشُّرَّاب , الأسباب , والحلول " , ولمزيد من لفت النظر لهذه القضية فيمكن تصوُّر أن بعض الشراريب تختلف عن بعض , وأن المشكلة تكمن أحيانا في الحذاء المستعمل , كما لِلُبس الشراب بعد غسل القدمين مباشرة وقبل تنشيفهما أثر واضح , ولطول مدة اللبس كذلك , وللعمل في الأجواء الحارة , ومايصاحب ذلك من التَّعرُّق أبلغ الأثر , وللإهمال من قبل الأسرة , وعدم العناية بالنظافة والغسيل المستمر أثر بيِّن , ولعدم المراقبة للسِّلَع , ولانتشار السلع التجارية والمقلَّدة ذات الأثر , ولغياب التوجيه والتوعية في المدرسة وغيرها إسهام في زيادة المشكلة , وهي مشكلة جديرة بأن تتناول بشكل دولي , وأن تُستَنفر لها الكفاءات العالية , ولامانع من إشراك منظمات حقوق الإنسان , نظراً لكون المشكلة تعدَّت , ولارتباطها بحقوق الأطفال والعمَّال , ولتعديها على حقوق الناس في دور العبادة وغيرها , وللمزيد من أوجه المعاناة من هذه المشكلة العالمية فإنني أضع بين يدي القارىء بعض الصور للحالات التي تدخل فيها هذه القضية بشكل مباشر , فمنها على سبيل الإجمال لا الحصر :
1 – العمال الذين يتعرضون للعمل الشاق , ويُلزمون بارتداء الحذاء " الجزمة " , ويبقون في عملهم ساعات طويلة , حتى إذا جاء وقت الراحة لم يجدوا متَّسعاً لخلع أحذيتهم أو شراريبهم , ولعل الحال بالنسبة للمسلمين منهم أفضل بكثير , حيث ينزعونها أحيانا للوضوء والصلاة , وهذا مشاهد معلوم , ولتشخيص المشكلة بشكل أدّق , فإننا نقول : إذا كان المسلم أحسن حالاً من غيره , مع ما يتسبب فيه من أذية للناس , ومضايقة لهم في مواطن عبادتهم , حتى ذكر لي أحد الفضلاء أنه يتحيَّن الدخول للصلاة في المسجد الحرام من الأبواب البعيدة عن الأبواب المقابلة لمناطق عمل العمال , وذلك لأن رائحة شراريبهم أسبق إلى أنفه من بعض محلات العطور المجاورة للحرم , وقل مثل ذلك في كل المساجد التي يكثر فيها العمالة , فإذا كانت هذه حال المسلم فمابالك بغيره ممن لايخلعهما لوضوء ولا غيره , وهذا في نظري يزيد من أعباء منظمات حقوق الإنسان , وذلك لحماية العمالة من العمل الشاق , ويوجب على وزارة العمل وضع بند خاص في عقود العمل يعالج هذه المشكلة .
2 – الأطفال الذين يبقون مدة طويلة على لباس واحد , وما يتعرضون له أثناء ذلك من حرارة أو رطوبة , أو مايقعون فيه حال لعبهم مما يزيد في حجم المعاناة , حيث لايبالي كثير منهم بالعبث في الماء أو الوحل , أو المرور عليه والمشي فيه , ويرى ذلك متعة وتسلية , ويكثر هذا في المراحل الابتدائية والمتوسطة , وهذا ما يزيد الحمل على وزارة التربية والتعليم , ويلزمها باستشعار المسؤولية , ولذا فإني أقترح عليها أن تُشكل لجنة لدراسة المشكلة , واتخاذ الخطوات العملية المناسبة , وفي رأيي أن لجنة الشراب أولى بأن تلقى الاهتمام والرعاية من قبل وزير التربية والتعليم من الكشافة النسائية , التي اقتطع لأجل الالتقاء بها , والتصوير معها بعض وقته الثمين , الذي لم يجد فيه متَّسعاً للدوام في وزارته أكثر من يومين في الأسبوع , ومع هذا فقد حظيت الكشافة النسائية باهتمامه المُلفت , الذي جعله يتباهى بهِنَّ , ويحرص على مقابلتهن خارج وقت الدوام , وفي مناطق مزدحمة بالعمل , ولو حسبنا بالنظر المادِّي حجم النفع الذي سينتج عن لجنة الشراب , مع نتاج كشافة المشاعر , الذي لايتعدى عملهن فكرة استهداف المرأة , ومحاولة إقحامها في كل شيء , وفرضها في كل مجال , لوجدنا أن نفع كشافة المشاعر ( إن وُجِدَ ) محصور في أيام معدودة , لفئة محدودة , بينما ستساهم لجنة الشراب في نفع أعداد كبيرة , وعلى مدار العام , خاصة وأن الشراب يستخدم في الرياضة المدرسية وهكذا .
3 –  ذوو الدخل المحدود , وهؤلاء نظراً لقلة ذات اليد , فقد يضطرون للترشيد , وتقليل مرَّات الغسل , حتى يحافظوا على ثروة الماء والكهرباء الوطنيتين , وخوفاً من التأخر في السداد الذي يعرضهم للحرمان من هاتين الثروتين الوطنيتين , وحتى يدَّخروا مافي أيديهم من مالٍ لشراء ماهو أهمُّ من أدوات النظافة , خاصة مع غلاء الأسعار الفاحش , وإلى أن يأذن الله بفرج منه فتستيقظ الجهات المعنية لمراقبة الأسواق .
هذه بعض الصور الإجمالية , وهي تستوعب بتفصيلاتها كثيراً من الصور المشاهدة .
كما يمكن إدخال " الموضة " في هذا المؤتمر , وأعني بها موضة المرأة , حيث أصبحت الموضة الحالية هي المرأة , وأصبح كل عمل لاتشارك فيه المرأة عملاً أبتراً , وليس له طعم ولالون ولاريح , ويمكن وصفه كذلك بالعمل الراديكالي أو التقليدي أو المتشدد , وللخروج من هذا المأزق فيكفي أن تحضر المرأة مراقباً , أو على أقل الأحوال للتغطية الإعلامية , وذلك على قاعدة " المخرج عاوز كده " , وهي قاعدة تختلف عن قاعدة ( وقرن في بيوتكن ) , لأن هذه قاعدة ربانية , وتلك قاعدة شيطانية تتفق مع النظام العالمي الجديد .
وعلى صعيد مشاركة المرأة في مؤتمر الشُّراب , فإني أحب أن ألفت النظر إلى أن حجم مشاركتها قد يكون هزيلاً , وذلك لكونها ترى أن لبس الشراب يتعارض مع الحرية , ويتصادم مع أهداف النظام العالمي الداعم لحقوق تحرير المرأة من الحجاب , وهو ما يجعل كثيراً من راعيات العمل النسائي التنموي النهضوي التنويري التطويري , المتوافق مع شريعتنا الإسلامية الوسطية السمحة , الشريعة التي أصبحت كالصلصال يمكن تكييفه على كل شيء , لايتحمسن لذلك المؤتمر , إلا أن تكون وقائعه مختلطة فيمكن المشاركة بفاعلية , وذلك تغليباً لجانب مصلحة تطبيع الاختلاط العليا , على مفسدة لبس الشراب الدنيا , وربما قلَّت مشاركة المرأة لسبب أن كثيراً من النساء يخالفن الشرع في عدم ستر القدمين , وهذا وللأسف واقع ومشاهد , وربما لاينشط كثير منهن للبسه إلا عند الشعور بالبرد , وهنا نذكِّر من تفعل ذلك بقولنا : أتتقين البرد بما أنعم الله عليك من اللباس , ولا تتقين الله بطاعته فيما أمرك به ؟ .
واستكمالاً لجوانب الموضوع , وحتى لا أقفز على جدول أعمال هذا المؤتمر العالمي , ورغبة في المساهمة بما يفيد , فإني أرى أن الغرفة التجارية تتحمل مسؤولية كبرى , وهي معنية بالتنقيب عن المصانع والدول ذات المنتجات الجيدة , ولعل غرفة جدة أن تأخذ بزمام المبادرة , وخاصة وأن رئيسها يملك شركات كبرى , وفيها من العمالة مايحتاج لنوعيات جيدة من الجوارب , وذلك حتى لا يتأذى المسلمون بنتن جواربهم , وظني فيه أن يبادر في ذلك , وهو الشيخ الذي ينتصب للفتيا أحياناً , ويبرز بعضا القضايا على أنها قضاياً خلافية , أو مسائل عادات , وهو لم يتورَّع عمَّا هو مجمع على تحريمه بين أهل المذاهب كلهم , بل بعضه محرَّم حتى في الأديان الباطلة والمنسوخة , ولامانع من أن يختلي بداعية الاختلاط , فيخرجون بفتوى تقيس الشراب على البصل والثوم والكراث , أما الدخان فربما لايقاس على تلك الخبائث لأنه في رأي بعض فقهاء الغرفة من الطيبات أسوة بالتعميرة " الشيشة " , بل ومن المؤكد أن من لم يتورَّع عن الكبائر فلن يتورع عن التعميرة , كما ويمكن الاستعانة ببعض فقهاء الصحافة , وإن كنت أرى أن الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره , ولهذا فلعل صاحب المبادرة العالمية لمؤتمر الشراب أن يبعث بدعوة خاصة للسادة من الفقهاء الصحفيين , الذين يكتبون في كل فن , ولايتورعون إلا عن الطيبات عياذاً بالله , ويجمعهم في صالة مغلقة , أو ينتقل بهم إلى سكن للعمالة الوافدة , ويستنشقوا من عبق تلك المساكن , ما يعيد لهم الحيوية والنشاط , وإن كان ما ينتج منهم من عفن أشدُّ وأنكى , ( ومن يُهِن الله فماله من مُكْرِم ) , وإنما اخترت الفقهاء من الصحفيين لكونهم يعتنون بالقضايا العالمية , ويبالغون في التنمية الوطنية , ولذا كان الاصطفاء لهم دون غيرهم , وهم الذين عناهم شيخنا الوقور العلامة عبدالرحمن البراك بـ " جنود الشيطان " , وحقيق بمثلهم أن يُنتدب لهذه المهمَّة , ولأنهم خير من سيتحدَّث عنها , ويضفي عليها من تجلِّياته ما يمنحها قوة في التداول , وكيف لا , وهم القوم الذين لو أسرف مادحهم في مدحهم لما جاز قول القائل في أمثالهم :
أثني عليَّ بما علمت فإنني    ****   مثنٍ عليك بمثل ريح الجورب
وهم حقيقون بهذا الوصف وأهلٌ له , فإذا اجتمع لهم الحديث عمَّا وصفوا به , وكان ذلك بعد دعوة خاصة لهذا الغرض , فقد اجتمع لهم مما يأملون شيئاً كثيراً , و ( كل حزب بمالديهم فرحون ) .
كما يحسن بالإعلام أن يتفاعل مع أحداث هذا المؤتمر , وأن يعرض وقائعه لحظة بلحظة , وذلك أسوة ببقية المؤتمرات العالمية النافعة , وألا يعامله معاملة بعض المؤتمرات عديمة النفع والجدوى كالمؤتمر العالمي الثالث لعلوم طب القلب , الذي نظَّمه مركز الأمير سلطان لمعالجة أمراض وجراحة القلب بالأحساء , وشارك فيه 32 عالماً من دول العالم , بل يعامله معاملة القضايا الحساسة , والإنجازات الضخمة , ككشافة المشاعر , وفتاة قفز الحواجز , ومتطوعات جدة , وسينما البحرين , وكاشيرات هايبر بندة , وإبداعات حرم وزير العمل المصون , وغير ذلك من القضايا التي لاغنى للأمة عنها , ولا حياة لها بدونها .
ومما تجدر الإشارة إليه أن من واجب الإعلام أن ينبِّه على بعض الأخطاء في استعمال الجوارب , وأن ينقل بعض الصور التعبيرية عن حجم المشكلة , كوضع صور لبعض الجوارب المتعفِّنة , وفي ظني أن هذا خير من بعض مقالات كثير من الصحفيين , وكذلك وضع صور للأحذية " الجزم " الرديئة , التي غزت الأسواق , وهي سبب في مشكلة تعفُّن الجوارب , وإن خاف من الملاحقة القانونية - وحاشاه -  لكون الأمور غير مفلوتة كما يزعم وكيل الوزارة المساعد للإعلام الداخلي , فيمكن له من باب " الميانة " , أن يستبدلها ببعض بغال الليبرالية وذلك للتشابه العظيم بينهم , وبين ما سيتمَّ الاستغناء عن عرضه , وفي تقديري أن معظم ليبراليي قومنا , ممن اتخذ الهجوم على الشريعة , ورجالها , ومحاضنها , ومقرراتها , مجالاً لحديثه يصلح للمعاوضة , ويمكن الميانة عليه , ومن وجد في نفسه أنفةً من ذلك , فيمكن إقناعه بأن هذا يندرج تحت " شرف المهنة " , وتوجيه المعاوضة  , لأنهم رضوا بأن يتخذهم عدوُّ الدين حذاءًا يمتطيه ليبلغ به مايبلغ من مواطن إيذاء المسلمين في أغلى مايملكون .
كما ينبغي الإشارة إلى أن هناك جهات حكومية وأهلية معنية مباشرة بالمشكلة , ومطالبة بالإسهام في الحلول , خاصة الجهات ذات العلاقة في كل شيء , والتي لاتتحمل مسؤولية شيء , وتسعى إلى تغيير كل شيء , دون أن تصلح أي شيء ,  ولكن , وإلى أن يتمَّ العمل على عقد هذا الملتقى الدولي , وحتى تنتهي اللجنة المنظمة من إعداده , وإلى ذلكم الحين فإني أستأني بما لديَّ من أفكار ورؤى , متعهداً بطرحها مع أول لحظات انطلاق مؤتمر "  تعفُّن الشُّرَّاب , الأسباب , والحلول   " .
رسالة : إلى كلِّ من شكك في جدوى هذا المؤتمر , أو رأى عدم الحاجة إليه , أو ظنَّ أن فيه ترهُّلاً , أو اعتقد أن هذا ليس وقته , فإني أسأله أن يعطيني ثمرة واحدة من كثير من المشاريع والمؤتمرات العالمية والدولية , التي أقيمت على ثرى بلادنا الحبيبة , وتحقق بسببها لأبناء هذا البلد المعطاء ما يأملونه من الخير والازدهار , فإن وُجِدَ فهاته , وإن لم يوجد فليس هذا بأقل حظَّا من تلك , إلا أن يكون الخير في نظرهم  بالانفتاح على الشر والفساد , فهنا أرفع قلمي لأقول : إن كانت المؤتمرات للفساد والشر فـ ( ماجئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لايصلح عمل المفسدين ) .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبومالك
23 / 12 / 1431هـ

أزياء بنات الجامعة! أحمد بن عبدالمحسن العساف

دخل أستاذ علم الاجتماع على طلابه فوجد كثيراً منهم يرتدي الزّي الأفغاني أو الإيراني، وقد حدث موقف مشابه لأستاذ مادة الرِّياضيات حين رأى طلابه بملابس قصيرة، ولبعضهم شعر كدشي مروِّع! إنَّ هذه الصُّور محل استنكار كثير من العقلاء أيَّاً كانت منطلقاتهم، فالزّي يرتبط بالهويّة؛ ولا يتنازل عن هويته إلاّ منسلخ أو جاهل، ولا مكان لدعوى الحرّية هنا؛ فالحرّية في مواضع معينة تعني الفوضى. 

وقد حدثني مَنْ يتولى إعادة قريبته من إحدى جامعات الرِّياض عن مناظر الفتيات ساعة خروجهنَّ من مبنى الجامعة، إذ يلبس بعضهنَّ ملابس تتفاوت في القصر من فوق الكعبين إلى حدود الرُّكبتين؛ حتى أنَّ بعض هذه المقاسات لو كانت على رجل متدين لرمقه البعض بنظرة اتِّهام وربَّما ازدراء. ويعظم الأمر على صاحبنا حين يلعب الهواء بعباءة الطَّالبة مبدياً شيئاً من مفاتنها وشكل جسدها؛ أو حين تقفز إلى الحافلة ذات الباب العالي.

     قلت لمحدِّثي: غضَّ بصرك! فأجابني مبتسماً أنَّ الظباء قد تكاثرت على خراش فلا يدري أين يضع بصره؟ فاقترحت عليه أن يتخذ لنفسه مكاناً قصيّاً ينتظر فيه قريبته حتى لا يضطَّر إلى الوقوف والنَّظر، فاعتذر بسوء تنظيم الحركة حول الجامعة وصعوبة الحصول على موقف ثابت دائما؛ إضافةً إلى أنَّه يرحم قريبته من البحث والمشي وحيدة بين السَّيارات والرِّجال، وحين اقترحت عليه استئجار حافلة أفادني بأن الحافلات تأخذ الطالبة باكراً وتعيدها متأخرة؛ وزاد أنه فشل في إسناد هذه المهمة إلى غيره من المحارم، وبعيداً عن الحلول فإنَّ أصل المشكلة باق ولا يكفي زجر رجل واحد عن النَّظر! 
     وتذكرت بعد هذا الحوار مقالاً قرأته لكاتبة فاضلة في صحيفة محليّة؛ روت فيه أنَّ زائرة غربيّة تعجبت من ملابس بعض نسائنا في حفلات الأعراس التي لا تختلف كثيراً عن لباس البحر! وقد زارت داعية سعودية مشهورة بلداً خليجياً بدعوة رسميّة، وقابلت كثيراً من نساء ذلك البلد، ودخلت بيوتات أهله بدءاً من الحاكم وانتهاءً بعامَّة النَّاس، ولاحظت في زيارتها وجولاتها المتعدِّدة أنَّ اللباس السَّابغ هو سمة نساء البلد، ونسبة العري قليلة في الكم والكيف؛ وبعض الشَّابات هناك لا يخرجن إلى فناء بيوتهنَّ دون غطاء رأس! وإنَّه لأمر يجلب السُّرور بهذا التَّصون، ولكنَّه يحزننا حين نقارنه بحال بعض مجتمعاتنا النِّسائية التي تزداد فيها رقعة العراء.

ولدي اعتقاد كبير أنَّ هذه الطَّريقة المبتذلة في اللباس ليست دليلاً على رغبة الفتاة في الفجور، وإنِّما هو نوع من خواء الرُّوح يعالجنه بعراء الجسد، بسبب التَّقليد أو رغبةً في التَّفرد أو تنفيساً عمَّا يواجهنه من حرمان وتجاهل أو لفتاً للأنظار أحيانا. وتزداد أهمية طرق موضوع الأزياء مع الحملة التَّغريبية المتواصلة ضد المرأة والمجتمع، إضافة إلى أنَّنا ننشد أجيالاً رائدة في الإصلاح والإبداع والتَّغيير الإيجابي؛ ويصعب وجود هذه الصِّفات في أبناء لا همّ لأمهاتهم سوى الزِّي والزِّينة بلا ضوابط شرعيّة، فضلاً عن أنَّ الإفراط في تجميل المظهر يقضي على الرُّوح ويحرم العقل والقلب واللسان من الاهتمام اللائق بها.


وللأديبة العراقية الرَّاحلة د.نازك الملائكة محاضرة جميلة( ) مطبوعة بتعليق الشَّيخ محمد عيد العبَّاسي تنعى فيها على المرأة العربية نسيان العناية بشخصيتها وعقلها وروحها مقابل الإسراف في الملبس والتَّزين؛ والإفراط في أدق التَّفاصيل التي لا تستثني الحذاء أو ربطة الشَّعر؛ وفيه قالت: "ولكم أحترم الهند في أنها حافظت على لباسها، وصمدت في وجه الغرب صموداً رائعاً. فالمرأة الهندية تلبس الساري الهندي الجميل الذي يلف كتفيها؛ ويهبط حتى قدميها، فيحفظ كرامتها القومية، ويصون عزتها النسوية. إن ملابسها هندية وليست أوربية؛ وهي تلبسها في وطنها والعالم كله، وهي لا تقدس أزياء الغرب".


ولا تخلو إدارات جامعاتنا من رجال ونساء يخافون الله، ويحرصون على المجتمع، ويترفعون عن الهوى، وهذه سمة العقل الأكاديمي الباحث عن الحقيقة بتجرُّد، فليت واحداً من هؤلاء يملك من الشَّجاعة ما يكفي لضبط ألبسة الفتيات في الجامعة ومتابعتها بصرامة تربوية دون الالتفات للضَّجيج المصطنع حول المرأة، وللبريق الخاطف لمن يقدِّم التَّنازلات بشأنها؛ فالخاطف اليوم خافت غداً،  وليتعاملوا مع الأمر تماماً كما سيفعلون لو لبس الطُّلاب زيِّا أفغانيّاً أو إيرانيّاً أو غربيّا! وهو ما نرفضه لأسباب دينية ولمصالح وطنية واجتماعية. 


ولا أغفل الجانب التَّربوي المتزن المرجو من الآباء والأمهات، وهذا الموضوع يحتاج حديثاً خاصَّا، ولعلَّ في الكتب والبرامج التَّدريبيَة ما يعين الأبوين المخلصين على أداء رسالتهما الأبوية بنجاح وحنان. والمأمول من المحاضن التَّربوية والدَّعوية النِّسائية ألاّ تقتصر على العناية بضبط المظاهر الخارجيّة وتهمل تعبيد القلب لله وسوق الجوارح كلها للسُّجود بين يدي الله خاضعة طائعة، لأنَّ السُّلوك فرع عن الاعتقاد والتَّصور، وإصلاح التَّفكير وتعميق الوعي طريق أكيد لتحسين الأخلاق والارتقاء بالاهتمامات، فجمال المرأة الحقيقي كما تقول د. نازك: " ينبع من الروح الكبيرة المستوعبة، والذهن الحر المرن، والقلب النابض الرقيق. وهو جمال الخلق الكريم والعذوبة، والخشوع لله والنزاهة وكبر النفس".


أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض

الأحد 22 من شهرِ ذي الحجة الحرام عام 1431
ahmadalassaf@gmail.com

السبت، 20 نوفمبر 2010

أبواق التزوير ومعاول الهدم لسليمان الدويش

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :


ففي ظل الكارثة التي تعرضت لها منطقة مكة المكرمة , على إثرقرار الأخ خالد الفيصل القاضي بـ " سعودة " معلمي حلقات تحفيظ القرآن الكريم , وذلك بدعوى التنظيم وتطبيق الأنظمة , وهي كما يقال : انتقائية التطبيق , حيث أثبت الواقع ذلك , ولم يعُد خافياً أن عشرات بل مئات الجهات والإدارات لم تتعرض لمثل هذا الإجراء التعسفي , مما يؤكد الانتقائية , خاصة إذا انضاف إلى تلك الدلائل دلائل أخرى تعطي بمجموعها إثباتاً بأن الدعاوى إن لم تكن بينات فأصحابها أدعياء .
ليس عن هذا حديثي , ففي ظني أني لن آتي بجديد بعد تلك الكتابات الموفَّقة الجميلة , التي خطَّها أصحاب الفضيلة , وقد فنَّدت ولله الفضل كل شبهة تثار بهذا الخصوص , كما تناولوا بوضوح ماصاحب الكارثة من أخبار ملفَّقة أو مغلوطة , أو تمويهيَّة يراد منها طمس الحقيقة , و بلبلة الرأي , حتى لايُعرف صحيح الأمر من زيفه , إنما حديثي عن أبواق جعلت من نفسها نائحات مستأجرات , انبرت للدفاع عن ذلك القرار , ومناكفة العلماء الذين بينوا خطورته , لتقف في خندق المعطِّلين لتعليم كتاب الله , المتَّهمين لأهل القرآن بالتهم الباطلة والجائرة .
إنك لتعجب من أحدهم حين يفغر فاه , ويخطُّ بيده من الزور مايعلم هو قبل غيره أنه باطل , وأنه من التدليس والتلبيس , الذي ما أريد به وجه الله فيما يظهر للناس , وتراه لأجل ذلك يلوي أعناق النصوص , ويختار أسوأ الاختيارات , وينزل الخطاب على غير مراده , ويتكلَّف التأويلات , ويعتسف الأشياء اعتسافاً , بل ويزداد عجبك حين يظن أنه سيُقنِع الناس بما ادَّعاه من أنه يُشهد الله على صحة ماقاله , وجهل الكذاب الأفاك أننا نجد في كتاب الله ما نصُّه :  ( ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على مافي قلبه وهو ألَدُّ الخصام ) , وهي وإن كانت نزلت في قوم , إلا أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب , والمراد أن إشهاد هؤلاء وغيرهم لله تعالى , في أمرٍ لايحتاج القارىء معه إلى عناء في إثبات أن ما أشهدوا الله عليه كذب وتزوير ومغالطة , وهو مما يجب هتكه وفضحه  , لأن الله لايشهد على جور وزور أولاً , وثانياً لأنهم يملكون من آلة التضليل والتلبيس مايمتنع مثله عن غيرهم من أهل الصدق , وهم بما ينشرونه من كذب وفجور , يؤخِّرون بلوغ الحقيقة الناصعة , وفي هذا من الغشِّ للأمة ملايخفى .
كنت أتمنى أن يبحث هؤلاء السفهاء عن حلول تُخرج حفظة كتاب الله من مأزق الحرمان , وتعين الأخ خالداً على النفس والهوى والشيطان , ولكن وياللأسف فهكذا هم أهل السوء , لايرحمون الناس , ولايقبلون برحمة الله أن تنزل على الناس كما يقال , فهم لم يسكتوا عن نصرة الحق , بل نطقوا بالباطل ودعمه , وعلت أصواتهم في الدفاع عن أمر أقسم بالله أن صاحبه لايسرُّه أن يلقى الله به , لأن الله طيب لايقبل إلا طيباً , ولكن هل يمكن أن نتصور منهم غير الأزِّ بالباطل , وتزيين القبيح , حتى إذا جاء العرض والحساب رأيت هؤلاء كما حكى الله تعالى : ( الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين ) , وإن كانت حالهم في الدنيا كما قال الله تعالى : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم مابين أيديهم وماخلفهم ) , وكانوا يسخرون من أهل الإيمان والحق , وربما اتهموهم بالتهم الباطلة والزائفة , ونسبوهم للفتنة والتحريض , أو أن أعمالهم ليست لله , بل هي لمصالح ومكاسب شخصية أو حزبية , أو إلى غير ذلك من الفرى التي لايخفى المراد منها , ولكن أنَّى لهؤلاء إثباتها حين يقفون بين يدي الله تعالى فيسألهم وهو أعلم بهم : أين إثباتكم على أن من قام مدافعاً عن كتاب الله تعالى لم يقم غيرة ولاحمية , وإنما قام لمطامع دنيوية ؟ , ( ستكتب شهادتهم ويسألون ) , ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) , ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) , وحينها فلن ينفع العبد وقد جاء كما قال ربنا سبحانه : ( وكلكم آتيه يوم القيامة فرداً ) أن كتب نصرة لأمير أو وزير أو وجيه , ولن يعصمه من إنصاف الله تعالى للمظلوم , ومدافعته عن السوء ما ناله من هبات , أو ما تحقق له بعد ذلك من تقريب , هذا إن قُدِّر له أن ينال في الدنيا شيئاً من ذلك , فكيف إن فاتته الدنيا التي سعى إليها , وواجه في الأخرى عاقبة بغيه وجوره .
إنه لاغرابة أن يخرج من يدافع عن ذلك القرار , والسبب ببساطة أن الباطل في صراع مع الحق إلى قيام الساعة , فكيف وللباطل اليوم من وسائل التعبير مالايخفى , ولست هنا مستكثراً أن يخرج أولئك الأوباش , بل أنا على ثقة لايخالطها شكٌّ أنهم لو لم يخرجوا , ويعلو هريرهم , لكان فيما قاله المصلحون والأغيار من التهافت ماجعل قالة السوء يوافقونهم عليه , لكني أردت أن أصل إلى ضرورة يحتاج كل واحد منا إلى الإحاطة بها , وهي أن من خرج أو سيخرج مدافعاً عن تعطيل حلقات تحفيظ القرآن الكريم , أو تخطئة من كتبوا مستنكرين مستهجنين تلك الخطوة غير الموفقة , والبادرة الجريئة , لا تخلو حالهم من أمور :
1 – منافق عليم اللسان , أو عَيِيُّهُ , ولكنه شرق بمخرجات تلك الحلق , وكره ما هي عليه , وتمنى زوالها , ولهذا فقد فرح بهذه الإجراءات , ورأى فيها فرصة لتعطيل تلك الجهود المباركة , خاصة أن قرار السعودة مما يستحيل تطبيقه بهذه العجالة , ودعوى أنه تم الاتفاق مع إدارة التربية للإسهام في إيجاد حلول عملية , وأن الأمر جارٍ على تحقيق ذلك , قد ثبت عجزها , وذلك لأنه من بين كل 300 شخص لم يقبل إلا خمسة أشخاص , بمعنى أن من أعلن عن نية توظيفهم وعددهم 1070 لن يوافق منهم إلا نحو عشرين معلما , والأمر ليس كما يتصوره السرعان من الناس , أو أن سعودة هذه الأعمال كسعودة سائر المهن , فتعليم القرآن يحتاج إلى متقنٍ يتمتع بخصائص وإمكانات ليس من السهل توفرها في كل أحد , ثم إن مهنة التدريس ليست من المهن التي يسهل إجادتها في أوقات عابرة , أو خلال دورات مبسطة , ففي الحلق , خاصة مايقع في الحرمين الشريفين , مالايقدر عليه إلا الندرة من الرجال , لما تشتمل عليه من القراءات وعلمها الدقيق .
ومما يدلل على نفاق هؤلاء حشدهم الثناء على مناشط لايخفى على فاضل نكارتها وفسادها , وأنها لاتخدم إلا الفكر المنحرف , ويقف خلف ذلك الثناء مبرر الانعتاق بالمجتمع من الظلامية والتقوقع , التي ينسبونها عادة إلى دين الإسلام , وهذا حين تجعله أمام تعطيل حلقات تعليم كتاب الله , وحجم فرحتهم بما اتخذ من إجراء لأجلها , مع ما يصاحبهم من حسرة وغيظ حين تمنع بعض المحرمات في الشريعة , فإنك لاتجد نفسك إلا أمام نتيجة النفاق , التي يخفونها تحت نحلة الليبرالية النتنة .
والقصد أن فرح أولئك المنافقين بقرار السعودة ليقينهم أن ذلك سيساهم في إطالة أمد فرحتهم بتوقف حلقات التحفيظ عن رعاية الناشئة , مما يمنحهم فرصة الانفلات , والركض وراء المغريات .
2 – متمصلح يبحث عن طمع مادي , أو وجاهة دنيوية , ولذلك فهو يجعل من المناقب رعاية كتاب الله , ودفاعُه جاء منصبَّاً عن أشخاص , وذلك ليروه فيقرِّبوه أو يمنحوه , وتعلَّق لنصرة باطله بالشائعات الكاذبة , واحتمى خلف ستار الأغاليط والمخادعات , ومعلوم أن كلَّ من كتب من أهل الخير والغيرة , يعلمون أن من أولى الأولويات عند قادة هذه البلاد خدمة كتاب الله طباعة وتحفيظاً وتعليماً , ورأوا في قرار السعودة مناهضة لتلك الجهود المبذولة , وتعطيلاً لمسيرتها , ورأوا في الحلول المقترحة عجزاً عن الوفاء بالسرعة التي قد يتصورها بعض الناس , ولهذا فهم يطالبون بالعدول عنه , وإن كان المسؤول يرى أنه لابد منه فيمكن أن يكون تدريجيَّا , وعلى مراحل يمكن تطبيقها , أما أن يتم الإلزام به على وجه السرعة فهذا مما يستحيل تطبيقه , ومما يستحيل معه إيجاد البدائل ولو بربع النفع والجدوى , وليس هذا عجزاً في إمكانيات أبناء هذه البلاد , ولكن للظروف وغلاء المعيشة وغيرها من الأسباب مايبرر استحالة إيجاد البديل , إلا أن يخصص لمدرسي الحلقات من الحوافز ما يجعلهم يتفرغون تفرغاً تامَّاً لها .
وهذا الصنف من الكتبة لايهمهم ما تؤول إليه تلك الحلقات , وربما بعضهم لايعرف شيئاً عنها , ولكنه كتب ليُرى مكانه , وبعضهم يكفيه أن يبقى كاتباً في صحيفة , أو أن يشيد ذلك المسؤول بمقاله , أو أن يهاتفه مدير مكتبه فيشكره ويثني عليه , ولايهمه أن يكون خصمه حفظة كتاب الله , لأنه لايعلم أين تقع المشكلة , كما لايهمه عقل القارىء وفكره , ولهذا فهو آخرمن يحظى باحترامه , حيث يمرر عليه الأكاذيب , ويشوِّه أمامه الحقائق , وينتقص عنده أهل الفضل والصدق , ويزيد في استخفافه بعقل القارىء أن يُشهِد الله على قوله الكاذب .
3 – مخدوع يردد أموراً عفا عليها الزمن , ويتغنى بآراء ينصرها ليس لموافقتها للحق , بل لأنه تلقفها عمَّن استحوذ رأيه على قلبه وسمعه وبصره , وأعني بهذا الصنف من يردد بغباء أن هذه الحِلَق مما يُفرخ التطرف والإرهاب , أو أنها مما استحوذ عليه فكر الإخوان , أو غير ذلك , وهؤلاء ممن أثبت الواقع أنهم أجهل الناس بما يرددون , وأبعد الناس عن فهم الأمور , وأكثر الناس تناقضاً واضطراباً , وإلا فكيف يصحُّ أن ننسب هذه الحلقات للتطرف والإرهاب وهي تحظى بدعم الدولة ورعايتها , ومنها تخرج العلماء الذين هم أبرز من حارب التطرف والغلو والإرهاب , وأما نسبة هذه الحلق للفكر الإخواني فلست أدري هل كان الإخوان من أتباع البنا وغيره موجودين في القرون الأولى , وهل كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين يقرؤون كتاب الله ويتدارسونه بينهم , طمعاً في أن تتنزل عليهم السكينة , وتغشاهم الرحمة , ويذكرهم الله عنده , ممن تخرَّج من مدرسة الإخوان المسلمين , أو أن أصحاب هذه الأفكار التهويلية الاتهامية التصنيفية , التي لاوجود لها إلا في مخيلتهم , ممن يجهلون واقع الأمور , وإن كان سبب ذلك الاتهام ماقد يصاحب التحفيظ من أنشطة تحفيزية , أو رحلات ونحوها , فإن هذا يدل على سطحية التفكير , وضعف الاستدلال , كما يدل على أن القاعدة لديهم هي سوء الظن , ووجود بعض الأخطاء ليس كافياً لإثبات القاعدة , فضلاً عن جعلها هي الأصل , فالأخطاء تكون من بعض المسلمين في صلاته , وفي طوافه في البيت , وفي كثير من العبادات , وتقع من الناس في كثير من أمور حياتهم , فهل يصح أن نجعلها أصلاً وقاعدة ؟ .
4 – من يختلف مع بعض من استنكر قرار التعطيل , ولذلك فهو يريد أن يصفي حساباته معه , أو يستفيد من كون صاحب القرار وجيهاً للتحريش , أو ليمنح نفسه صفة لاتليق به ولا بأمثاله ممن لم يكفه أن كان شيطاناً أخرساً , حتى سارع ليكون شيطاناً ناطقاً , وإلا فكتاب الله ونصرته ليست ميداناً لتصفية الحسابات الشخصية , ولا لتحقيق المكتسبات الذاتية .
5 – من لم يتضح له الأمر بصورته الحقيقية , وظنَّ أن الأمر لايعدو أن يكون تطبيقاً للنظام , وضبطاً للأمور , وهذا ملوم في كونه لم يسأل من يوثق به , وإنما بنى تصوراته على أخبار الكذبة والمغالطين , وفي مثل هذه القضايا الخطيرة يجب أن يتحرى المسلم الدقة , وأن يكون بعيداً عن أراجيف مبتغي الفتنة وجنود الشيطان من الإعلاميين وغيرهم .
هذه بعض حالات هؤلاء الكتاب , وإن كان بعض من كتب وسيكتب قد يجمع أكثر من حال في آن واحد , ولو أدرك الناس أن من انبرى للدفاع عن حلقات التحفيظ ثأر لكتاب ربه , وأن أولئك الكذبة الكتبة لم يثأروا لله , لأنه كيف يكون أمرهم كذلك وهم يساهمون في إطالة أمد حرمان تعليم الناشئة وغيرهم من المسلمين كتاب الله العظيم .
بل إنني أقسم غير حانث أن من كتبوا مستنكرين أرحم بالأخ خالدالفيصل وغيره من المسؤولين من هؤلاء الذين لاشأن لهم إلا التطبيل على الرائحة والغادية , وهم يكتبون وأمام أعينهم ما يتمنونه من حطام زائف , ولا يستشعرون أن من الدين النصيحة , فكيف إذا كانوا يدركون أن ما يقولونه مما يردي صاحبه ويوبقه ومع هذا فهم يزينونه له ويحسِّنونه , فيصعب عليه بعد ذلك مراجعته نفسه واستدراكها , كما إنهم لايقدِّرون عواقب الأمور , ويرون غايتهم في التحريش , ولعل من أوضح هذه الدلائل استهجان أحد السُّذج على الشيخ ناصر العمر حفظه الله حين أشار الشيخ إلى أن تعليم القرآن لم يتعطَّل في الحرم إلا ثلاث مرَّات , فجاء مشاغباً له بصفاقة وحمق ليُقوِّله مالايلزم من قوله , مع أن الشيخ  حفظه الله لم يزد عن حكاية واقع الحال , وكون ذلك الكاتب يُكذِّب الشيخ ويزعم أن حلقات الحرم المكي لم تتعطَّل فهذا من التزوير , والواقع يشهد بصدق الشيخ وكذب ذلك الكاتب , وآخر ما آلت إليه أمور الحلقات في الحرم حتى هذه اللحظة التوقُّف حتى يرد قرار محرر ينقض القرار المحرر الأول , وذلك لتخوُّف المعلمين من التبعة , وعدم قناعتهم بالقرار الشفوي , وإذا كانت معلومات ذلك الكاتب يشوبها الجهل والنقص فليس بلازم أن يفضح نفسه أمام القراء , إلا إن كان لايملك ما يملأبه فراغ زاويته المتهالكة , أو كان للحفاظ على رزقه , فهذا وأمثاله يجب عليهم أن يعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها .

اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك
6/12/1431هـ
mamal_m_s@hotmail.com

الخميس، 11 نوفمبر 2010

هل يكفي أن تَحُجَّ أم لابد أن .... ؟ . لسليمان الدويش..


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
ففي الوقت الذي يبيع فيه بعض المسلمين أغلب مايملكون , وينفقون أغلب ماكانوا يجمعون , طمعاً في بلوغ هذا البيت العتيق , وأداء فريضة الحج , نجد فئاماً من المنتسبين إلى الإسلام قد بيَّتت نواياها للإفساد , وأعدَّت عدتها للاستغلال الرخيص , وهم في هذا بين مُقِلٍّ ومُستَكْثِر , فمنهم من يتربص مجامع الناس ومواطن ازدحامهم ليلقي بينهم مايتمنى أن يجعلهم جثثاً هامدة , بغية القضاء عليهم من جهة كونهم على غير نحلته الفاسدة , أو إحراج هذا البلد الذي شرَّفه الله بخدمة مقدسات المسلمين من جهة أخرى , ليتسنى له المطالبة بتدويل الحرمين , ولينشر بعد ذلك مايحلو له من أفكار مصادمة لعقائد المسلمين , وهذا كما وقع في أعوام سابقة من عصابة مفسدة , كثيراً ما كانت تنادي بالموت لأمريكا وإسرائيل , وما رأيناها تقتل غير المسلمين الموحدين .
ومنهم من يندس بين الناس مستغلا انشغالهم وغفلتهم , ومستفيداً من ثقتهم وعفويتهم , وربما من خشوعهم وتضرعهم , حيث يمارس في ظل هذه الظروف أبشع أنواع الإيذاء والاعتداء , إما بسرقة مال , أو باعتداء على عرض , وهذا من أعظم الإلحاد والإفساد , ومن أسوأ المسالك وأخطرها , وهو فوق مافيه من قطع طريق هؤلاء الضعفاء , وتعريضهم للمسألة والذل , إضافة لمالاقوه من ذل العوز , والتخلص من غالب مايملكون , ففيه تشويه لسمعة الإسلام في نفوسهم , وربما تكذيب بعضهم لهذا الدين العظيم , كونهم قديغيب عنهم فهم مدلولات النصوص , التي يأخذونها في الغالب على ظاهرها , أو يبنونها على تصورات واعتقادات ليست سليمة ولا دقيقة .
ومنهم من يستغل جهل كثير من الحجاج بنشر بعض المعتقدات الخاطئة , أو الأفكار المخالفة , أو يدعوهم إلى تنظيمات منحرفة , أو يستغل عاطفتهم الدينية , ونخوتهم الإيمانية , فيطلب منهم الدعم والتبرع لجهات مشبوهة , أو منظمات أو جمعيات منحرفة , وربما غلَّف دعوته بغلاف كاذب , أو أخفاها خلف ستار المراوغة , أو انتحل صفة مغايرة لصفته الحقيقية , أو ادَّعى تمثيل جهات رسمية , أو خيرية مأمونة , وذلك ليحتال من خلال مايجده من الثقة والحمية والعاطفة .
ومنهم من يجد في حاجة الحجاج , ومايلقونه من عناء , أو مايجهلونه من واقع الحال , يجد في ذلك وغيره فرصة لإشباع نَهَمِهِ , وتحقيق أطماعه الدنيوية , غير آبهٍ بمحتاج أو ضعيف أو منقطع , ولسان حاله يقول : أنا , وغيري للطوفان .
ومنهم من يجلب معه سلعاً يبيعها , وهذا مما لا اعتراض عليه , وهو مما أباحه الله تعالى , لكن الخطورة تكمن في كون بعض السلع مما له تعلُّق في الصحة والعلاج , مما قد يصلح لشخص دون آخر , ولاتخضع غالباً لفحص طبي , أو توصية من مختص , وهذا مما ينخدع به البسطاء كثيراً , وربما تلقوه بالقبول والاستحسان , وهم لايعلمون أنه قد يكون من السموم القاتلة , أو له من الأعراض الجانبية أضعاف مايريدون علاجه من الأمراض .
ومنهم من يتلقَّف الحجيج للتضليل عليهم ومخادعتهم , وذلك بدعوى تمكينهم من زيارات الأماكن الأثرية كما يزعمون , ويتنقَّل بهم لأماكن لا مشروعية في زيارتها , ولا تعلُّق لها بالحج , لكن جهل أولئك الحجاج , وغش هؤلاء المضللين , كانا وراء هذه الأخطاء المتكررة , والهدف منها تحصيل الأموال , وقد يصاحبها أحياناً هدف بدعي , الغاية منه تعظيم هذه الآثار , وإيجاد عبادات ما أنزل الله بها من سلطان .
كل هؤلاء وغيرهم , وكل من يصرف الحجاج عن حجِّهم , أو يستغلُّ غفلتهم وجهلهم , أو يريد صرف أعمال الحج إلى شعارات سياسية , أو أطماع مادية , أو يروج لعقائد فاسدة , أو يُعرض الناس للتَّلف في أديانهم وأخلاقهم وأموالهم وأجسادهم , فإن من واجبنا أن نكون عيناً ساهرة لكفِّ عدوانه , وأن نقوم بالإبلاغ عنه , ومنع تجاوزاته , وألا نكتفي بتواجد رجال الأمن , أو الجهات ذات العلاقة , فهؤلاء يقومون بدورهم وواجبهم , وكلٌ منا عليه دور وواجب , وهومطالب بأن يجعل من نفسه رجل أمنٍ , ومسؤولاً عن مصلحة الحجاج , وخادماً لبيوت الله وضيوفه , وهذا هو مايؤكده معنى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم , والحذر الحذر أن يتهاون المسلم في ذلك , أو يدَّعي أنه غير مكلَّف , أو أن هذا يعرِّضه للمشكلات , أو غير ذلك من المبررات , التي يراد منها التنصُّل من المسؤولية , فإن من يظن أنه بذلك ينجو فهو واهم , بل هو ممن يعين الظالم على ظلمه , والمفسد على إفساده , لأن أمن المقدسات والحجيج  واجبنا جميعاً , ومهمتنا جميعاً , وقد يسِّر الله اليوم سبل التواصل مع من يعنيهم الأمر , ولاعذر لأحد في التخلف والسكوت , ومن أبلغ عن أي أمر يراه فقد أبرأ ذمته , وقام بمايجب , مايدريك فربما أمر تستريب منه , ثم تخبر عنه من يهمه الأمر , فيكون سبباً لدفع نقمة على أمة من المسلمين , ونحن أن لم نكن يداً واحدة في هذا الموطن , ونسعى لنجاح هذا الموسم , وكسب مرضاة الله أولاً , ثم سرور ضيوف الرحمن وراحتهم , فلا معنى للانتماء لهذا البلد المعطاء , ولا حقيقة لما نردده من حسن الطاعة وصدق الولاء .
اللهم يسِّر للحجاج حجهم , واجعله حجاً مبروراً , وسعياً مشكوراً , وأعدهم إلى أهليهم سالمين غانمين .
اللهم اجزِ كلَّ من ساهم في خدمة الحجيج خيراً , وعوِّضه عمَّا فاته فوق ما يتمنى , واجعل مكافأته الحسنى , وزده رؤية وجهك ياكريم .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
 اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك
5 / 12 / 1431هـ
mamal_m_s@hotmail.com

الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

الفرق بين الكاشيرة والبسّاطة ؟ لسلطان البصيري..

خرجت قبل أيام فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وأعضاؤها من أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة ، وقد تضمّنت الفتوى تحريمَ عمل المرأة كاشيرةً في مكان يرتاده الرجال ، أي مُحاسبةً لهم ، كما تضمّنت الفتوى تحريمَ توظيفها في هذا العمل ، وقد صُدِمَ كثيرون بهذه الفتوى وقال بعضهم مستنكرين عبر مقالات كُتِبت : هل البيع محرّم على المرأة لِيُحرّم عملها في محاسبة الرجال ( كاشيرة ) ؟ ، واستنهضت همّة بعضهم ليُدلّل على استنكاره بجمع الأخبار الواردة والوقائع الحادثة من بيع المرأة لبضاعتها من خلال بسطها في السوق لَيُثبت أن لا فرق بين الكاشيرة والبسّاطة.
       وقبل الدخول في الموضوع للإجابة للتعليق عليه أجد تأمل الواقعة التالية مناسباً :
       أعلنت إحدى الشركات عن وظائف كاشيرات في متاجرها ، فتقدّمت مجموعة من الفتيات المحتاجات بطلب التعيين على هذه الوظائف لسدّ حاجتهن ، وهنّ ممن سبق لهن البيع ببسط بضائعهن في السوق ، فاستقبلت الشركة طلبهن عن طريق إدارة الموارد البشرية فيها ، ولكون الشركة لم يكن لديها في إدارتها العنصر النسائي فقد استقبل الطلب وأجرى المقابلة الموظفون ، وبعد المقابلة تمّ تعيين أغلبهن بعد مطابقة الشروط على أحوالهن ، ثمّ بدأن العمل وهنّ في غاية السعادة ، إذ يجلب لهن العمل راتباً شهرياً لا يقلّ عن ثلاثة آلاف ريال ، ولكون الشركة كما تقدّم ليس في إدارتها عنصر نسـائي فقد قام بتدريبهن موظفو الشركة ، وبعد مرور زمن بدا الجوّ غير مُريْحٍ لهن ، لأنهن لحظن أنّ التعامل مع المراقب ومسؤولي جرد الصناديق كان لمصلحة العمل ولكنه أخذ ينحى مناحٍ لا علاقة لها بالعمل ، كما أنهن كُنّ يتضايقن من أوقات عدم وجود الزبائن كالضحى ، وكذلك دنوّ وقت إغلاق المتجر للصلاة ، لعدم ضمان حمايتهن. 
       من خلال ما تقدّم هل لحظت أخي القارئ الفرق بين عمل المرأة كاشيرة وبين عملها في عمل بعيد عن الرجال كعمل البسّاطة مثلاً ؟
     أخي القاريء إن المفسدة في عمل المرأة كاشيرة تكمن في عملها المختلط بالرجال كزملائها في المتجر ، ومن تُحاسبه من الزبائن بحجّة أنّه مرافق لعائلته ، وما يحصل لها مما يُعرّضها لكلّ صفيقِ وجهٍ قليلِ أدب يخدشُ كرامتَها.
        إن العاقل لم يكن يوماً ضدّ عمل المرأة الذي يحفظها ويوائم طبيعتها   ، ولكنّه ضدّ العمل الذي يُعرّض المرأة لما يخدش كرامتها ، كعمل الكاشيرة الذي منعته اللجنة الدائمة.
          وبالمناسبة فقد كانت الفتوى كالصّدمة لأعداء الفضيلة ممن تسنّم مشاريع إفساد الناس من الجُناة على أهليهم في هذه البلاد ، ومن يعمل على كفء المكتل على من يريد بالناس الخير ، ككُتّاب الصحافة ، أو من يتلبّس لباس أهل العلم وليس منهم ، إذ إن هؤلاء  بالأمس وفي ردّهم لكل فتوى تُخالف هواهم يتذرّعون بأمر خادم الحرمين الشريفين على قصْر الفتوى على هيئة كبار العلماء ، ولكن لمّا خرجت الفتوى من اللجنة – وأعضاؤها من هيئة كبار العلماء – ، وكانت تخالف هواهم ، صرخوا عبر مقالاتهم المكرّرة منتقدين فتوى اللجنة ، وهذا يُعبّر عن الصدمة ، وقديماً قيل : الصُراخ على قدر الألم.
         وعوْداً على الفتوى أقول إن من ينظر فيها وعنده مسكة من علم شرعي يعلم أنها بُنيت على أساس صحيح ، وهو إبعاد المفاسد ولو قابلها مصالح أقلّ منها ، فالقاعدة الشرعيّة تؤكد على أنّ درء المفسدة مقدّم على جلب المصلحة ، لا كما يقول من انتقد الفتوى من الصحفيين وغيرهم ممن هو نُتَفَةٌ لا يُعرف له في العلم أصْلٌ ، ولا تظهر في كلماته إلا مظاهر الجهل والسطحيّة والكلام المرسل.
        وإني لأعجب من الجُناة فإنهم يعلمون من خلال أخبارهم إن لم تكن عقولهم تُدرك أن اختلاط المرأة بالرجال عاقبته وخيمة ، ومع ذلك يُصرّون على رؤيتهم الفاسدة ، فقد نشرت جريدة الرياض في عددها ( 12452 ) وفي يوم الأحد 18/ 5 / 1423هـ الموافق 25 يوليو 2002م خبراً يتضمّن محاكمة محكمة غواتيمالا لرئيس محكمة تحرّش بزميلاته في السلك العدلي ، بعد أن كشفت إحدى زميلاته عما يفعله بعد انفراده بالزميلات في مكتبه !!
         بل كيف بالأمس يُبجّل الجُناة أمرَ خادم الحرمين الشريفين ويُثنون عليه ، ويرونه دفاعاً عن العلم الشرعي من الدُّخلاء فيه ، وهم اليوم بجهلهم المركّبِ أوّلُ من يُخالفه ويقول في الشرع عن جهل !
           وكيف يُدافعون هذه المدافعة الشديدة لتوظيف الفتيات كاشيرات وهي وظائف قليلة جداً بالنسبة لفُرَص توظيف المرأة  للعمل ، كالعمل عن بُعْد ، إذ إن أعداد الفُرَص بالملايين ولم تُفعّل ! ولم يُطالبوا بتفعيلها ! علماً بأن عدد الراغبات في العمل كثير جداً إذا ما قورن عددهن بعدد وظائف الكاشيرات !
            بل كيف يُدافع هؤلاء هذه المدافعة الشديدة لتوظيف الفتيات كاشيرات بدعوى حاجتهن ، وحاجة أهلهنّ من ورائهن ، وهم يعلمون أن آلاف الشباب عاطلون بلا عمل ، والشابّ معنيّ بالإنفاق على من يعول !! بل فيهم من لم يتزوج بعد لقلّة ذات اليد.
           وهاهم اليوم في صحفهم وفي محاولة للطعن في فتوى اللجنة بنشر فتاوى سابقة من اللجنة نفسها لأعضاء توفاهم الله ، يزعمون من خلالها تناقضَ اللجنة فيما صدر منها سابقاً وما صدر منها اليوم ، ولهؤلاء أقول :  إنّ محاولتكم هذه عزّزت استقرار ثلاثة أمور في الأذهان ؛ الأول : جهلَكم باللسان العربي ، فمن يقرأ فتاوى اللجنة السابقة واللاحقة وكان فاهماً للكلام العربي يُدرك معنىً غير الذي أدركتموه ، وألا تناقض في فتاوى اللجنة ، والثاني : غباءَكم المستفحل لارتكاز اطروحاتكم ورؤاكم على استغفال القرّاء وكأنهم لا يفهمون ، والثالث : حقدَكم الدّفين لظهور الحقّ.
       هذا ومما يلحظه المُتابع لما يقذفه هؤلاء عبر بوق الصحافة أنهم في الآونة الأخيرة يعتمدون على نسبة فتاوى لعلماء أموات – كما فعلت الصحافة مع فتاوى اللجنة السابقة – لأنهم يتوقعون أنّ بيان كـذبهم لن يكـون ، فالذين كذبت الصحافة عليهم أموات ، ولكن أرجو أن يكون أبناؤهم وتلاميذهم والمعتنون بتراثهم أولَ من يردّ عليهم ويُبيّن كذبهم.
               ولإزالة الغشاوة التي أحدثها هؤلاء على بعض الناس الذين ينظرون للأمور من زاوية واحدة
 أُذكّر بما كتبته سابقاً في مقال بعنوان ( الفتاة الكاشيرة )  ، قلت فيه :
 لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالمسـاواة بين الرجل والمرأة في الثواب ، إذ قال الله تعالى : [وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] {النساء:124} ، وقال : [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {النحل:97}  ، وقال : [وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ] {غافر:40}
          وكذلك المساواة في أصل التكليف ، كما قال الله تعالى : [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] {الذاريات:56} ، وقال : [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] {الأحزاب:36} ، وفي الحديث المرفوع : ( النساء شقائق الرجال ) رواه أهل السنن.
         لكن ولِمَا تقرّر من الفرق بين الرجل والمرأة في البنية الجسدية والعقلية كما قال الله تعالى : [وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى] {آل عمران:36}  ، فإن الشريعة الإسلامية من تمام عدلها جعلت للرجل تكاليف تختلف عن تكاليف المرأة ، فالرجل مثلاً مكلّف بالإنفاق على المرأة إذا كانت زوجة ، كما قال الله تعالى : [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ] {الطَّلاق:7} ، لأن الرجل قادر على جلب المال من أي عملٍ يعمله ، وأما المرأة فليست مكلّفة بالإنفاق على زوجها ، وذكر الأمثلة على الفوارق بين الرجل والمرأة يطول ، بيْد أن بيت القصيد إثبات الفرق بين الرجل والمرأة ، فالقياس في هذا أي قياس المرأة على الرجل يُسمّى قياساً في معنى الأصل ، والمراد به كما نقل ابن القيّم عن ابن تيميّة رحمهما الله : ( القياس بإلغاء الفارق وهو ألا يكون فرقٌ بين الصورتين مؤثّر في الشرع ) والمقصود بالصورتين صورة الأصل وصورة الفرع ، وحيث وجد الفارق بين الصورتين – ففرقٌ بين الرجل والمرأة – فإن القياس لا يصحّ.
        إذا تقرّر هذا  فلا يُطلب من المرأة أن تعمل عملاً لا يوائم طبيعتها ، نعم لها الحق في الرزق والعيش كما هو من مصالح الناس جميعاً ، ولكن بما يحفظ لها كرامتها.
         فمثلاً العمل الشاقّ ليس لها ولا يُطلب منها ، بل هو للرجل إذ ليس لها مُكنة في أدائه ، وكذلك العمل الذي يُعرّضها لكل صفيقِ وجهٍ وقليلِ أدبٍ ، لأنها دُرّة يجب صيانتها والحفاظ عليها.
         وإن من البلايا إقدام بعض المتاجر على توظيف النساء ( كاشيرات ) أي محاسبات للعائلات ، وتأييد البعض لهم ، سواء ممن ليس له نظرة في مآل الأمر ، أو ممن يُريد فتنة الناس.
        إن المتاجر التي تقوم بتوظيف المرأة كاشيرة  ممثلة في الشركات التي تتبعها وحيث إنها لا تملك إدارات نسائية ، ولن تملك لأنها لا تريد أن تملك ، تفتح الباب لمسؤوليها من الرجال ليستقبلوا طلبات الفتيات للتوظيف ومن ثَمّ مقابلتهن واختبارهن وتدريبهن على آلات المحاسبة والصرف ، ويستتبع ذلك أن يُشرف الرجال عليهن !! فمن أين سيكون المشرف والمراقب ؟؟ بل من سيتولى الجرد اليومي لصناديق الكاشيرات ؟؟ ومن سيتولى تقييم عملهن وما يتبعه من ترقية وعلاوة ؟؟ أليس الرجال ، وأين يبْقين الكاشيرات إذا أُغلقت المتاجر للصلاة ؟؟ ومن يحميهن من الموظفين وغيرهم ؟؟
        ثم إن صناديقهن ليست مخصصّة للنساء فقط ، بل للعائلات !! ، لفتح المجال ليتعامل معها الرجل ، فإمّا أن تفتنه الكاشيرة .. بعذوبة كلامها أو لحظ نظراتها أو ما ظهر من لباسها .. وربما كانت البداية البريئة بين الزبون والكاشيرة بتبادل وسائل الاتصال بينهما من أجل التسوّق !! ، فيا لله كم من زبون سيُفتن ويزهد في زوجته ، ويفسد عليه بيته ، بل ربما يحصل ما هو أكبر من ذلك ، وإما أن يفتن الزبونُ الكاشيرةَ  .. ويحصل لها مثل الفساد الذي يحصل له !!
         إن المتاجر التي تقوم بتوظيف المرأة كاشيرة  ممثلة في الشركات التي تتبعها ليس قصدُها أن تسدّ المرأةُ حاجتَها بالأجر التي تتحصّل عليه من توظيفها كاشيرة .. فمتى علمنا لهؤلاء اهتماماً بشؤون المجتمع التي تعود عليه بالنفع فيما يُرضي الله  ؟؟ لماذا لم يتجهوا لتوظيف الشباب الذين يبحثون عن الوظيفة والاستقرار ؟؟ نعم ، لماذا لم يتجهوا لتوظيف الشباب الذين يبحثون عن الزواج وهم بالآلاف !! أم قصْدهم تعريض المرأة لما يخدش حياءها !! ليتمّ ابتزازها من ذئاب بشرية !! ولكي يُقلّصوا مبالغ الرواتب !!
         ولمن أيّد هذا الأمر ممن يراه مصدرَ رزق للمرأة أقول :أين البرامجُ الاجتماعية التي تُهيء لها العمل المناسب ؟؟  بل أين روحُ التكافل الإسلامية ؟؟ أين النفقةُ على الزوجة ؟؟ أين الصدقةُ على القريب والمحتاج ؟؟ هل نُعالج الخطأ بخطأ ؟؟ لماذا لا نُساعدهن في حاجاتهن ، كما ساعد موسى عليه الصلاة والسلام بنتي شعيب الّتين ابتعدتا عن الرجال في السقي وكانتا ينتظران ذهاب الرجال فيما قاله الله تعالى عنهم ، إذ قال: [وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ – أي دون الرجال – امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ] {القصص:23 - 24}.
        ثم لماذا هذه المتاجر لم تهيئ المكان المناسب لهن ؟ ، كما هو الواجب عليهم حسبما ورد في الباب التاسع من نظام العمل والعمال السعودي.
        ألا إن العاقل لم يكن يوماً ضدّ عمل المرأة الذي يحفظها ويوائم طبيعتها ، ولكنه ضدّ العمل الذي يُعرّضها لكل صفيقِ وجهٍ وقليلِ أدب ، ولله درّ الشاعر القحطاني رحمه الله إذ قال :

