بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه أجمعين , ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
ففي الوقت الذي يبيع فيه بعض المسلمين أغلب مايملكون , وينفقون أغلب ماكانوا يجمعون , طمعاً في بلوغ هذا البيت العتيق , وأداء فريضة الحج , نجد فئاماً من المنتسبين إلى الإسلام قد بيَّتت نواياها للإفساد , وأعدَّت عدتها للاستغلال الرخيص , وهم في هذا بين مُقِلٍّ ومُستَكْثِر , فمنهم من يتربص مجامع الناس ومواطن ازدحامهم ليلقي بينهم مايتمنى أن يجعلهم جثثاً هامدة , بغية القضاء عليهم من جهة كونهم على غير نحلته الفاسدة , أو إحراج هذا البلد الذي شرَّفه الله بخدمة مقدسات المسلمين من جهة أخرى , ليتسنى له المطالبة بتدويل الحرمين , ولينشر بعد ذلك مايحلو له من أفكار مصادمة لعقائد المسلمين , وهذا كما وقع في أعوام سابقة من عصابة مفسدة , كثيراً ما كانت تنادي بالموت لأمريكا وإسرائيل , وما رأيناها تقتل غير المسلمين الموحدين .
ومنهم من يندس بين الناس مستغلا انشغالهم وغفلتهم , ومستفيداً من ثقتهم وعفويتهم , وربما من خشوعهم وتضرعهم , حيث يمارس في ظل هذه الظروف أبشع أنواع الإيذاء والاعتداء , إما بسرقة مال , أو باعتداء على عرض , وهذا من أعظم الإلحاد والإفساد , ومن أسوأ المسالك وأخطرها , وهو فوق مافيه من قطع طريق هؤلاء الضعفاء , وتعريضهم للمسألة والذل , إضافة لمالاقوه من ذل العوز , والتخلص من غالب مايملكون , ففيه تشويه لسمعة الإسلام في نفوسهم , وربما تكذيب بعضهم لهذا الدين العظيم , كونهم قديغيب عنهم فهم مدلولات النصوص , التي يأخذونها في الغالب على ظاهرها , أو يبنونها على تصورات واعتقادات ليست سليمة ولا دقيقة .
ومنهم من يستغل جهل كثير من الحجاج بنشر بعض المعتقدات الخاطئة , أو الأفكار المخالفة , أو يدعوهم إلى تنظيمات منحرفة , أو يستغل عاطفتهم الدينية , ونخوتهم الإيمانية , فيطلب منهم الدعم والتبرع لجهات مشبوهة , أو منظمات أو جمعيات منحرفة , وربما غلَّف دعوته بغلاف كاذب , أو أخفاها خلف ستار المراوغة , أو انتحل صفة مغايرة لصفته الحقيقية , أو ادَّعى تمثيل جهات رسمية , أو خيرية مأمونة , وذلك ليحتال من خلال مايجده من الثقة والحمية والعاطفة .
ومنهم من يجد في حاجة الحجاج , ومايلقونه من عناء , أو مايجهلونه من واقع الحال , يجد في ذلك وغيره فرصة لإشباع نَهَمِهِ , وتحقيق أطماعه الدنيوية , غير آبهٍ بمحتاج أو ضعيف أو منقطع , ولسان حاله يقول : أنا , وغيري للطوفان .
ومنهم من يجلب معه سلعاً يبيعها , وهذا مما لا اعتراض عليه , وهو مما أباحه الله تعالى , لكن الخطورة تكمن في كون بعض السلع مما له تعلُّق في الصحة والعلاج , مما قد يصلح لشخص دون آخر , ولاتخضع غالباً لفحص طبي , أو توصية من مختص , وهذا مما ينخدع به البسطاء كثيراً , وربما تلقوه بالقبول والاستحسان , وهم لايعلمون أنه قد يكون من السموم القاتلة , أو له من الأعراض الجانبية أضعاف مايريدون علاجه من الأمراض .
ومنهم من يتلقَّف الحجيج للتضليل عليهم ومخادعتهم , وذلك بدعوى تمكينهم من زيارات الأماكن الأثرية كما يزعمون , ويتنقَّل بهم لأماكن لا مشروعية في زيارتها , ولا تعلُّق لها بالحج , لكن جهل أولئك الحجاج , وغش هؤلاء المضللين , كانا وراء هذه الأخطاء المتكررة , والهدف منها تحصيل الأموال , وقد يصاحبها أحياناً هدف بدعي , الغاية منه تعظيم هذه الآثار , وإيجاد عبادات ما أنزل الله بها من سلطان .