إن الرجال الناظرين إلى النساء

                                                           مثل الكلاب تطوف باللُحمانِ

إن لم تصُنْ تلك اللحومَ أُسودُها

                                                              أُكلت بلا عِوَض ولا أثمانِ
      بالأمس وُجدَ من يُطالب بأن تكون المرأة عندنا خادمة في المنزل ، واليوم كاشيرة ، وغداً ربما مظيفة طائرة ، ثم نادلة في مطعم .. وهكذا خطوة خطوة ، كأكل العنب حبّة حبّة ،وكما حصل في دولٍ مجاورة ، ومما سطّره الشيخ على الطنطاوي رحمه الله عن سياسة خطوة خطوة في ذكرياته فيما نقله عنه الشيخ عبد المحسن العبّاد في كتابه " لماذا لا تقود المرأة السيارة في المملكة العربية السعودية " (5/226): ، إذ قال : (( وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روّعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب ، مع أنها لم تكشف إلا وجهها ، ومع أن أباها كان وزيراً وعالماً جليلاً ، وكان أستاذاً لنا.

ومرّت الأيام وجئت هذه المدرسة ألقي فيها دروساً إضافية وأنا قاضي دمشق سنة 1949، وكان يدرِّس فيها شيخنا الشيخ محمد بهجت البيطار، فسمعت مرّة صوتاً من ساحة المدرسة، فتلفت أنظر من النافذة ، فرأيت مشهداً ما كنت أتصور أن يكون في ملهى فضلاً عن مدرسة ، وهو أن طالبات أحد الفصول ـ وكلهن كبيرات بالغات ـ قد استلقين على ظهورهن في درس الرياضة ، ورفعن أرجلهن حتى بدت أفخاذهن عن آخرها! )).


إلى أن قال (ص 238): (( كان أن دمشق التي عرفناها تستر بالملاءة البنت من سنتها العاشرة، شهدت يوم الجلاء بنات السادسة عشرة وما فوقها يمشين في العرض بادية أفخاذهن، تهتز نهودهن في صدورهن تكاد تأكلهن النظرات الفاسقة، وشهدتُ بنتاً جميلة زُيِّنت بأبهى الحُلَل وأُلبست لباس عروس وركبت السيارة المكشوفة وسط الشباب... قالوا: إنها رمز الوحدة العربية! ولم يَدْر الذين رمزوا هذا الرمز أن العروبة إنما هي في تقديس الأعراض لا في امتهانها )).

      إلى أن قال (ص 239): (( ألا مَن كان له قلب فليتفطر اليوم أسفاً على الحياء، مَن كانت له عين فلتَبْكِ اليوم دماً على الأخلاق، مَن كان له عقل فليفكر بعقله، فما بالفجور يكون عز الوطن وضمان الاستقلال، ولكن بالأخلاق تحفظ الأمجاد وتسمو الأوطان )) انتهى كلامه رحمه الله.
        ألا إن العجب لا ينقضي من أفكار أولئك الكُتّاب المميعين لخطورة تعريض المرأة في عملها للتعامل مع الرجل دون حاجة إذا عُلِم أنهم ينقلون في جرائدهم أخباراً تُبيّن مآل الزجّ بالمرأة لعمل تتعرّض من خلاله للتعامل مع الرجل دون حاجة ، فقد نشرت جريدة الرياض في عددها ( 12452 ) وفي يوم الأحد 18/ 5 / 1423هـ الموافق 25 يوليو 2002م خبراً يتضمّن محاكمة محكمة غواتيمالا لرئيس محكمة تحرّش بزميلاته في السلك العدلي  ، بعد أن كشفت إحدى زميلاته عما يفعله بعد انفراده بالزميلات في مكتبه  !!
     ونشرت جريدة الحياة في عددها ( 14018 ) وفي يوم الخميس الموافق 12 / 5 / 1422هـ خبراً يتضمّن شكوى من امرأة أرجنتينية ضد زوجها الذي قيدها بعد أن تحرّكت غيرته عندما علم أنّ زوجته تتعرّض للتحّرش نتيجة عملها خادمة في المنازل !!
      وفي الختام أقول : إنّ من البشائر أن هذه البلاد محفوظة بحفظ الله ، ومن الشواهد عليه أنه قد صحّ الخبر عن سيّد البشر صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم أن أكبر فتنة على وجه الأرض من خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة فتنة المسيح الدجال ، وسيُقيّض الله لها شاباً من هذه البلاد فيُطفئ فتنة الدجال ببيان الحقّ للناس ، ثم ينزل عيسى عليه السلام فيقتل المسيح الدجّال ، فإذا كان الله سيُقيّض لأعظم فتنة من يُبيّن الحقّ فيها من هذه البلاد فيُرجى ذلك لما دونها من الفتن.
         والله نسأل الخير والصلاح والعون والتسديد للراعي والرعيّة.

سلطان بن عثمان البصيري

www.sbusairi.blogspot.com

الثلاثاء، 9 نوفمبر 2010

رحلات الحج في كتب العلماء والأدباء والمستشرقين .. أحمد العساف..



لأدب الرّحلات مكانة عالية بين التَّصانيف المختلفة، وماذاك إلاَّ لما يحويه هذا التَّأليف من فوائد يندر اجتماعها في موضع آخر؛ ولذلك تجد إقبالاً من أهل غالب الفنون، فلكتب الرّحلات عناية بالشُّؤون الدِّينية الخاصَّة بطريق الرّحلة، واهتمام بالأوضاع الاجتماعية، والسِّياسية، والاقتصادية، والعلمية، لقاطني الدِّيار التي يمرُّ بها الرّحالة، وفيها احتفال بالغرائب والعجائب، وحرص على ملاقاة مَنْ يستحق اللقاء من العلماء والأدباء، وإلمام بتاريخ المدن وأسماء البلدان وأخبارها، إضافةً إلى أنَّ طابعها يتَّسم بالإمتاع والمؤانسة، وما أجمل رفقة كتب الرّحلات إبَّان السَّفر؛ أو حين انشغال الذِّهن؛ ففيها ترويح آمن، ومعلومات لطيفة لا تجلب الملل للنَّاظر فيها.
ومهما تنوعت الرّحلات واختلفت؛ فإنَّ أعظم رحلة يقوم بها إنسان هي تلك الرّحلة التي تسبق مشاعرُه فيها جوارحه، وترنو إليها روحه سابقةً جسده، ويهيم بها فؤاده قبل الشُّروع فيها، ولا تجتمع هذه الصِّفات إلاّ لقاصدي البيت العتيق للحجّ والعمرة؛ ثمَّ اهتبال فرصة القرب لزيارة المدينة النَّبوية والصَّلاة في مسجدها، ويالها من رحلة تستعذبها الأرواح، وتستروح النُّفوس عبيرها، وتظلُّ ذكراها الجميلة عالقةً في ذهن منشئها زمناً طويلاً طويلا.
وقد ألَّف بعض العلماء والأدباء والبلدانيين والمؤرخين والمستشرقين كتباً عن رحلاتهم إلى الحج، فبعضها كتاب خاصٌّ عن رحلة الحج فقط، وبعضها كتاب رحلة عامَّة ضمَّنها مؤلفها حديثاً عن رحلته إلى الحج والحجاز. ويرجع التَّأليف في هذا الباب إلى القرن السَّادس الهجري، واشتغال الأدباء به أكثر من اشتغال العلماء، لأنَّ الأدباء يتوسعون في العبارة، ويكتبون عن الحادثة الواحدة صفحاتٍ طويلةً ماتعة بسبب ماحباهم الله من أدب الدَّرس؛ والقدرة على تشقيق الكلام وإجادة الوصف، وهذا ما لا يتوافر لدى العلماء الذين يحسبون حساب الكلمة الواحدة، وليس لكثير منهم التفات نحو العبارات البلاغية والبيان الزَّائد عن حدِّ الإفهام؛ إضافةً إلى انصرافهم نحو علم المناسك والأحكام حيث منفعته أعظم وله الأولوية على غيره.
واتسعت خريطة الكتابة عن رحلات الحج حتى شملت مؤلفين من الأندلس والمغرب، ومصر والشَّام، والهند واليابان، وتركيا وآخرين من عدَّة بلاد أوربية طبقاً لجنسية المؤلف أو مكان إقامته، واختلفت أحوال المؤلفين ما بين رحلة شخصية، أو مرافقة لأمير أو ملك، أو على رأس وفد دولة أو أميرٍ لموكب حجِّها، أو ضيفٍ على حكَّام الحجاز، أو صاحب مشروع سياسي كما في كثير من رحلات المستشرقين. وقد يسَّر الله أن انبرى بعض الباحثين و المؤسسات الثَّقافية لخدمة ونشر بعض كتب رحلات الحج، ويبقى الجهد الأعظم في استقصاء جميع ما كتب عن رحلات الحج، ونشره محقَّقا؛ ووضع فهارس كاشفة تعين القارئ على بلوغ مراده، ومعرفة المخطوط منها والمطبوع أو المفقود.
وشملت عناية بعض المؤلفين تتَّبع كتب رحلات الحج كما فعل الأستاذ الشَّيخ حمد الجاسر- رحمه الله- في مجلد واحد أسماه: (أشهر رحلات الحج)، واختصر د. محمد بن حسن الشريف أكثر من عشرين كتاباً من كتب رحلات الحج القديمة والحديثة في أربعة مجلدات بعنوان: (المختار من الرّحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النَّبوية)، كما أصدر الأستاذ أحمد محمد محمود كتاباً عنوانه: (رحلات الحج) في ثلاثة أجزاء، وتحدَّث فيه عن جملة من كتب رحلات الحج خلال القرون الثَّلاثة الأخيرة.
وتأتي أهمية كتب رحلات الحج وزيارة الحرمين من عظم فائدتها العلمية وقيمتها لدى الباحثين؛ فضلاً عن ارتباطها بالأماكن المقدَّسة، ومن جوانب أهميتها أنَّها بيان دقيق لحال المسلمين الدِّينية ومدى قربهم من الله وإتِّباعهم السنَّة خصوصاً ما يتعلق بأهل الحرم، إضافةً إلى وصف الأوضاع السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية؛ ونقل عادات السُّكان وطبيعتهم في الافراح والأحزان، وتسجيل سيرة أمراء الحجاز مع الحجَّاج وطرق سياستهم للعامَّة، كما أنَّها تصف العاطفة ومعاني الأخوَّة في الدِّين عند الحجيج وسكان الحرمين، وفيها إيضاح قيمة الأدب ومبلغه؛ وقدر العناية باللغة وعلومها في زمن الرّحلة، كما أنَّها تخبر عن أمن الطريق إلى الحج عبر العصور، وقد تلمح إلى جهاد المسلمين وشؤونهم العسكرية، ومن خلالها يمكن الإلمام بشيء من تاريخ عمارة الحرمين الشَّريفين والمشاعر المقدَّسة، إلى غير ذلك من فوائد وفرائد يتلذَّذ بها العقل ويطرب لها السَّمع.
وتمتاز كتب الرّحلات التي صنَّفها العلماء باحتوائها على مناسك الحج وأحكامه، بينما تهتم كتب الأدباء والمؤرخين بالطُّرف والأخبار الأنيسة، والأوصاف الشَّائقة، وربما لا تخلو من بدع أو خرافات أو معتقدات باطلة، ومن أشهر كتب الرّحلات التي لم تسلم من البدع والمعتقدات الخاطئة رحلة ابن بطوطة المسمَّاة: (تحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، ومن المفارقات أنَّ هذه الرّحلة قد ترجمت إلى بضع لغات عالمية! وبعض الرّحلات ينكشف شأنها من عنوانها مثل رحلة أبي عبد الله محمد بن أحمد القيسي الشَّهير بالسِّراج، والملقب ابن مليح، واسمها: (أنس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى منتهى الآمال والمآرب سيد الأعاجم والأعارب).
وتعدُّ رحلة ابن رشيد السَّبتي من أفضل كتب الرّحلات التي دوَّنها العلماء لما أودعه فيها من متين العلم وأخبار ملاقاة العلماء ومذاكرتهم، وهذه الرّحلة مطبوعة محقَّقة في خمسة مجلدات، وعنوانها: (ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة). ومن الرّحلات المهمة في هذا الباب: رحلة الشَّيخ الشِّنقيطي صاحب أضواء البيان وعنوانها (رحلة الحج إلى بيت الله الحرام)، ورحلة محمد رشيد رضا بعنوان: (رحلة الحجاز)، ومن أفضل الرّحلات المعاصرة التي أملاها الأدباء (مرآة الحرمين) من تأليف اللواء إبراهيم رفعت وكان أميراً على موكب الحج المصري، ورحلة الأمير شكيب أرسلان بعنوان: (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف).
ومن طرائف كتب رحلات الحج أنَّ أحدهم ألَّف كتاباً عن رحلته للحج باللهجة المصرية العامية أسماها: (يا هناء للوعد) وهذا من الغرائب كما يقول الشَّيخ العلاّمة د. عبد الكريم الخضير، أمتع الله به. ومنها ما ذكره غلام رسول مهر في رحلة حجه عام 1348 من شبه القارّة الهندية بعنوان: (يوميات رحلة في الحجاز)، حيث تعجَّب ومرافقوه من انتشار ركوب الحمير في الحج؛ ومن كثرتها التي تعود لانخفاض أجرتها مقارنة بالجمال؛ وهو الأمر الذي يراه أهل الهند عاراً وعملاً قبيحا، ثمَّ تغيَّر رأيه هو وأصحابه الذين كانوا معه وأصلحوا نظرتهم للحمار كمركوب! بعد أن استخدموه لأداء فريضة الحج، ووصف هذا المنظر بأنَّه رائع إذ لم يسبق لأحدهم أن خاض هذه التَّجربة من قبل! ومن أعجب ما قرأته في رحلات الحج أنَّ المصلين في الحرم كانوا يؤمِّنون بصوت خافت على دعاء الخطيب للخليفة أو لأمير مكة، فإذا بدأ الخطيب في الدُّعاء لصلاح الدِّين الأيوبي-رحمة الله عليه- ارتَّج المسجد الحرام بالتَّأمين والبكاء!
ومن ملح هذه الرّحلات ما ذكره أحد الرّحالة عن نفسه إذ دخل الحجاز وخرج منها فما رأى وجه امرأة قطّ لانتشار الحجاب حينذاك! وقد كان حج الملوك والأمراء والكبراء قديماً مع باقي الحجاج ولا ينفردون إلاّ في مواضع قليلة؛ مما جعلهم يطَّلعون بلا وسيط على أحوال المسلمين، وهذا بخلاف زعماء هذا الزَّمان الذين تختفي أشباحهم عن جمهرة الحجيج فلا يرى بعضهم بعضاً إلا خلف الشَّاشات؛ ومع ذلك يتسببون في زحام الطَّريق والتَّضييق على الحجاج وفيهم الضَّعيف والمريض والكبير.  
          وقد كان للمستشرقين والجواسيس رحلات حج مدوَّنة، فمنها رحلة سرّية للضَّابط الروسي عبدالعزيز دولتشين على أعتاب القرن العشرين الميلادي، ورحلة جوزيف بتس وهو أول إنجليزي في التَّاريخ الحديث يزور مكة، ورحلة الفرنسي ليون روش في منتصف القرن التَّاسع عشر الميلادي؛ وقد اتَّخذ اسماً عربياً يتَّخفى تحته؛ فسمّى نفسه عمر بن عبد الله، وكان غرضه سياسياً خالصا؛ حيث حاول الوصول إلى شريف مكة واستصدار فتوى شرعية تحرِّم الجهاد ضد الفرنسيين في الجزائر وتجعله من باب إلقاء النَّفس إلى التهلكة!
ومن عظم همَّة القوم ما قام به المستشرق الهولندي سنوك الذي تجشَّم العناء وسافر إلى مكة، وأقام فيها بضعة أشهر، ثم كتب رسالته للدكتوراه عن الحج، وعلى أساس رحلته هذه وضعت هولندا استراتيجيتها لاحتلال بلاد المسلمين في جنوب شرق آسيا. وللإيطالي فارتيما رحلة في القرن العاشر الهجري حيث دخل مكة باسم يونس العجمي وكان جاسوساً لصالح البرتغال، ومن الرّحلات المهمَّة رحلة بيرتون إلى مكة في ثياب درويش أفغاني بينما كان ضابطاً إيرلندياً يعمل في الجيش البريطاني الموجود في الهند، وكانت رحلته في منتصف القرن الثَّالث عشر الهجري.
وللمسلمين من الغربيين كتب أخرى؛ فللكاتب النّمساوي المسلم محمَّد أسد رحلة بعنوان: (الطريق إلى مكة)؛ وقد ترجمت إلى أكثر من لغة؛ وهو كتاب يجذب قارئه ويمتعه. وقد أثَّرت رحلة الحج تأثيراً بالغاً في الكاتب الأمريكي المسلم جفري لانج وسجَّل أحداثها في كتابه: (الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام) حيث انبهر بالتَّنوع البشري في الحج، وكانت رحلة الحج سبباً في تغيير أفكار الزَّعيم الأميركي المسلم مالكوم إكس عن الإسلام؛ حيث استبان له ضلالة معتقداته السَّابقة وعاد إلى بلاده داعية إلى الدِّين الحقِّ الذي عرفه واقتنع به في بطاح مكة الطَّاهرة.
ومن الطَّريف أن رحلة الحج التي شرع بها الكاتب المصري محمد حسين هيكل كانت بسبب نصيحة من المسلم المجري عبد الكريم جرمانوس الذي تبدلت حياته للأفضل بعد أن أدَّى فريضة الحج، ومن عظم بركة تلك الرحلة عليه أن وصفها في كتابه عن رحلة الحج بعنوان: (الله أكبر) بأنَّها: "لحظة من لحظات الإشراق". وقد وضع هيكل كتاباً عن رحلته أسماه: (في منزل الوحي) واشتمل على معان إيمانية لم تك معهودةً في كتاباته من قبل.
وممَّا يجب اليقظة له الحذر من أن تكون البقاع المقدَّسة مقصداً للكفار الذين يتستَّرون بإدِّعاء الإسلام؛ خاصَّة أنَّ قضية التَّحول من دين إلى آخر عملية سهلة لدى فئام من الغربيين لتحقيق أغراضهم وإرضاء نهمهم المعرفي.
وبعد هذا التِّجوال السَّريع في الكتب التي أفردت لحفظ رحلات أصحابها لأداء الحج، قد يعتقد بعضنا أنَّ هذا النَّوع من الكتب قد انتهى بثورة المواصلات والاتِّصالات ويسر الوصول إلى الدِّيار المقدَّسة؛ وليست الطَّريق هنالك! فمن النَّاس مَنْ يكدح عمراً طويلاً لجمع نفقة الحج؛ وإنَّ هذا الكدح لقمين بالتَّوثيق ليعلم المقصِّرون من الأثرياء والمقتدرين الذين لا يحجون كبير فضل الله عليهم وقبح صنيعهم. كما أنَّ للفضلاء من الدُّعاة جولات دعوية حقيقة بالتَّدوين ليستفيد منها السَّابق بالخيرات والمقتصد؛ وعسى أن يهتدي بها كلُّ ظالم لنفسه. ولاشيء يحول دون تسطير إبداعات علمائنا وكتَّابنا عن حجهم ومشاعرهم في الموسم الميمون في كتاب حافل، أو أن يكتب المسلم الذي كان الحج بالنِّسبة له رحلةً من الضَّلالة إلى الهدى أخبار رحلته، ففي الحج منافع للنَّاس؛ وإمتاع العقول منفعة وأيُّ منفعة. 
أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
الثلاثاء 26 من شهرِ شوال عام 1431
*نشر هذا المقال في مجلة البيان عدد شهر ذي الحجة عام 1431

صحافتنا الورقيّة تحت الأوامر أم فوقها؟ أحمد العساف..


صحافتنا الورقيّة تحت الأوامر أم فوقها؟   
في رمضان المنصرم أصدر الملك-وفقه الله- أمراً بقصر الفتوى على أعضاء اللجنة الدَّائمة للإفتاء وأعضاء هيئة كبار العلماء، وجاء في نصِّ الأمر الملكي الوعيد الشَّديد لمن تقَّحم حمى الفتوى وهو ليس من أهلها، خاصَّة في الأمور العامة؛ وفي الفتاوى التي تُذاع عبر وسائل الإعلام. وبغضِّ النَّظر عن مآلات هذا الأمر وكيفية تطبيقه بطريقة شرعيّة مناسبة، فقد انعقد في روع الكَّافة أنَّ الفتوى باتت محميَّة؛ فأمر الملك المكتوب والمعلن واضح؛ والويل لضحيته الأولى.
     والاعتراض على الفتوى فتوى ثانية وليست حرّية رأي، فلا يستقيم بحال أن تكون الفتوى محصورة في هيئة أو لجنة؛ ثم يُباح لكلِّ ذي قلم أو صوت أو صورة أو موقع مناقشة الفتوى وهو ليس من أهل التَّخصص؛ بل إنَّ منطوق الأمر ومفهومه يمنعان أهل التَّخصص(!) من إبداء أيِّ رأي عن فتاوى الهيئة أو اللجنة بَلَه غيرهم، وبغير هذا الفهم لا يكتمل الأمر، فلا معنى لتضييق ابتداء الفتوى مادامت دائرة الاعتراض واسعة لمن لا يعلم في الشَّريعة ما يؤهله للحجاج أو المذاكرة.   
وبعد صدور فتوى اللجنة الدَّائمة للإفتاء بتحريم عمل المرأة "كاشيرة" هبَّت عاصفة الاعتراض من بعض كتَّاب صحفنا، ولن أقول إنَّهم لم يحترموا التَّخصص فقد حفظنا عنهم مواقف كثيرة لا تُحصى في هذا الباب، ولن أشير إلى تسفيه العلماء والاستهزاء بهم لأنَّه دأبهم منذ عشر سنوات وقلم التَّاريخ شاهد وسيروي شهادته، وإنِّما الذي لا أجد له تفسيراً هو جرأتهم على انتهاك الإرادة الملكية وتجاوزها كأن لم تكن! وهم الذين طاروا بها قبل ثلاثة أشهر فقط! ويزداد الاستغراب إذا علمنا أنَّ التَّوجيه الملكي لا يزال حاضراً في الذِّهن والواقع؛ فوزارة الإعلام  وهيئة الاتِّصالات قد مضتا في إعاقة عدد من المنابر بدعوى مخالفة الأمر، وها هي الوزارة اليوم جامدة أمام صحافتنا الجريئة بينما تلهث خلف ضبط النَّشر الإليكتروني، وقد كان "مربع" واحد يُبَّشر بطول سلامة فيما مضى؛ فصاروا اليوم مرابعاً كثيرا.
وليست هذه هي الحادثة الأولى التي تهمل الصَّحافة السُّعودية فيها توجيهات ولاة الأمر، فقد استضاف الملك مرَّة رؤساء التَّحرير واستنكر عليهم -مشكورا- الصُّور النِّسائية في صحفهم، وكان مقتضى الأدب أن يخرج الرؤساء المعمِّرون من ديوان الملك ويكتبوا شيئا عن غيرته؛ ثم يصوموا عن نشر الصور ولو أسبوعاً واحدا، بيد أنَّهم لم يبرزوا الأمر الشَّفهي ولم ترعوِ صحفهم عن نشر صور الفاتنات. وفي حفل استقبال أهالي القصيم أمر الملك بهجر التَّصنيف في خطبته القصيرة ومع ذلك فأكثر ما يكون التَّصنيف عبر صحفنا، ومن صنَّف صُنِّف! وهذا الاطِّراد في مواقف الصَّحافة المتعالية على الأوامر العُليا ليس له ما يسوّغه؛ إلا إن حظيت الصُّحف بضوء أخضر داخلي على منوال الغارات الصّحفية المتكررة، أو باركت مسعاها التَّخريبي دول ومنظمات خارجية على غرار تأييد الأعداء للرَّوافض والباطنية وكلِّ مَنْ يخرق سفينة وحدتنا.
     ولم تكتف بعض الصُّحف بفتوى النَّقض لفتوى اللجنة، بل نشرت تصريحاً مكذوباً على لسان معالي الشَّيخ أ.د. عبد الله المطلق-حفظه الله-، وقد سارع الشَّيخ بتكذيب هذا التَّصريح المفترى، ونقضه بأسس نظامية، مع نصيحة حانية للصُّحف بالصِّدق والتَّحري. ولا ألوم المتابع لهذه الحملة الصَّحفية على فتوى اللجنة إذا أعتقد أنَّ الأمر الملكي لاغ؛ أو أنَّ الصَّحافة فوق كلِّ أحد! ولو أنَّ المعترض كان خطيب جمعة لقُطع لسانه وكُفت يده وربُّما دُق عنقه بتعاون ثلاث وزارات ذات شأن.
والمتفائلون يقولون إنَّ موسم الحج قد استحوذ على الأحداث المحليَّة، ويجزمون أنَّ نهاية موسم الحج سيتبعها نهاية رؤوس صحفية كثيرة، وطيِّ صفحة حقبة طويلة من الرَّأي الواحد في صحافتنا الورقية، ويحلمون أنَّ عيد الأضحى القريب ستكثر بعده الضَّحايا، ويبنون رأيهم على أنَّ من رجال الملك المخلصين في الحكومة وفي الدِّيوان أغيار لا يرضون بهذه الفوضى، فضلا عن أنَّ الملك حريص على متابعة هذا الموضوع ويستعجل إنهاء لائحته التَّنفيذية، وأنَّه سيضرب بيد قوية الذين تجرأوا دون أن تكون لهم أهليَّة، فاللهم انهِ موسم الحج على خير، واعد الحجَّاج سالمين مقبولين آمنين، واسمعنا بعد الحج أخباراً تشنِّف آذاننا، وتسعد قلوبنا وقلوب الغالبية الصَّامتة التي لا ترضى إلا بما يرضي الله ويرضيه عنَّا أهل البلد وحماته.  
 أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
السبت 29 من شهرِ ذي القعدة الحرام عام 1431
ahmadalassaf@gmail.com