كل هؤلاء وغيرهم , وكل من يصرف الحجاج عن حجِّهم , أو يستغلُّ غفلتهم وجهلهم , أو يريد صرف أعمال الحج إلى شعارات سياسية , أو أطماع مادية , أو يروج لعقائد فاسدة , أو يُعرض الناس للتَّلف في أديانهم وأخلاقهم وأموالهم وأجسادهم , فإن من واجبنا أن نكون عيناً ساهرة لكفِّ عدوانه , وأن نقوم بالإبلاغ عنه , ومنع تجاوزاته , وألا نكتفي بتواجد رجال الأمن , أو الجهات ذات العلاقة , فهؤلاء يقومون بدورهم وواجبهم , وكلٌ منا عليه دور وواجب , وهومطالب بأن يجعل من نفسه رجل أمنٍ , ومسؤولاً عن مصلحة الحجاج , وخادماً لبيوت الله وضيوفه , وهذا هو مايؤكده معنى النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم , والحذر الحذر أن يتهاون المسلم في ذلك , أو يدَّعي أنه غير مكلَّف , أو أن هذا يعرِّضه للمشكلات , أو غير ذلك من المبررات , التي يراد منها التنصُّل من المسؤولية , فإن من يظن أنه بذلك ينجو فهو واهم , بل هو ممن يعين الظالم على ظلمه , والمفسد على إفساده , لأن أمن المقدسات والحجيج واجبنا جميعاً , ومهمتنا جميعاً , وقد يسِّر الله اليوم سبل التواصل مع من يعنيهم الأمر , ولاعذر لأحد في التخلف والسكوت , ومن أبلغ عن أي أمر يراه فقد أبرأ ذمته , وقام بمايجب , مايدريك فربما أمر تستريب منه , ثم تخبر عنه من يهمه الأمر , فيكون سبباً لدفع نقمة على أمة من المسلمين , ونحن أن لم نكن يداً واحدة في هذا الموطن , ونسعى لنجاح هذا الموسم , وكسب مرضاة الله أولاً , ثم سرور ضيوف الرحمن وراحتهم , فلا معنى للانتماء لهذا البلد المعطاء , ولا حقيقة لما نردده من حسن الطاعة وصدق الولاء .
اللهم يسِّر للحجاج حجهم , واجعله حجاً مبروراً , وسعياً مشكوراً , وأعدهم إلى أهليهم سالمين غانمين .
اللهم اجزِ كلَّ من ساهم في خدمة الحجيج خيراً , وعوِّضه عمَّا فاته فوق ما يتمنى , واجعل مكافأته الحسنى , وزده رؤية وجهك ياكريم .
اللهم عليك بالفجرة المنافقين , والخونة الليبراليين , والرجس العلمانيين .
اللهم اهتك سترهم , وزدهم صغارا وذلا , وأرغم آنافهم , وعجل إتلافهم , واضرب بعضهم ببعض , وسلط عليهم من حيث لايحتسبون .
اللهم اهدِ ضال المسلمين , وعافِ مبتلاهم , وفكَّ أسراهم , وارحم موتاهم , واشفِ مريضهم , وأطعم جائعهم , واحمل حافيهم , واكسُ عاريهم , وانصرمجاهدهم , وردَّ غائبهم , وحقق أمانيهم .
اللهم كن لإخواننا المجاهدين في سبيلك مؤيدا وظهيرا , ومعينا ونصيرا , اللهم سدد رميهم , واربط على قلوبهم , وثبت أقدامهم , وأمكنهم من رقاب عدوهم , وافتح لهم فتحا على فتح , واجعل عدوهم في أعينهم أحقر من الذر , وأخس من البعر , وأوثقه بحبالهم , وأرغم أنفه لهم , واجعله يرهبهم كما ترهب البهائم المفترس من السباع .
اللهم أرنا الحق حقاوارزقنا اتباعه , والباطل باطلا وارزقنا اجتنابه , ولاتجعله ملتبسا علينا فنضل .
اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردا جميلا .
اللهم أصلح الراعي والرعية .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها , وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير , مفاتيح للفضيلة , وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا , واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع الدعاء .
هذا والله أعلى وأعلم , وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيزالدويش
أبومالك
5 / 12 / 1431هـ
mamal_m_s@hotmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق